استكمالاً لا مصادمة من "مشروع السودان الجديد" إلى الآلية المؤسسية: قراءة في موقف عبدالواحد محمد نور عبر ميثاق النجاة وبناء الدولة رداً على مقال "السودان الجديد: أفق الرؤية ومشروع عبدالواحد محمد نور" ليحيى أبنعوف
د. على عبدالله الخليفة طه
يطرح يحيى أبنعوف في مقاله دفاعاً فكرياً متماسكاً عن موقف عبدالواحد محمد نور، ويردّ رفضه المتكرر للتسويات الجزئية إلى أفق فكري أعمق هو مشروع "السودان الجديد": إعادة تأسيس الدولة من جذورها لا ترقيع ثوبها المهترئ. وهذا المقال لا يأتي ليصادم تلك القراءة، بل ليستكمل عليها؛ فالمرتكزات الستة التي يوردها الكاتب ، وقف الحرب، الحوار الداخلي، رفض الشراكة الملغومة، الرسالة الإقليمية، رفض المحاصصة، دولة المواطنة العلمانية، والعدالة الناجزة ، تتقاطع في جوهرها مع الآليات التي يقترحها ميثاق النجاة وبناء الدولة، وإن اختلفت نقطة الانطلاق: الأول ينطلق من الدفاع عن موقف وشخص ومسار حركة، والثاني ينطلق من صياغة أداة مؤسسية عامة قابلة للتعميم على كل الفاعلين، لا على طرف بعينه.
أولاً: من "من يحكم؟" إلى "كيف يُحكم؟" — الشرعية الوظيفية الصاعدة
يضع المقال إصبعه على المفصل الأهم في الأزمة السودانية حين يميّز بين سؤالين: "من يحكم السودان؟" الذي أنتج ستة عقود من الصراع على الكرسي، و"كيف يُحكم السودان؟" الذي يفتح الباب أمام تفكير بنيوي. هذا التمييز هو بعينه المدخل الذي يقوم عليه مفهوم الشرعية الوظيفية الصاعدة في ميثاق النجاة: شرعية تُبنى من أسفل، عبر الأداء والوظيفة والقرب من احتياج الناس، لا شرعية تُفرض من أعلى عبر التموضع في السلطة أو حيازة السلاح. غير أن المقال يقف عند صياغة السؤال الصحيح دون أن يقدّم آلية تشغيلية لبناء هذه الشرعية؛ وهنا يكمن الاستكمال الأول: تحويل "كيف يُحكم" من سؤال فلسفي إلى مسار تراكمي محدد الخطوات، تبدأ فيه الشرعية من الوحدة الإدارية الأصغر صعوداً، لا من القمة نزولاً. الفكرة الجوهرية: سؤال "كيف يُحكم" لا يكتمل إلا حين يتحول إلى مسار شرعية صاعدة قابل للقياس والتحقق، لا مجرد إعلان نوايا.
ثانياً: الجدار المؤسسي ورفض الشراكة الملغومة
قراءة المقال لرفض عبدالواحد المتكرر للشراكة مع المكوّن العسكري والفلول ، سواء في لقاءات حمدوك أو مبادرات الرياض، قراءة نافذة، وقد أثبتت الأحداث اللاحقة صوابها. لكن الرفض وحده، مهما كانت مشروعيته، لا يبني بديلاً؛ فالمشكلة ليست في شخص الشريك العسكري بل في غياب حاجز بنيوي يمنع تكرار الاستيلاء على السلطة المدنية من أي جهة مسلحة كانت. هذا بالضبط ما يقدمه الجدار المؤسسي في الميثاق: فصل صارم وقابل للتطبيق بين الطبقة السياسية والطبقة التنفيذية-المدنية، بحيث لا يُبنى الرفض على تقدير شخصي لنيات هذا الطرف أو ذاك، بل على قاعدة دستورية تحول دون أي اختراق، أياً كان مرتكبه ومهما تلطف خطابه.
ثالثاً: من الحوار الأخلاقي إلى مبادرة الجسر الانتقالي
دعوة المقال لحوار سوداني-سوداني داخلي تجمع قوى الثورة والنازحين والهامش، هي بلا شك أصح مسار من الاتفاقيات النخبوية المُبرمة في الفنادق الخارجية. غير أنها تبقى دعوة أخلاقية ما لم تُسند بآلية إجرائية تحدد: من يدير الحوار؟ وبأي تمثيل؟ وعبر أي تسلسل زمني يربطه بوقف الحرب من جهة وبالدولة الجديدة من جهة أخرى؟ هنا تحديداً تتقدم مبادرة الجسر الانتقالي بوصفها الجسر العملي بين اللحظة الراهنة ودولة ما بعد الحرب: بروتوكول تفعيل مرحلي، لا مجرد دعوة عامة للحوار، يحدد التسلسل والأدوات ومحطات القياس.
رابعاً: الركيزة الرابعة، حين يتحول "الهامش الشفيف" إلى تمثيل فعلي
يذكر المقال "الهامش الشفيف" ضمن أطراف الحوار المنشود، وهي إشارة صادقة لكنها تبقى وصفية؛ فالهامش في التجارب السودانية المتعاقبة كان يُستدعى بالاسم ويُستبعد بالفعل. الفجوة هنا هي غياب صيغة تمثيلية وازنة وقابلة للقياس. الركيزة الرابعة في الميثاق تسد هذه الفجوة عبر تمثيل إقليمي موزون على ست مناطق وظيفية، بمعادلة رياضية محددة لا تُترك لحسن النية أو لموازين القوى السياسية اللحظية، بما يضمن أن "الهامش" ليس شعاراً في مقدمة الخطاب بل حصة مضمونة في هيكل القرار.
خامساً: الفجوة السادسة الغائبة، اقتصاد البوابات
يُلاحَظ أن المقال، رغم شموليته السياسية والأخلاقية، لا يتطرق إلى الاقتصاد السياسي للحرب نفسها: من يمول استمرارها؟ ومن يجني من إطالتها؟ هذا هو بالضبط ما يعالجه مفهوم اقتصاد البوابات في الميثاق بوصفه الفجوة السادسة: شبكات التهريب والذهب والموانئ غير الرسمية التي تحوّل الحرب من أزمة سياسية عابرة إلى اقتصاد قائم بذاته له مستفيدون لا مصلحة لهم في وقفها. وأي مشروع لوقف الحرب، مهما بلغت نبل مبادئه السياسية، يبقى ناقصاً ما لم يجفف هذه المنابع المالية الموازية.
سادساً: من "العدالة الناجزة" إلى العدالة الانتقالية الثلاثية المستويات
مطالبة المقال بنزع سلاح المليشيات وعودة النازحين ومحاسبة جناة الحرب مطالب عادلة لا خلاف عليها، لكنها تُطرح كإعلان مبدئي دون تفكيك مؤسسي: من يحاسب؟ وبأي هيئة؟ وكيف يُوازن بين الحساب والاستقرار الاجتماعي في مجتمع تشابكت فيه الجراح محلياً ووطنياً؟ نظام العدالة الانتقالية الثلاثي المستويات في الميثاق يقترح إجابة عملية: مجالس مصالحة محلية للجراح الأهلية الصغرى، ثم مفوضية للحقيقة وجبر الضرر على المستوى الوطني، وأخيراً دائرة قضائية للجرائم الكبرى دون عفو عنها. بهذا التدرج تتحول "العدالة الناجزة" من شعار إلى مسار قابل للتنفيذ لا يصطدم بواقع التعقيد الاجتماعي.
سابعاً: من الموقف الفردي إلى الأداة العامة — والنفير الوطني الكبير
أخيراً، فإن قوة المقال في الدفاع عن ثبات عبدالواحد محمد نور هي في الوقت نفسه حدّه؛ فالمشروعية المبنية على صواب موقف شخص أو حركة، مهما كان تاريخها ناصعاً، تبقى مشروطة ببقاء ذلك الشخص أو تلك الحركة على المسار ذاته. الاستكمال الضروري هنا هو نقل هذه المشروعية من مستوى الفرد والحركة إلى مستوى الآلية المؤسسية العامة القابلة للتطبيق على كل الفاعلين السياسيين بلا استثناء. كما أن تحويل المبادئ الستة الواردة في المقال إلى واقع يحتاج إلى سند شعبي ضاغط لا يُترك لمنطق النخب وحدها؛ وهو ما يقدمه مفهوم النفير الوطني الكبير كأداة تعبئة شعبية تسند مسار الحوار الداخلي وتحميه من الانتكاس أو الالتفاف عليه.
خاتمة
مقال يحيى أبنعوف يمثل دفاعاً فكرياً رصيناً عن موقف مبدئي في وجه إغراءات المحاصصة، وهو بذلك يستحق أن يُبنى عليه لا أن يُرد عليه. المسافة بين "مشروع السودان الجديد" كما عرضه المقال وبين ميثاق النجاة وبناء الدولة ليست مسافة تناقض، بل مسافة تكامل بين رؤية أخلاقية-سياسية صادقة وأداة مؤسسية-إجرائية تترجمها إلى واقع قابل للتحقق والقياس. وفي ذلك بالذات يكمن معنى "استكمالاً لا مصادمة": أن نبني على صواب من سبقونا في القراءة، لا أن ننافسهم على تسجيل الموقف.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة