منذ أن استقل السودان، ونحن نرتكب خطيئة السؤال الخطأ. نسأل: هل السودان عربي أم أفريقي؟ وكأن الوطن امرأة جميلة لا بد أن ننتزع منها إحدى عينيها حتى نثبت أنها تنتمي إلينا. وكأن السودان لا يستطيع أن يكون إلا شيئًا واحدًا. وكأن النيل، قبل أن يصل إلى الخرطوم، يسأل مياهه: أنتِ عربية أم أفريقية؟ وكأن الصحراء حين تلامس الغابة تحتاج إلى إذن. وكأن الإنسان السوداني مطالب، قبل أن يحصل على حقه في وطنه، بأن يقدم شهادة تثبت أصله. منذ الاستقلال، ظهر تيار يريد للسودان أن يثبت عروبته، وتيار يريد له أن يثبت أفريقيته. وبدا الأمر في ظاهره خلافًا فكريًا حول الهوية. لكنه، في العمق، كان يخفي سؤالًا أكثر خطورة: من هو السوداني الكامل؟ وهنا بدأت المأساة. لأنك حين تجعل الهوية امتحانًا للمواطنة، فأنت لا تعود تسأل الإنسان من هو. بل تسأله: هل تستحق أن تكون هنا؟ ومن هذه اللحظة يولد المواطن من الدرجة الأولى. ليس بالضرورة في القانون. بل في العقل الباطن. في المدرسة. في الوظيفة. في الإعلام. في السياسة. في نظرة المدينة إلى الريف. وفي نظرة المركز إلى الهامش. وفي طريقة وصف الناس لبعضهم بعضًا. لم تكن المشكلة أن بعض السودانيين شعروا بأنهم عرب. ولم تكن المشكلة أن بعضهم شعر بأنه أفريقي. فالإنسان حر في أن يرى نفسه كما يشاء. المصيبة أن نتحول من: أنا عربي إلى: إذن أنت لست عربيًا مثلي، ولذلك أنت أقل مني. وأن يتحول: أنا أفريقي إلى: إذن أنت عربي، ولذلك أنت دخيل. هنا تتحول الهوية من مرآة إلى سكين. ومن حق شخصي إلى حكم على الآخرين. ومن انتماء إلى عنصرية. والسودان، في الحقيقة، أوسع من هذه المعركة الصغيرة. السودان لم يكن يومًا لونًا واحدًا. ولا قبيلة واحدة. ولا لغة واحدة. ولا ثقافة واحدة. السودان تاريخ طويل من التداخل. أناس عبروا النيل. وأناس عبروا الصحراء. وأناس جاءوا من الغابة. وأناس جاءوا من البحر. تزوجوا. واختلطوا. وتاجروا. وتحاربوا. وتصالحوا. ثم أنجبوا السودان الذي نعرفه. فمن أين جاء وهم "النقاء"؟ ومن أين جاءت فكرة أن هناك سودانيًا أكثر أصالة من سوداني آخر؟ ربما هنا تحديدًا ضاعت منا الحكمة التي عرفها أهل التصوف قبل أن تعرفها كتب السياسة. أهل الطريق لم يكونوا يسألون الإنسان عن لون بشرته قبل أن ينظروا إلى قلبه. كانوا يعرفون أن الإنسان سر. وأن الكرامة لا تُورث في شجرة النسب. وأن الدم لا يجعل صاحبه أفضل من غيره. وأن الطريق إلى الله لا يمر عبر القبيلة. ولا عبر اللون. ولا عبر الجهة. ولا عبر السلطة. يمر عبر الإنسان. ولهذا فإن كل خطاب يحقر إنسانًا لأنه أسود أو أبيض، عربي أو أفريقي، شمالي أو غربي، قبلي أو مدني، هو خطاب بعيد عن جوهر التصوف مهما أكثر أصحابه من الحديث عن الدين. فالله لا يحتاج إلى قومية كي يكون إلهًا. ولا يحتاج إلى قبيلة كي يكون ربًا للعالمين. ثم جاءت الحرب. وكانت الحرب هي اللحظة التي خرج فيها هذا الجرح القديم من تحت الجلد. منذ أبريل 2023، لم يعد السودان يعيش حربًا عسكرية فقط. لقد دخلت البلاد في حرب على الذاكرة والهوية والانتماء أيضًا. كل طرف يحاول أن يكتب روايته. كل طرف يبحث عن "خائن". كل طرف يريد أن يحدد من هو الوطني ومن هو العميل. ومن هو السوداني الحقيقي. ومن هو الغريب. ومن هو صاحب الأرض. ومن هو القادم من الخارج. ومع هذا السيل من الخطابات، أصبحت الهوية وقودًا للحرب. والإعلام، بدل أن يكون جسرًا بين السودانيين، صار في أحيان كثيرة جزءًا من المتراس. كلمة هنا. شتيمة هناك. صورة لقبيلة كاملة. اتهام لجماعة بأكملها. ثم يأتي الغضب. ثم يأتي السلاح. ثم يأتي الموت. ثم يأتي من يشرح لنا لماذا كان الموت "ضروريًا". وهكذا يصبح القاتل بطلاً في عين جماعته، ويصبح القتيل مجرد رقم في عين الجماعة الأخرى. وهنا يكون الوطن قد مات قبل أن يموت الناس. يا أهل السودان... لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن قبيلة كاملة يمكن أن تكون مذنبة. لا تسمحوا لأحد أن يقول لكم إن لونًا من ألوان البشرة يحمل جريمة. لا تصدقوا من يقول إن مدينة بأكملها خائنة. ولا من يقول إن إقليمًا بأكمله مرتزقة. ولا من يقول إن قبيلة بأكملها مليشيا. فالقبيلة لا تحمل البندقية. والمدينة لا تقتل. واللون لا يرتكب جريمة. الإنسان هو المسؤول عن فعله، لا عن نسبه. هذه قاعدة بسيطة. لكن الأمم لا تتعلمها إلا بعد أن تدفع ثمن مخالفتها دمًا. والأخطر من الحرب نفسها هو أن نخرج منها ونحن نكره بعضنا. فالقنبلة تهدم بيتًا. أما الكراهية فتهدم وطنًا. القنبلة يمكن أن تنتهي. أما الكراهية فإنها تنتقل من الأب إلى الابن. ومن جيل إلى جيل. وتنام في الحكايات. وتكبر في المدارس. وتظهر بعد عشرين سنة في صورة جندي آخر يحمل بندقية أخرى. لهذا فإن أخطر ما يجب أن نوقفه اليوم ليس الرصاص وحده. بل اللغة التي تصنع الرصاص. أيها السوداني... إذا قال لك أحدهم: "أنت عربي، إذن أنت..." قل له: أنا إنسان قبل أن أكون عربيًا. وإذا قال لك: "أنت أفريقي، إذن أنت..." قل له: أنا إنسان قبل أن أكون أفريقيًا. وإذا قال لك: "أنت من القبيلة الفلانية..." قل له: أنا إنسان، وقبيلتي جزء مني وليست سجنًا لك. وإذا قال لك: "أنت من الشرق." قل له: والشرق جزء من السودان. وإذا قال: "أنت من الغرب." قل له: والغرب جزء من السودان. وإذا قال: "أنت من الشمال." قل له: والشمال ليس السودان وحده. وإذا قال: "أنت من الوسط." قل له: والوسط ليس مركز الكون. لقد ظلمنا السودان حين حاولنا أن نختصره. اختصرناه في الخرطوم. ثم اختصرناه في الشمال. ثم اختصرناه في العروبة. ثم اختصرناه في الإسلام. ثم اختصرناه في القبيلة. ثم اختصرناه في الجيش. ثم اختصرناه في الدعم السريع. وفي كل مرة كنا نأخذ جزءًا من السودان ونطلب منه أن يمثل السودان كله. لكن السودان أكبر من الجميع. السودان لا يختصره جيش. ولا تختصره قبيلة. ولا تختصره عروبة. ولا تختصره أفريقية. ولا تختصره مدينة. ولا تختصره عقيدة. السودان هو كل ذلك حين يتعايش. ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه من النيل أنه لا يسأل روافده عن نسبها. يأخذ الماء كما يأتي. يجمع المختلف. ثم يمضي. لا يقول هذا ماء من هنا فلا أقبله. ولا يقول ذاك ماء من هناك فلا أريده. كل قطرة تدخل فيه تصبح نيلًا. فمتى نصبح نحن مثل النيل؟ إن السودان الذي نحتاجه بعد الحرب ليس السودان الذي ينتصر فيه طرف على طرف. ذلك انتصار مؤقت. ولا السودان الذي يستبدل حاكمًا بحاكم. ذلك تغيير للوجوه. نحن نحتاج إلى سودان ينتصر فيه الإنسان على الفكرة التي تجعله يكره الإنسان. نحتاج إلى دولة لا تسأل المواطن عن لونه قبل أن تمنحه حقه. ولا عن قبيلته قبل أن تمنحه وظيفته. ولا عن منطقته قبل أن تمنحه العدالة. ولا عن لسانه قبل أن تمنحه الكرامة. نحتاج إلى وطن لا يكون فيه أحد مضطرًا لأن يقول: أنا سوداني أكثر منك. لأن الحقيقة أبسط من كل ذلك: لا يوجد سوداني أكثر سودانية من سوداني. هناك سوداني ظالم. وسوداني مظلوم. سوداني قاتل. وسوداني مقتول. سوداني صالح. وسوداني فاسد. سوداني شريف. وسوداني مجرم. لكن لا توجد قبيلة مجرمة بطبيعتها. ولا لون مجرم. ولا جهة مجرمة. ولا عرق مجرم. الجريمة فعل فرد، وليست جينات. وقد آن لنا أن ندفن هذا السؤال: هل السودان عربي أم أفريقي؟ ونضع مكانه سؤالًا أكثر إنسانية: هل السودان قادر على أن يكون وطنًا لكل السودانيين؟ فإذا كان الجواب نعم، فقد نجونا. وإذا كان الجواب لا، فسنظل نغير أسماء الحروب دون أن نغير أسبابها. يا سودان... لا تبحث عن هويتك في كتب السياسة وحدها. ابحث عنها في أمك التي أرضعتك. في جدتك التي كانت تقول لك الحكايات. في صوت الأذان حين يخرج من القرية. في جرس الكنيسة. في زولٍ صوفي يضرب الدف في حضرة المحبة. في أغنية من دارفور. في طنبور الشمال. في إيقاع الشرق. في شوارع الخرطوم. في نخيل الشمال. في سهول الغرب. في البحر. في النيل. في القهوة التي تجمع الناس حول النار دون أن تسألهم عن قبائلهم. هناك السودان. لقد أرهقوك يا سودان بسؤال: من أنت؟ فلا تجبهم. أو أجبهم بما لا يتوقعون: أنا لست عربيًا فقط. ولست أفريقيًا فقط. ولست مسلمًا فقط. ولست قبيلة. ولست جهة. ولست لونًا. أنا إنسان سوداني. وإن لم يستطع هذا الوطن أن يتسع للإنسان... فلا معنى لكل الأعلام التي نرفعها باسمه. ولا معنى لكل الأناشيد التي نغنيها له. ولا معنى لكل الدم الذي نزف من أجله. لأن الوطن في النهاية ليس ترابًا. الوطن هو الطريقة التي ننظر بها إلى بعضنا. فإذا أحببنا بعضنا... صار السودان وطنًا. وإذا كرهنا بعضنا... فلن يبقى من السودان إلا اسمه.
اكتشاف المزيد حروب وصراعات أخبار صُحف War مراجع جغرافية اخبار علاقات عامة الشعوب الإفريقية وشعوب الشتات
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة