- د. عثمان الوجيه في قاعةٍ مكيّفةٍ بامتياز، لا يمسّ الهواء فيها سوى الفخامة، يجلس أرباب "التيسير" و"الحوار" خلف ميكروفوناتٍ براقة، وقد رُصّت أمامهم قوارير المياه المعدنية بأناقةٍ تليقُ بـ "المحنة القاسية"! هناك، في فندق "السلام روتانا"، حُبك المسرح مجدداً؛ حيث التقت الوجوه ذاتها التي أدمنت العيش على هامش الكوارث، لتُعلن للدنيا إطلاق مبادرةٍ "وطنية خالصّة" من أجل الحوار السوداني - السوداني، يا للمهزلة! تجار الكلام، وباعة الأوهام في سوق النخاسة السياسي، يتداعون إلى "مائدة حوار" جديدة، تجارٌ ينظرون إلى الحرب لا كجحيمٍ يحرق الأخضر واليابس، بل كشريان حياةٍ يُدرّ عليهم الفنادق والمؤتمرات ورسوم "التيسير"، يبتسمون للكاميرات، ويتحدثون بلغةٍ منمقة عن "بناء الثقة" و"تدمير البنى التحتية"، وكأنهم يقرأون تقريراً عن نشاطٍ كشفي في بلدٍ آمن، لا عن شعبٍ تُذبح كرامته كل صباح، وتُنتهك حرماته تحت سماءٍ تمطر ناراً، وعلى الجهة الأخرى من هذا السيرك الوطني، يقف جنرالات الجيش كالدمى المربوطة بخيوطٍ خفية، تنحني وتتحرك وفق ما يشتهي شيوخ "نظام الإنقاذ البائد"، أولئك الذين خرجوا من جحورهم، يملون شروطهم وإملاءاتهم على قياداتٍ عسكرية أضاعت العرين، واكتفت بتهديد الميكروفونات وترديد شعارات الفلول المستهلكة، جنرالات خاضوا حرباً ضروساً منذ منتصف أبريل، لا ليحموا حمى وطن، بل ليضمنوا ألا تخرج السلطة من عباءة تنظيمٍ حوّل البلاد إلى ركام، ثم تركهم في الواجهة كحراسٍ لأوهامه الميتة، لكن، وفي مقابل هذا العبث المصنوع في الفنادق، والشهوة الخائبة للسيطرة، يقف الشعب السوداني، آه من هذا الشعب، شعبٌ صابرٌ كالنيل، حنونٌ كالشمس في أصيل الخرطوم، ورقيقٌ رقةَ دعاء الأمهات في شوارع اللجوء والنزوح، شعبٌ يتجرع المرارات كل يوم، يقتسم اللقمة اليابسة في الملاجئ، ويُضمّد جراحه بكبرياءٍ أسطوري دون أن تكسر الحرب عينه، أو ينال الخوف من عزيمته، أولئك الذين فُقد الأمن في ديارهم، وتشتتوا بين الفيافي والقبور، هم وحدهم من يدفعون فاتورة هذا العبث. يرمقون مؤتمر "الروتانا" بعيونٍ ملؤها الأسى والحسرة، لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم يدركون أن من يتباكون على كرامتهم في القاعات المكيفة، هم أنفسهم من يبيعون ويشترون في قضاياهم، ولعلّ شرّ البلية ما يضحك؛ إذ تبارى المجتمعون في مطالبة "الدولة" بتوفير "الحصانات الإجرائية"، ووقف "البلاغات المقيدة"، لضمان سلامة خطواتهم الذهبية وهم يتنقلون بين الفنادق! كأنما القضية الوطنية الكبرى باتت تلخص في سلامة حقائبهم وتأمين تنقلاتهم، وممارسة هوايتهم المفضلة في "الاستماع والتشاور" دون قلقٍ من بلاغٍ جنائي! يطالبون بحماية القاعات، ويناشدون العالم ألا يتدخل في "ملكيتهم للحوار"، وكأن هذا الحوار فتحٌ مبين لم تسبقه دماء ملايين الضحايا، ولا صرخات الثكالى في شوارع أمدرمان والجزيرة وكردفان ودارفور، لقد غفل تجار الحوار، وأرباب النظام البائد، وأمراء الحرب، عن حقيقةٍ واحدةٍ ساطعة: أن هذا الشعب العظيم، رغم جراحه وشتاته ونزوحه، أكبرُ من محنته، وأرقّ من شائعاتهم، وأصلب من كراسيهم المتحركة، شعبٌ يستحق دولة عدلٍ وحرية، لا تُدار بصفقات الغرف المغلقة، ولا برغبات الفلول، بل بإرادةٍ حرة تُسقط الخونة والقتلة، وتُعيد للوطن سماءه العفيفة، ولأهله الأمن والكرامة.. هنا تحضرني طرفة فليسمح لي القارئ الحصيف بأن أوجزها في هذه المساحة وبهذه العجالة وهي:- في قاعات أديس أبابا الفاخرة، حيث التكييف يعمل على مدار الساعة ليقي السادة الدبلوماسيين حرّ الحقيقة، يجلس حكماء "الاتحاد الأفريقي" في برجهم العاجي، يحملون أختام التضامن ومقاطع البلاغة الإنقاذية، ويمارسون هوايتهم المفضلة: التفرج البليغ، تبدأ الحكاية من أكتوبر 2021؛ يوم قرر العسكر في الخرطوم قلب الطاولة، وإزيحة الشريك المدني من المشهد، حينها، نفض الاتحاد الأفريقي الغبار عن كراسي اجتماعاته، واجتمع "مجلس السلم والأمن" في جلسة مهيبة تتطاير منها كلمات التنديد، وبلمحة ساحر، أشهر القوم خطوطهم الحمراء، واستشاطوا غضباً للديمقراطية المغدورة، وأصدروا بياناً تاريخياً: "تجميد عضوية السودان فوراً!"، أُغلق الباب في وجه الخرطوم، واشترط الحكماء لرفعه شرطاً يعجز عنه الإنس والجان: "الاستعادة الفعلية والحقيقية لسلطة انتقالية تقودها حكومة مدنية"، يا لها من نصرة للشرعية! ويا له من موقف مبدئي لا يتزحزح! ذكّرنا هذا العنفوان بموقفه في 2019 عندما جمد العضوية لثلاثة أشهر، ثم رفعها لمجرد أن التقط القوم صورة تذكارية مع حكومة جديدة، لكن هذه المرة، بدا الاتحاد كمن أخذ عهداً على نفسه ألا يلين حتى تعود الديمقراطية ناصعة كبياض ثيابه الرسمية، ومرت الأيام، وتراجعت الشعارات، وفي 15 أبريل 2023، اندلعت الحرب الجحيماً في أحشاء السودان، تحول الوطن إلى ساحة للموت الدموي بين الجيش ومليشيا الدعم السريع المتمردة، أُكل الأخضر واليابس، هُدمت المستشفيات، دُمّرت البنى التحتية، قُتل الآلاف، وشُرّد الملايين في أطول مأساة إنسانية يشهدها القرن، كان العالم يحترق، والخرطوم تصبح أثراً بعد عين، واللاجئون يفترشون التراب، في حين كان الاتحاد الأفريقي لا يزال محتفظاً بكرسي السودان المجمّد في الفريزر لضمان أن تبقى البكتيريا الديمقراطية نائمة! وفجأة، وبعد أن أكلت الحرب كل شيء، ونبتت في الخرطوم نبتة جديدة من دعاة "استمرارية الحرب" الذين هرولوا لحوار مع قادة الجيش من رموز نظام الإنقاذ البائد —لا حباً في الوطن، بل حجزاً لمقعد في لعبة "الكراسي الموسيقية" المقيتة— تحرك الشبح الأفريقي من مرقده! لم يتحرك لإيقاف المذابح، ولا لإغاثة النازحين، ولا لفرض كلمة حاسمة تنهي مأساة شعب يُباد، بل خرج علينا ببيانٍ يقطر حناناً ودبلوماسية، يزف إلينا البُشرى: "تُرحب مفوضية الاتحاد الأفريقي بمبادرة الحوار السوداني السوداني!"، يا لروعة المشهد! المفوضية التي سهرت الليالي —كما يزعم بيانها— "لرأب الصدع" و"ترسيخ ثقافة الحوار"، تستيقظ اليوم لتبارك حواراً يُدار تحت ظلال البنادق وتصفية الحسابات السياسية! يخبرنا الحكماء بكامل الترف اللفظي أنهم يدعون إلى "دعم المؤسسات الوطنية وترسيخ الدولة الديمقراطية"، أي دولة؟ وأي مؤسسات تلك التي يُبارك الاتحاد حوارها اليوم، بعد أن كان يشترط بالأمس حكومة مدنية جادة لرفع التجميد؟ هل تخرّرت مبادئ الاتحاد فجأة تحت وطأة الدماء؟ أم أن المبادئ في أديس أبابا كالصلصال، تُشكّل حسب هوية الجالس على كراسي السلطة في لحظتها؟ تُتحفنا المفوضية بتوصياتها الرفيعة بأن تشمل المشاورات "جميع الأطراف"، متمنيةً الوصول إلى "سودان موحد، ذي سيادة، تحكمه مؤسسات مدنية شرعية"، كلمات براقة، يُمكن إلقاؤها في حفل شاي خيري، لكنها في الواقع السوداني المأساوي لا تعدو كونها "طوباية باردة" تُباع لشعبٍ يُقتل كل يوم، لقد أثبت الاتحاد الأفريقي مرة أخرى أنه لا يملك سوى "خارطة طريق" من الورق، وآليات خماسية وسداسية لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وتناقضات تجعل من قرارات تجميد العضوية مجرد مسرحية هزلية؛ فالعضوية تُجمّد لحماية الشرف الديمقراطي، وتُبارك الحوارات البائسة عندما يصبح الدم هو اللغة الوحيدة المسموعة! شكراً للاتحاد الأفريقي على هذا البيان الأنيق، لقد طمأنتم الشعب السوداني المشرد في المنافي والمخيمات أنكم لا تزالون تملكون مطابع ممتازة، ولغة عربية سليمة، وقدرة فائقة على تقديم التبريكات فوق ركام الأوطان. Thank you, Africa, for this thoughtful gesture. You have confirmed to the displaced Sudanese people in exile and camps that you still possess our excellent character, sound Arabic language, and the ability to offer blessings amidst the ruins of homelands وعلى قول جدتي:- 'دقي يا مزيكا!!". خروج:- (وليمة الأرقام وشياكة البيانات ..!!؟؟) ففي حجرة مكيّفة أطرافها بعيدة عن وهج الشموس الأفريقية، تمشي "البيانات" بخطى واثقة، تقف المتحدثة الأنيقة أمام العدسات، ترتدي شعاراً زرقاوياً براقاً يُجفف الدموع قبل أن تسقط، ثم تطلق في الهواء رقماً جديداً ينضم إلى أرشيف الأرقام الفاخرة: أكثر من ثمانمئة وخمسة وعشرين ألف طفل! هكذا ببساطة، قالت ميرا ناصر، المتحدثة باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» في السودان، إن أكثر من 825 ألف طفل معرضون لخطر الوفاة نتيجة سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري، مؤكدة أن صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة من سوء التغذية والجفاف تزيد من خطورة الأزمة، جُمِعَت تلك الأجساد الضئيلة التي تخبو تحت سماء النيلين، وضُربت في معادلات الاستغاثة، لتتحول إلى حصة في مؤتمر صحفي، أو فقرة دسمة في تقرير يطبعه "المجتمع الدولي" على ورق ثقيل الفخامة، على الطرف الآخر من الكوكب، في بقعة تخلت عنها الجغرافيا ونسيها التقويم، تحت شجرة هجليج عارية في دارفور، كان هناك طفل اسمه "أحمد"، لم يكن أحمد يعرف أن حسابه قد أُدرج ضمن الـ 825 ألفاً، كان كل ما يعرفه أن جسده يخفّ يوماً بعد يوم، كأنه يستعد للطيران، أنامل صغيرة أوهنها الجوع حتى صارت كأغصان الخريف الميتة، وعينان واسعتان تائهتان تحملان مجرة من العتاب الصامت، حارقةٌ هي نظرة الطفل الذي لا يفهم لماذا تصبح البطن خاوية إلى هذا الحد، ولماذا تغدو الأمهات بلا حليب، ولماذا تجف الشفاه حتى تتشقق كأرض التينة وكرنوي وأمبارو، كانت والدته تجلس قبالته، تصنع من الصبر ظلاً ومن الفقر وجبة، تمسح على رأسه الأملس بصفاء محبة لا تملك غيره، تهمس له بأغنيات سودانية قديمة عن "البلد البتطلع من بين الرماد"، بينما الأمعاء تصدر صرخاتها البكتيرية الخافتة، أحمد لا يطلب ألعاباً، ولا يبحث عن كرّاس رسم؛ كل ما يتمناه قطرة ماء لا تشوبها الطحالب، أو كسرة خبز تجعل قلب الصغير يهدأ عن الوجيب، يا لأطفال السودان، ما أرقّ أفئدتهم وما أثقل ما يحملون! يكبرون في اليوم ألف عام، يبتسمون بين الركام ابتسامة تُخجل الغيم، وينامون على أمل أن تستيقظ المدافع وقد فقدت صوتها، هم السر الإلهي في الصمود، الذين تحرمهم الحرب من الشبع، لكنها لا تستطيع أن تسرق من أعينهم ذلك النبل الأسمر الشفيف، وفي هذه الأثناء، في عواصم المنظمات الكبرى، يدور حوار استراتيجي عميق رفيع المستوى: — "يا إلهي، إنهم يجوعون!" = "أمر مروع حقاً، هل كتبنا بياناً شديد اللهجة؟" — "نعم، واستخدمنا كلمة 'ندين' مرتين، و'نحذر' بثلاث خطوط حمراء!" = "ممتاز، اطلبوا لنا قهوة إكسبريسو، ولننتظر تيسير الممرات الإنسانية، فلدينا بروتوكولات أمنية لا تسمح لسياراتنا الدفع الرباعي الفاخرة بأن تتسخ بأتربة كردفان ودارفور"، آه كم هو رائع هذا المجتمع الدولي! كم هو حريص على سلامة دساتيره! الأطفال يموتون في ساعات لأن أجسادهم الضعيفة تسلم الروح لأبسط نوبة حمى، ولكن "التعليمات" تقضي بضرورة انتظام الأوراق الرسمية أولاً، الطفل الذي لا يسعفه وقته لينتظر هدوء المعارك، يُطالَب رسمياً بأن يُرجئ موته قليلاً حتى تكتمل إجراءات التصريح الإنساني، أو حتى ينتهي السادة الموفدون من تناول الغداء في الفنادق المجاورة! أما عن التعليم، فحدث ولا حرج، ثمانية ملايين طفل خارج المدارس؟ بحسب اليونسيف، لا بأس، لقد ابتكرت المنظمات الحل العبقري الفذ: "التعليم الإلكتروني!" يا لها من فكرة برّاقة تصدر عن عبقرية لا تُضاهى! طفل نازح، يفتقد أصلًا للماء الصالح للشرب، ويجلس تحت سقف من الخيش يذوب من حرارة الشمس، لا يحتاج سوى إلى جهاز "آيباد" حديث وشبكة 5G فائقة السرعة ليدرس المنهج السوداني على الإنترنت! هل هناك أسهل من ذلك؟ كيف لم يفكر أهل دارفور كردفان في شحن هواتفهم من خلايا الطاقة الشمسية التي لا يملكونها؟ إنه السحر الأممي: استبدال الطبشور بالبيانات، واستبدال الوجبة بـ "مساحات تعليمية بديلة" على الورق، لتذهب الميزانيات الضخمة في تمويل ورش العمل التي تناقش "كيفية تشجيع الطفل الجائع على التفكير الإيجابي"، يستلقي "أحمد" على التراب الدافئ، يغمض عينيه الصغيرتين محاولاً أن يحلم بكوب لبن دافئ ومدرسة لها باب خبيث يهرب منه نحو الفناء، لا يعلم أن هناك متحدثة باسمه في الشاشات، ولا يعلم أن قضية جوعه أصبحت رهن ممر آمن، وتأمين طابور، وتوقيع هدنة، سقطت قطرة مطر واحدة على خده الأسمر، فابتسم، كانت تلك القطرة أرحم بكثير من كل مؤتمرات العالم، وأصدق من ثمانمئة ألف بيان. #أوقفوا_الحرب ولن أزيد،، والسلام ختام. dro.elwajeeh@gmail.com - @Drosmanelwajeeh
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة