دعتني للقاء مفاجئ في مدينة "سبتة" عن قصدٍ وَجِيه ، فأعادتني لذكرى زمن قضيتُ برفقتها ربيع لياليه ، بل نقلتني لبدايةِ كِفاحٍ ما أحلَى ذكرياته ، حيث كنتُ في حَيِّ "مُولَمْبِيكْ" بالعاصمة "بْرُوكْسِيلْ" من أبرز سكانِه ، أشَيِّدُ للعمرِ عُشَّ أعَزَّ أحبابه ، وأنقشُ على جبين المستحيل رغبة مهاجرٍ للعيش في جَوِّ حُرِّيَةٍ حقيقيةٍ طالما تمنَّى استنشاقه ، تركَ خلفه ليلاً كئيباً وطلعَ لمكانٍ يتلَمَّسُ ضياء نهارٍ وشُرُوقَه ، حيث خيوط شمسِ العدالةِ تُنعِش حقوق الإنسانِ بدلَ ترك وَهْجِ الظُلمِ يحرقُ مِن الدَّاخلِ عظام هيكله ، ما كان الانتسابُ معيارَ بَقاءٍ والذل قاطنه ، وما كان الأصلُ مسمار مغروس في جدار القبول بانبطاح هو للعز المسلوب عاره ، ومهما ضاقَ الوطن على الحُرِّ الشًّريف الكر يمِ ففي الدنيا أوطان تصون كرامته ، المهم الوفاء لهويةٍ موروثة عن السلف الصالح إلى أن يأخذ لمدلولها الراسخ في الوجدان ماء نهر الانصاف لطبيعة مجراه ، وهيهات الرضوخ لفاقة الخوفِ من سوطِ الحاجةِ إن احتارت بوصلة الإبحار صوب عالم الاكتفاء بالمتدفِّق من ينابيع المساواة وملحقاته ، مجالات لا تعرف الفتور ولا الانتكاسة ولا نهب مستحقات مواطنيه .
... دعتني للقاءٍ ولم تتركني لأشبع عيناي مِن فحصٍ أقارن ما بين وجهها اليوم وذاك مِن طول سنين وما تغيَّر شيء من قسماته ، لأنها مُدرِكة لتعاطفي ما جمالية الشَّكلِ حتى أبسط َإشعاعاته ، خوفاً من عزوفي عن التمعن فيما كان لها رصيد حُسْنِ ومفاتن روافده ، لكن الواقع لم يساندها فلا زالت على نضارتها أنثى بما العقل يشتهيه ، والفؤاد منحاز لما ألفه منها محافظ على مستوى خفقانه ، فالماثلة على بعد سنتمترات ناجحة في إخفاء تجاعيد مرور الأعوام على بشرة محيا ومكامنه ، لتقول لي ما كان بيننا لا يستوجب ميلكَ لغيري بشكل يضيِّع استقلالك في متاهاته ، وتلك "الريفية"وقد جرَّتك لسيل حب سيجرفك لويلات آلامه ، حالما تكتشف أنها أقرب للتمثيل من الصدق وعُهدته ، ومتحالفة مع الكرى ليحرمك من سحر راحته ، وستذيقك من هوان الصَدِّ لتنهش خيالك فرسان الشَكِّ وجراثيمه ، وستجد نفسك بحبال الطاعةِ مُقيَّد كعبدٍ قُبلَة واحدة منها للتًّمويه أجرته ، فيذوب كل يوم عن غيابها ومتَى حضرت تتلعثم ناطقة باسمه ، مجرَّد تابعٍ لسيادة بسمةٍ مِن بحر وجودها بجانبه . دَع عنكَ يا عزيزي المكابرة وأسدل على عدم النسيان ستارة لآخر مرة وانسحب من نلك المغامرة مادام الممكن زمناً في إبانه ، فأنتَ الشَّامِخ المُتسامح لمن تصغركَ بتلوين ما لها مِن مَلامِح لتَبدُو أقرب مِن مَقامِكَ وإن كانت ابعد بمراحل حتى من عتبته ، واسمع لمن عايشت خطوات طموحاتك المشروعة على طريق المجد وصروحه ، مُحققاً في الغرب قبل الشرق أن يُكتب اسمك مسبوقاً بالكاتب والصحفي الكبير المبدع أسلوباً للتعبير حافظاً لعمق المقصود أدق أدواته ، فما لك ووجع الرأس بأقل قليل تقل وهمٍ مرتبط بامرأة مفتونة بإيقاع خير ما سكن "الدوار" فوق قمة جبل أو وسط سفحه .(يتبع)
(الصورة: مدينة بروكسيل)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
سفير السلام العالمي
مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي لحقوق الانسان
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة