استكمالاً لا مصادمة قراءة في مقال: «قبل أن نصفق لمجلس الأمن» ياسر عرمان مقاربة في ضوء ميثاق النجاة وبناء الدولة
د. على عبدالله الخليفة طه
مدخل
يطرح الأستاذ ياسر عرمان في مقاله سؤالاً جوهرياً يستحق التوقف الجاد: هل ما يجري في مجلس الأمن الدولي، من اجتماع مشترك مع مجلس السلم والأمن الأفريقي وحديث عن تجديد قرار حظر توريد السلاح إلى دارفور (١٥٤١)، هو مسار لإنهاء الحرب أم مجرد إدارة مطوَّلة لها؟ يستند عرمان إلى تجربة اثنين وعشرين عاماً من هذا القرار دون أن يوقف نزيف دارفور، ويسجل تراجع الرباعية الدولية عن إعلان مبادئها الصادر في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥، الذي كان قد نص على هدنة إنسانية فورية خلال ثلاثة أشهر وعملية انتقالية من تسعة أشهر تفضي إلى حكم مدني يستبعد الحركة الإسلامية. هذه القراءة لا تأتي من موقع الخلاف مع جوهر التشخيص، بل استكمالاً له: أين يلتقي هذا التشخيص مع إطار ميثاق النجاة وبناء الدولة، وأين يحتاج إلى ما يتجاوز النقد إلى آلية تنفيذية؟
أولاً: نقاط التقاء أصيلة ١. استبعاد الحركة الإسلامية والجدار المؤسسي مطلب عرمان باستبعاد الحركة الإسلامية من أي تسوية سياسية ليس مطلباً عابراً، بل هو صدى مباشر لما يقدمه الميثاق تحت مسمى الجدار المؤسسي / الجدار الفاصل، وهو الآلية التي يستثني بموجبها الميثاق حزب المؤتمر الوطني المنحل من المشاركة في العملية الانتقالية، لا كموقف سياسي عام بل كاستثناء قانوني محدد الأركان: استثناء قضائي مقيد بضمانات إجرائية وسقف زمني (Sunset Clause) يمنع تحوله إلى إقصاء دائم يعيد إنتاج الاستقطاب. الفارق الجوهري هنا أن عرمان يطرح المطلب السياسي دون أن يحدد آليته، بينما يقدّم الميثاق الاستثناء كأداة دستورية قابلة للتطبيق. ٢. نقد "الحلول الجزئية" والتسلسل الصحيح حين يرفض عرمان الاكتفاء بتجديد حظر السلاح والطيران بوصفه "إدارة للأزمة لا حلاً لها"، فإنه يلامس بدقة المشكلة التي عالجها الميثاق عبر مبدأ التسلسل المعدَّل: أن الشرعية السياسية يجب أن تسبق إعادة هيكلة الأمن، وأن الجيش يدخل العملية كطرف موقّع على توافق تأسيسي لا كضامن خارجي يُبقي على الوضع الراهن مقابل تنازلات أمنية جزئية. تجديد قرار ١٥٤١ بمعزل عن مسار سياسي ملزم هو بالضبط النموذج الذي يحذّر منه هذا المبدأ: إجراء أمني معلّق في فراغ سياسي، يمنح غطاءً دولياً لاستمرار الحرب بواجهة "احتواء". ٣. الجبهة العريضة والنفير الوطني دعوة عرمان لبناء "جبهة عضوية" تجذب المتضررين من الحرب وترفض المساومة على السلطة دون معالجة الجذور، تلتقي في روحها مع النفير الوطني الكبير الذي يطرحه الميثاق كتعبئة شعبية واسعة تتجاوز حسابات النخب. غير أن المقال يترك مفهوم "الجبهة" مفتوحاً: من يمثّل من؟ وكيف تُبنى شرعيتها الداخلية بحيث لا تتحول هي الأخرى إلى تحالف نخبوي آخر يستنسخ أزمة التمثيل التي أنتجت الانهيارات السابقة؟
ثانياً: الفجوات التي يحتاج التشخيص إلى إكمالها
١. من يملك صفة التفاوض؟ الشرعية الوظيفية الصاعدة ةةينصبّ نقد عرمان بالكامل على الفاعل الدولي: مجلس الأمن، الرباعية، آلية ١٥٤١. وهذا نقد مشروع، لكنه لا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا رُفضت الوساطات الخارجية الجزئية، فمن يملك، من الداخل السوداني، صفة التفاوض نيابة عن السودانيين؟ هنا يقدّم الميثاق عبر الشرعية الوظيفية الصاعدة والركيزة الرابعة (التمثيل الإقليمي والتوافق الموزون عبر أقاليم السودان الوظيفية الستة) إجابة بنيوية: شرعية تُبنى من القاعدة عبر تمثيل وظيفي وإقليمي متدرج، لا تُستمد من اعتراف دولي متذبذب ولا من تحالف نخبوي هش قد ينهار عند أول اختبار كما انهارت تجارب سابقة. ٢. الفجوة الاقتصادية الغائبة عن التحليل يفسّر عرمان استمرار "إدارة الأزمة" بضعف الإرادة الدولية والانقسام في مجلس الأمن، وهو تفسير صحيح لكنه غير مكتمل. الميثاق يضيف بعداً لا يظهر في المقال: اقتصاد البوابات / الفجوة السادسة، أي الشبكة الاقتصادية الموازية (تهريب الموارد، بوابات التمويل غير الرسمية، مصالح إقليمية متشابكة مع أطراف الحرب) التي تجعل لأطراف نافذة ، محلية وإقليمية ودولية ، مصلحة مادية مباشرة في إطالة "إدارة" الحرب بدل إنهائها. أي خارطة شاملة لوقف الحرب، كالتي يدعو إليها عرمان، ستصطدم بهذه الشبكة ما لم تُفكَّك بوصفها هدفاً مستقلاً في أي تسوية، لا نتيجة تلقائية لوقف إطلاق النار. ٣. العدالة كشرط استدامة لا كاستحقاق مؤجل المقال يركّز، وهذا مبرر، على وقف الحرب كأولوية عاجلة تسبق "فردوس العملية السياسية". لكن تجربة ٢٢ عاماً من دارفور التي يستشهد بها عرمان نفسه تُظهر أن وقف إطلاق النار بلا مساءلة عن الجرائم يعيد إنتاج الحرب بأشكال جديدة. هنا تصبح آلية العدالة الانتقالية ثلاثية الطبقات (مجالس المصالحة المحلية، ولجنة الحقيقة والتعويضات، وغرفة الجرائم الكبرى دون عفو) ليست بنداً مؤجلاً لما بعد السلام، بل جزءاً من شرط استدامة أي وقف للحرب يُراد له ألا يكون "مسكّناً" آخر.
ثالثاً: خلاصة : من نقد الإدارة إلى بناء البديل
تشخيص عرمان دقيق في وصف العطب: مجلس الأمن، بانقسامه وتردده، أقرب إلى إدارة الحرب منه إلى وقفها، والرباعية تتراجع خطوة خطوة عن التزاماتها المعلنة. لكن الانتقال من هذا التشخيص إلى مبادرة فعلية يحتاج إلى ما يزيد على المطالبة بـ"خارطة شاملة" و"جبهة عضوية": يحتاج إلى بنية تمثيل واضحة الأركان، وتسلسل يقدّم الشرعية السياسية على الترضيات الأمنية، وجداراً مؤسسياً محدد المعايير لا مجرد شعار استبعاد، ومعالجة صريحة لاقتصاد الحرب الذي يغذّي إدامتها، وعدالة انتقالية تُبنى في صلب التسوية لا على هامشها. هذا هو بالضبط الفراغ الذي يحاول ميثاق النجاة وبناء الدولة ملأه: ليس بديلاً عن نقد عرمان، بل استكمالاً لمساره نحو صيغة قابلة للتنفيذ.
حركة ميثاق النجاة وبناء الدولة ، سلسلة استكمالاً لا مصادمة
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة