تُظهر الدراسات الحديثة أن السودان يُعد أحد مواطن الحضارة الإنسانية القديمة، وقد أسهم موقعه الجغرافي في جعله منطقة تواصل والتقاء بين شعوب وثقافات ولغات متعددة. وفي طليعة الجهود التي تسهم في إثراء هذا الجانب الثقافي تأتي مجلة «السودانيست» (The Sudanist)، إلى جانب موقع Sudanese Online، حيث يضطلعان بدور مهم في الإسهام في الإثراء الثقافي وتعزيز الروابط بين أبناء الشعب السوداني، من خلال تسليط الضوء على القضايا التي تهم المجتمع وتاريخه وثقافته.
يهدف هذا المقال إلى استعراض جانب من الخلفية التاريخية واللغوية لأحد الموضوعات الرئيسية التي تناولتها هذه المنابر، وهو «المفردات والتعابير السودانية ودلالاتها». وقد سبق أن نُشرت عدة مقالات تناولت الخلفية التاريخية للغات السودانية وطبيعة التداخل بينها، غير أنني سأركز هنا بصورة أكبر على الجوانب اللغوية لهذا التداخل، بهدف إبراز أثر الروابط البيئية والتاريخية في تطور هذه اللغات.
التواصل اللغوي بين ضفتي البحر الأحمر
أجرت الباحثة الفرنسية ماري-كلود سيمون-سنيل (Marie-Claude Simeone-Senelle)، إلى جانب عدد من الباحثين، دراسات لغوية وميدانية حول لغات منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد شملت هذه الدراسات لغات مثل البجا وغيرها، بهدف دراسة العلاقات بينها، ورصد أوجه التشابه والاختلاف الناتجة عن الاتصال اللغوي المستمر بين المجتمعات التي عاشت على جانبي البحر الأحمر.
وتشير هذه الدراسات إلى أن البحر الأحمر لم يكن حاجزًا يفصل بين الشعوب بقدر ما كان جسرًا للتواصل والهجرة والتبادل التجاري والثقافي واللغوي. فقد استمر التواصل بين سكان ضفتيه عبر فترات تاريخية طويلة، الأمر الذي أدى إلى انتقال العديد من الكلمات والتعبيرات والسمات اللغوية من لغة إلى أخرى.
ومن أهم مظاهر هذا الاتصال التأثير الكبير للغة العربية في عدد من اللغات الأفريقية في منطقة البحر الأحمر، وكذلك وجود تأثيرات متبادلة بين اللغات المحلية والعربية. وقد تناولت دراسات ماري-كلود سيمون-سنيل، على سبيل المثال، الاتصال اللغوي بين العربية ولغات مثل العفر والدحاليك في منطقة البحر الأحمر.
وتنتمي معظم اللغات التي نتحدث عنها في هذا السياق إلى أسرة اللغات الأفروآسيوية (Afro-Asiatic)، ومنها اللغات الكوشية (Cu####ic) واللغات السامية (Semitic). ومن هنا تأتي أهمية دراسة السمات الصوتية والصرفية والنحوية لهذه اللغات، لأنها تكشف لنا جانبًا من تاريخ التفاعل بين شعوب المنطقة.
وفي هذه السلسلة من المقالات، سأركز بصورة خاصة على المفردات التي انتقلت من العربية إلى اللغات المحلية، والتغيرات الصوتية التي طرأت عليها أثناء انتقالها من لغة إلى أخرى.
أولاً: الأصوات الاحتكاكية السنية
بدأ اللغويون بدراسة السمات الصوتية التي يمكن أن تكشف عن وجود صلات بين لغات المنطقة. ومن السمات اللافتة للنظر غياب أو محدودية بعض الأصوات في عدد من اللغات الكوشية، ولا سيما الأصوات الاحتكاكية السنية (dental fricatives)، مثل:
/θ/، وهو صوت (ث)
/ð/، وهو صوت (ذ)
وهذان الصوتان موجودان في اللغة العربية الفصحى، كما يظهران في عدد من اللهجات العربية، لكنهما قد لا يكونان موجودين بالطريقة نفسها في بعض اللغات الأفريقية. ولذلك قد تخضع الكلمات العربية التي تحتوي عليهما إلى تغييرات صوتية عندما تدخل هذه اللغات. ومن الأمثلة على ذلك كلمة (الثاني)، التي تحتوي في العربية على الصوت /θ/، وقد يُستبدل بهذا الصوت صوت آخر في بعض أنماط النطق السوداني، فتُسمع الكلمة بصورة أقرب إلى (تاني). وبالمثل، قد يتحول صوت /ð/ في كلمة (ذهب) إلى صوت /d/، فتُنطق بصورة أقرب إلى (دَهَب). وتظهر مثل هذه الظواهر في سياقات الاتصال اللغوي عندما تستعير لغةٌ ما كلمات من لغة أخرى بما يمكن ان نسميه (التعجيم) lexicalization، ثم تعيد تشكيل بعض أصواتها بحيث تتلائم مع النظام الصوتي للغة المستقبِلة.
ولذلك كان هنالك دور كبير لمجهودات شيوخ الخلاوى في المساجد و المعلمين ساعد المتعلمين على التمييز بين هذه الأصوات ونطقها بصورة أقرب إلى النطق العربي مع الحفاظ عليها عند تحدثهم بالعامية.
ثانياً: صوت القاف (ق):
ومن الظواهر الصوتية اللافتة أيضًا ما يحدث لصوت القاف /ق/، وهو صوت لهوي (uvular) في العربية الفصحى. ففي بعض اللهجات واللغات، ولا سيما في مناطق واسعة من السودان وشمال أفريقيا، قد يتحول هذا الصوت إلى صوت طبقي ( /g/ (velar) (غ)، وهو الصوت الذي نسمعه في بداية الكلمة الإنجليزية go.. ومن الأمثلة نأخذ كلمة قمر → (gamar)حيث يتحول الصوت /ق/ إلى /g/ و يصير (غمر). وهذا النوع من التغير الصوتي ليس مقتصرًا على كلمة واحدة، بل يمكن أن يظهر في عدد من المفردات، وهو من الظواهر التي تكشف كيف يمكن للغة المتحدث أن تؤثر في طريقة نطقه للكلمات المستعارة أو المشتركة مع لغة أخرى.
ثالثاً: الأصوات المفخمة والأصوات الحلقية
ومن السمات المهمة التي تميز العربية عن عدد من اللغات المحيطة بها الأصوات المفخمة والسمات المرتبطة بالتفخيم أو الاستعلاء (pharyngealization/emphasis). وتختلف اللغات في قدرتها على إنتاج هذه الأصوات والتمييز بينها. ولذلك قد يحدث تبسيط أو تغيير في نطق بعض الكلمات العربية عندما تدخل إلى لغة لا تمتلك النظام الصوتي نفسه. ومن الأمثلة على ذلك صوت /ħ/، وهو الصوت الذي تمثله العربية بالحرف «ح»، كما في كلمة: حَكَم / (ħakam) فقد يتحول هذا الصوت في بعض اللغات إلى /h/، وهو صوت الهاء، لتصبح الكلمة أقرب إلى: (hakam) ويظهر هذا النوع من التغير في عدد من اللغات الأفريقية التي لا تحتوي على المقابل الصوتي العربي نفسه. أما لغة البجا، فلها وضع صوتي مميز يستحق دراسة مستقلة، إذ توجد فيها أنماط مختلفة للتعامل مع الأصوات الحلقية والاحتكاكية، وهو ما يعكس طبيعة النظام الصوتي الخاص بها وتاريخ اتصالها بالعربية واللغات المجاورة.
رابعاً: صوت الخاء
ومن الأصوات العربية التي تتعرض للتغيير في بعض اللغات واللهجات السودانية صوت الخاء /KH/ فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتغير كلمة: الخير (al-khair) عند النطق البجاوي إلى صورة أقرب إلى(al-kair) حيث يتحول الصوت الاحتكاكي /KH/ (خ) إلى صوت انفجاري /k/.
وهذا النوع من التغير مهم جدًا في دراسة الكلمات العربية التي دخلت إلى اللغات المحلية؛ لأن الكلمة قد تحتفظ بمعناها الأساسي، لكنها تتغير صوتيًا لتتلائم مع النظام الصوتي للغة التي استقبلتها.
ولا تقتصر مظاهر التداخل اللغوي بين العربية واللغات المحلية في منطقة البحر الأحمر على الأصوات المفردة، بل تمتد إلى بنية الكلمات وطريقة تكوينها واستخدام أدوات التعريف. ومن الظواهر المثيرة للاهتمام، على سبيل المثال، ما يتعلق بأداة التعريف العربية «أل»، والتي قد تظهر بصور مختلفة في بعض اللغات مثل (أو) عند لغة البجا او بعض اللهجات العربية السودانية نتيجة التغير الصوتي والتكيف مع النظام اللغوي المحلي.
كما توجد أصوات وتركيبات صوتية أخرى تستحق الدراسة، من بينها /kw/ و /gw/، وهي تراكيب صوتية تظهر في بعض اللغات الكوشية، ومنها لغة Iraqw (إيراكو) في تنزانيا، وتوفر مادة مهمة للمقارنة بين الأنظم الصوتية لتلك اللغات في مناطق مختلفة من شرق أفريقيا.
إن دراسة هذه التغيرات الصوتية لا تعني بالضرورة أن لغةً ما «أصل» للغة أخرى، وإنما تكشف عن تاريخ طويل من الاتصال بين الشعوب واللغات. فالكلمة عندما تنتقل من لغة إلى أخرى لا تنتقل دائمًا بالصوت نفسه؛ بل تخضع في كثير من الأحيان للنظام الصوتي للغة الجديدة. ولذلك فإن دراسة الكلمات المشتركة والتغيرات التي طرأت عليها يمكن أن تساعدنا في فهم طرق التواصل والهجرة والتجارة والتفاعل الثقافي بين شعوب منطقة البحر الأحمر. ومن هنا، فإن البحر الأحمر، الذي يبدو على الخريطة وكأنه يفصل بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، يمكن النظر إليه تاريخيًا ولغويًا بوصفه منطقة اتصال وتفاعل بين شعوب متعددة. في المقال القادم الحديث عن بعض هذه الظواهر، مع التركيز بصورة أكبر على لغة البجا والمفردات العربية التي دخلت إليها، والتغيرات التي طرأت على جذور هذه الكلمات وأصواتها، إلى جانب بعض السمات الصرفية والنحوية التي تكشف عمق الاتصال اللغوي في منطقة البحر الأحمر.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة