قال تشارلز دارون. Ignorance more frequently begets confidence than does knowledge بمعنى ان الجهل في الغالب يولد ثقة أكبر من تلك التي تولدها المعرفة. والمقصود أن قلة المعرفة قد تجعل صاحبها أكثر يقيناً وثقة في أحكامه، بينما المعرفة الواسعة تجعل الانسان أكثر إدراكاَ لتعقيد الأمور وحدود ما يعرف ومن ثم أكثر تواضعاً وحذراً في أحكامه. في السياسة، لا تكون المأساة دائماً في أن يطمع الإنسان فيما ليس له، وإنما في أن يطمع فيما هو أكبر من قدرته، ثم يستخدم القوة للوصول إليه، غير مدرك أن القوة التي يظنها سلّماً إلى المجد قد تتحول إلى طريق سريع إلى السقوط وتحكي القصة الرمزية عن كلب وقط كان لكل منهما عظم. كان عظم الكلب في يده، وكان يستطيع أن يأكله وينصرف آمناً، لكن عينه وقعت على عظم القط، فرآه أكبر وأشهى. لم يعد ما في يده كافياً. ألقى عظمه، وانطلق وراء القط ليستولي على ما في يده. فرّ القط إلى بيته ونجا، وعندما عاد الكلب إلى موضع عظمه، كان صقر قد انقضّ عليه وحمله بعيداً. عاد الكلب بلا عظمه، ولم يحصل على عظم القط، بينما ذهب الصقر بالغنيمة، قد تبدو الحكاية للوهلة الأولى مجرد قصة عن الطمع، لكنها في السياسة تحمل معنى أعمق: قد يفقد المرء ما يملكه بسبب رغبته في امتلاك ما ليس له، وقد يكون أخطر ما في الطمع أنه يعمي صاحبه عن قيمة موقعه الحقيقي، وفي تاريخ الدول، كثيراً ما تبدأ المأساة السياسية من طموح يبدو في بدايته شخصياً، ثم يتحول إلى مأساة عامة عندما يقرر صاحبه أن يجعل الدولة وأجهزتها وقواتها أدوات لتحقيق طموحه، كان الرجل نائباً للرئيس ولم يكن ذلك المنصب بالضرورة نتيجة استحقاق شخصي استثنائي، ولا دليلاً على امتلاكه كل المؤهلات التي يتطلبها منصب الرئاسة. لكنه كان، مع ذلك، في موقع سياسي رفيع، وكان يستطيع أن يؤدي دوره، وأن يترك للتاريخ أن يحكم على تجربته غير أن بعض المناصب لا تكتفي بإغراء أصحابها؛ بل قد توقظ في النفس وهماً خطيراً: وهم الاستحقاق المطلق. فيبدأ نائب الرئيس بالنظر إلى كرسي الرئيس لا باعتباره منصباً له شروطه ومسؤولياته، وإنما باعتباره حقاً مؤجلاً ينبغي أن ينتقل إليه. ثم يبدأ الفرق بين الطموح المشروع والطمع السياسي في التلاشي. الطموح مشروع ما دام يسعى إلى السلطة عبر الوسائل المشروعة، ويقبل المنافسة، ويحترم المؤسسات، ويرضى بالنتيجة. أما الطمع السياسي فهو أن يعتقد صاحب المنصب أن قوته تمنحه الحق في الاستيلاء على منصب أعلى، ولو أدى ذلك إلى هدم القواعد التي تحمي الدولة، وهنا تبدأ الحكاية الرمزية في اكتساب معناها السياسي وكان لحميدتي عظم في يده، ولكنه رأى عظم الرئيس أكبر، ولأن القوة العسكرية كانت في متناول يده، توهم أن امتلاك القوة العسكرية الباطشة يعني امتلاك الدولة، وأن القدرة على انتزاع السلطة تعني امتلاك الشرعية. وهذه واحدة من أخطر الأوهام التي يمكن أن يقع فيها رجل الدولة: أن يخلط بين القوة والحق، وبين القدرة والشرعية، وبين السيطرة والحكم فالجيش يستطيع أن يفتح أبواب القصور، لكنه لا يستطيع وحده أن يفتح أبواب التاريخ. قد يستطيع السلاح أن يرفع رجلاً إلى كرسي الحكم، لكنه لا يستطيع أن يمنحه الكفاءة التي لم يمتلكها، ولا الحكمة التي لم يتعلمها، ولا الشرعية التي لم يمنحها الشعب، ولا القدرة على إدارة وطن معقد تتنازعه المصالح والأزمات وحين يصبح الجيش وسيلة لتحقيق الطموح الشخصي، لا يعود الخطر محصوراً في السياسي الطامع، إذ يتحول الصراع على المنصب إلى صراع على الدولة نفسها. ومن هنا يبدأ الثمن الذي لا يدفعه السياسي وحده، وإنما يدفعه المواطن والجيش والاقتصاد والمؤسسات، وقد يدفعه الوطن بأجيال كاملة. لقد أراد أن ينتقل من نائب إلى رئيس بقوة السلاح؛ فإذا به يخسر الموقع الذي كان فيه، ويخسر السلطة التي طمع فيها، ويضع وطنه في مهب الصراع. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في القصة: لقد ألقى عظمه بيده لم ينتزعه منه خصمه أولاً، ولم يأخذه منه الصقر في البداية. إذ أنه هو الذي ترك ما كان يملكه، ظناً منه أن ما في يد الآخر يستحق المغامرة. وحين اندفع وراء العظم الأكبر، كان القط أسرع منه، وكانت النجاة من نصيب القط، بينما كان الصقر ينتظر عودته، وفي السياسة قد يكون الصقر هو الفوضى، أو التدخل الخارجي، أو الجماعات المسلحة، أو تجار الحرب، أو الانقسامات الاجتماعية، أو القوة التي لا يعنيها من يحكم بقدر ما يعنيها أن تكون الدولة ضعيفة وممزقة، وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكبر من سؤال: من انتصر؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا بقي من الوطن بعد المعركة؟ فالسياسي الذي يخسر منصبه يمكن أن يعود إلى بيته، لكن المواطن لا يستطيع أن يعود بوطنه إلى ما كان عليه قبل الحرب. والجنرال الذي يغامر بمؤسسات الدولة قد يخسر السلطة، أما الوطن فقد يخسر مدنه، وأمنه، واقتصاده، ووحدته، وأبناءه، وثقة أجياله في المستقبل. إن أخطر السياسيين ليس بالضرورة من يكره وطنه، بل قد يكون من يحب السلطة إلى درجة تجعله مستعداً لتدمير وطنه من أجلها وهذه هي المعضلة الأخلاقية الكبرى: عندما يصبح المنصب غايةً في ذاته، يصبح الوطن وسيلة. وعندما يصبح الوصول إلى القصر أهم من سلامة الدولة، يتحول الحكم من مسؤولية إلى غنيمة، ومن أمانة إلى ملكية خاصة ولذلك فإن الحكمة السياسية ليست أن يسأل القائد: هل أستطيع أن أصل إلى القمة؟ بل أن يسأل: هل أملك من الكفاءة والحكمة والشرعية ما يجعلني جديراً بها؟ وهل سيبقى الوطن أكثر أمناً واستقراراً إذا وصلت؟ فالمنصب ليس حجماً من العظم يتنافس عليه المتصارعون، والجيش ليس عصاً سحرية تمنح صاحبه ما يريد. السلطة العامة أمانة، ومن يطلبها بالقوة ينبغي أن يتذكر أن القوة نفسها لا تعرف الوفاء لصاحبها لقد ظن الكلب أن العظم الأكبر يستحق أن يترك من أجله عظمه. لكنه عندما عاد لم يجد شيئاً وفي السياسة، قد تكون لحظة الغرور قصيرة، لكن آثارها قد تمتد لعقود
إن أعظم خسارة ليست أن يفقد الحاكم كرسيه؛ بل أن يفقد الوطن استقراره من أجل كرسي. وأفدح السقوط ليس سقوط رجل من منصب، وإنما سقوط وطن لأن رجلاً لم يعرف حدود طموحه. وهكذا تقول لنا حكاية الكلب والقط والصقر، بلغة الرموز البسيطة، حكمة سياسية بالغة القسوة: من يترك ما في يده طمعاً فيما في يد غيره، قد يخسر الاثنين؛ ومن يجعل جيشه جسراً إلى كرسي الحكم، قد يجد أن الجسر نفسه انهار به وبالوطن. أما الصقر، فإنه لا يحتاج إلى أن يصنع المعركة. يكفيه أن ينتظر حتى ينسى المتصارعون أن السماء مفتوحة فوق رؤوسهم.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة