تقدّم دراسة د. الوليد آدم مادبو “نحو تسوية سياسية مستدامة في السودان” واحدة من أكثر المحاولات التحليلية صرامة في تفكيك استعصاء المشهد السوداني بعد أبريل ٢٠٢٣. وما يميّز هذه الدراسة عن كثير مما كُتب في هذا الباب ليس مجرد رصد الفجوات الخمس ، الشرعية، والوساطة الإقليمية، والرؤية الاستراتيجية، والمأسسة، والمناخ الاجتماعي ، بل تصميمها كسلسلة سببية متعاقبة يُنتج بعضها شروط بعض، لا كقائمة عوامل متجاورة يمكن معالجة كل منها بمعزل عن الأخرى. هذا الاختيار المنهجي هو بالضبط ما يفتح مساحة حوار حقيقية مع “ميثاق النجاة وبناء الدولة”، الذي يشترك مع الدراسة في الانطلاق من فرضية أن معالجة فجوة واحدة بمعزل عن بقيتها تُنتج تسوية شكلية سرعان ما تصطدم بالفجوة المُهمَلة. هذا المقال لا يسعى إلى مصادمة تحليل مادبو، فتشخيصه للفجوات الخمس يقف على أرض صلبة من حيث الدقة والواقعية. غرضه استكمال المسار من نقطة التشخيص، التي بلغت فيها الدراسة ذروتها ، إلى نقطة الآلية التنفيذية، عبر عرض المكونات المحددة في الميثاق التي تُقابل كل فجوة من الفجوات الخمس بأداة مؤسسية قابلة للتفعيل، لا بمجرد وصف أدق لذات الإشكال.
أولاً: فجوة الشرعية، من “سباق الفراغ” إلى الشرعية الوظيفية الصاعدة
يشخّصد د. مادبو أزمة الشرعية بدقة نادرة حين يصف المشهد بأنه “سباق بين طرفين ناقصي الشرعية على ملء فراغ، لا إحلال طرف شرعي محل آخر فاقد للشرعية”. هذا التوصيف يتجاوز الخطاب السائد الذي يفترض ضمناً ، من أي جهة صدر، أن أحد الطرفين يملك شرعية أصيلة يفتقر إليها الآخر، بينما الواقع أن الجيش يتصرف كأن الشرعية الدستورية القديمة ما زالت قائمة رغم تآكلها، بينما تتصرف “تأسيس” كأن السيطرة الميدانية تصنع شرعية بديلة تلقائياً. والسؤال الذي تطرحه الدراسة بحدة ، هل نحن أمام ترميم لدولة متآكلة أم بناء دولة جديدة من الصفر؟، هو ذاته السؤال الذي انطلق منه الميثاق، بإجابة ثالثة ترفض الاستقطاب الثنائي بين الترميم والبناء من الصفر: مفهوم “الشرعية الوظيفية الصاعدة” (bottom-up functional legitimacy)، الذي يقرر أن الشرعية لا تُستمد من الاستمرارية الدستورية المفترضة ولا من فرض الأمر الواقع الميداني، بل تُبنى تصاعدياً من قاعدة الأداء الفعلي والخدمة المُقدَّمة للمواطن في الوحدات الإدارية والوظيفية الأصغر، قبل أن تتراكم نحو مستوى وطني جامع. بعبارة أخرى: الشرعية الوظيفية الصاعدة تحل “سباق الفراغ” الذي ترصده الدراسة عبر نقل معيار الشرعية من سؤال “من يسيطر؟” إلى سؤال “من يُنتج ويُخدم فعلياً؟” ، وهو معيار لا يمنحه أي طرف الحرب لنفسه تلقائياً بحكم السلاح أو التاريخ الدستوري، بل يُكتسب تدريجياً وقابل للتحقق والمساءلة.
ثانياً: فجوة المأسسة ، من التحذير النظري إلى الأداة المؤسسية
استحضار د. مادبو لإطار هنتنغتون ، العلاقة العكسية بين مستوى المأسسة ومستوى الانفعالية السياسية ، دقيق تحليلياً، وتشخيصه لمفارقة “الحزب الواحد التوافقي” بالغ الأهمية: فالمنطق ذاته الذي يبرره كجسر مؤقت يمتص الاحتقان، يمكن تسليحه خطابياً لتجميد الفجوة إلى أجل غير مسمى في غياب ضمانات مؤسسية صارمة (كوتات، قضاء دستوري مستقل فعلياً، آجال زمنية ملزمة). هذا التحذير تحديداً هو ما صُمِّم “الجدار المؤسسي” في الميثاق لمعالجته بنيوياً لا خطابياً: فصل صارم بين الطبقة السياسية (الأحزاب والفاعلين المتنافسين على السلطة) وبين الطبقة التنفيذية-المدنية (الخدمة المدنية، القضاء، الأجهزة الرقابية)، بحيث لا يستطيع أي توافق سياسي مؤقت، مهما طال أمده أو حسنت نيته ، أن يبتلع مؤسسات الدولة المحايدة أو يحوّلها إلى امتداد لمحاصصته. ويكمل هذا الجدار مكوّن ثانٍ يعالج تحديداً معضلة “تمثيل من؟” التي تنشأ حين تغيب الأحزاب الراسخة: “الركيزة الرابعة”، وهي نظام تمثيل إقليمي وزني عبر ست مناطق وظيفية، لا يقوم على العد السكاني المجرد ولا على الوزن العسكري الآني، بل على معادلة مركّبة تحول دون أن يتحول “الحزب الواحد التوافقي” إلى أداة لتأبيد هيمنة مركز أو محور بعينه. هكذا يتحول تحذير مادبو النظري من “مفارقة يجب الانتباه إليها” إلى ثغرة مسدودة بآلية قابلة للتفعيل.
ثالثاً: فجوة المناخ الاجتماعي، تفكيك “المصلحة المتبادلة في الانقسام”
من أعمق ما في الدراسة تشخيصها لكون إغلاق المجال الاجتماعي ليس عائقاً عرضياً بل “مصلحة موضوعية متبادلة”: الجيش لأن فتح الممرات يُشرعن سيطرة الطرف الآخر على الأرض، والطرف الآخر لأن الانفتاح يهدد احتكاره الاقتصادي الناشئ الذي يحتاج حدوداً واضحة ليعمل. هذا التشخيص يفسّر لماذا فشلت كل مسارات “الممر الآمن” للنخب منذ جدة في خلق مناخ اجتماعي حقيقي: لأنها عالجت عرَضاً أمنياً بينما الجذر اقتصادي-سياسي بنيوي. هنا يتقاطع التحليل مع “مبادرة الجسر الانتقالي” في الميثاق، التي لا تكتفي بالدعوة الأخلاقية إلى فتح الممرات، بل تستهدف مباشرة البنية الاقتصادية التي تجعل الانقسام مربحاً لطرفيه، عبر ربط أي انفتاح مجالي بحوافز اقتصادية ملموسة لكلا الطرفين تجعل كلفة استمرار الإغلاق أعلى من كلفة فتحه. وهذا بدوره يتقاطع مع مفهوم “اقتصاد البوابات” (الفجوة السادسة في بروتوكول التفعيل)، الذي يرصد كيف تتحول نقاط التماس والمعابر ذاتها إلى مصدر ريع لأطراف الحرب، وهو ما يجعل معالجتها الاقتصادية شرطاً مسبقاً لأي معالجة أمنية أو سياسية لفجوة المناخ الاجتماعي.
رابعاً: فجوة الرؤية الاستراتيجية ، مشروع دولة لا حساب بقاء
نقد د. مادبو لـ“تأسيس” بوصفها تحالفاً توحّده مظلومية مشتركة أكثر مما يوحّده مشروع سياسي متفق عليه، ونقده المتوازي لنخب المركز التقليدية (“صمود” وشبيهاتها) بوصفها تسعى إلى معادلة “قدر كافٍ من التغيير” يُبقيها في اللعبة دون أن يزيحها ، كلاهما إنصاف نادر يوزّع المسؤولية التحليلية بالتساوي بدل الانحياز الضمني لأحد طرفي الاستقطاب. وخلاصته أنه “لا يوجد اليوم طرف سوداني رئيسي واحد يملك رؤية دولة متكاملة قابلة للتفاوض عليها بمعزل عن مصالح راعٍ إقليمي أو حساب بقاء ضيق” تشخيص يصعب دحضه. هذا الفراغ تحديداً هو المساحة التي صُمِّم الميثاق لملئها: ليس كطرف سياسي ثالث يتنافس على السلطة، بل كإطار مرجعي مستقل عن حسابات البقاء الضيق للطرفين ومستقل في آن عن الرعاية الخارجية لأي منهما، يقدّم عمارة دولة متكاملة الأركان، من نظام العدالة الانتقالية الثلاثي المستويات إلى النفير الوطني الكبير كأداة تعبئة مجتمعية موازية للمسار السياسي النخبوي ، تصلح مرجعية توافقية لأي طرفين يقرران تجاوز حساب البقاء الضيق نحو بناء دولة فعلاً.
تحليل مادبو للانكشاف الإثيوبي-المصري وتعقيداته المرتبطة بملف سد النهضة وتوازنات الأمهرا وتيغراي يضيف بعداً إقليمياً دقيقاً نادراً ما يُعالَج بهذا التفصيل في الأدبيات السودانية. الملاحظة الوحيدة التي يضيفها الميثاق هنا ليست تصحيحية بل تكميلية: أن الدبلوماسية السودانية المستقلة التي يدعو إليها مادبو في ختام هذا المحور لا يمكن أن تُبنى على مبادرات آنية متفرقة، بل تحتاج إلى الجهة الوطنية الجامعة ذاتها التي تحل فجوة الشرعية أولاً، إذ لا دبلوماسية مستقلة حقيقية دون جهة تفاوض تملك تفويضاً وطنياً يتجاوز حسابات الأطراف المتحاربة، وهو ما يعيد الحلقة إلى نقطة البداية: الفجوات الخمس مترابطة فعلاً، ولا يمكن إغلاق فجوة الوساطة دون إغلاق فجوة الشرعية معها.
خاتمة: من القائمة إلى المنظومة
تنتهي دراسة د. مادبو بخلاصة منهجية بالغة الأهمية: أن الاختراق الحقيقي يفترض تدخلاً متزامناً عند أكثر من نقطة في السلسلة، لا معالجة خطية لفجوة تلو الأخرى. هذا بالضبط هو المبدأ التصميمي الذي قام عليه الميثاق منذ البداية: منظومة مترابطة من الآليات ، الشرعية الوظيفية الصاعدة، الجدار المؤسسي، الركيزة الرابعة، مبادرة الجسر الانتقالي، العدالة الانتقالية الثلاثية ، لا تعمل بالتتابع بل بالتزامن، بحيث لا يُترك سد فجوة واحدة رهينة انتظار سد ما قبلها. بهذا المعنى، لا يقف هذا المقال من دراسة مادبو موقف الناقد، بل موقف من يجد في تشخيصها الدقيق تأكيداً مستقلاً على صحة المنطق البنائي الذي يقوم عليه الميثاق: أن معالجة الأزمة السودانية تستلزم عمارة متكاملة الأركان تُبنى دفعة واحدة، لا ترميماً متفرقاً يعالج فجوة على حساب أخرى.
سلسلة “استكمالاً لا مصادمة”، في إطار ميثاق النجاة وبناء الدولة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة