استكمالاً لا مصادمة قراءة في مقال الأستاذ الوليد آدم مادبو: «السودان بين المركزية السياسية وفخ الفدرالية الإثنية» الجزء الثاني
د. على عبدالله الخليفة طه من إصدارات مشروع ميثاق النجاة وبناء الدولة
يطرح الأستاذ الوليد آدم مادبو، في الجزء الثاني من مقالته، مقارنة نادرة الدقة بين ثلاث تجارب فدرالية متباينة ، التجربة الإنقاذية، والتجربة الإثيوبية، والتجربة الأمريكية ، ليخلص منها إلى تمييز جوهري يستحق أن يوضع في صدارة أي نقاش دستوري سوداني قادم: الفرق بين فدرالية تُنظّم السلطة، وفدرالية تُوزّع ملكية الأرض والسيادة بين الجماعات القومية. هذا التمييز ليس ترفاً نظرياً؛ فهو يلامس بدقة السؤال الذي واجهناه في تصميم الأقاليم الوظيفية الستة داخل ميثاق النجاة وبناء الدولة، حيث اخترنا مساراً مطابقاً لمنطق مادبو من غير أن نسميه بالاسم نفسه. نواصل هنا تقليد «استكمالاً لا مصادمة»: نقرأ النص من موقع من يشارك مقدماته الأساسية، لا من يعارضها، ثم نسأل السؤال الذي يميز التشخيص الدستوري الصحيح عن آلية التنفيذ القابلة للتطبيق: أين يحتاج هذا التصور الصائب إلى جسر ينقله من الورقة إلى واقع دولة تخوضها اليوم جيوش متعددة الولاء، واقتصاد بواباتٍ يتجاوز أي صيغة مالية متصوَّرة؟ أولاً: مواضع الاتفاق والقوة التشخيصية ١. التمييز بين تنظيم السلطة وتوزيع ملكية الأرض : هذا هو المبدأ نفسه الذي قام عليه تصميم الأقاليم الوظيفية الستة في الميثاق: أقاليم إدارية-وظيفية محمية دستورياً، لا أوطان قومية مصغّرة. حين يكتب مادبو أن «الفدرالية تنظم السلطة ولا توزع ملكية الأرض بين الأعراق»، فهو يصوغ بعبارة مكثفة الأساس الذي بُنيت عليه معايير رسم الحدود الإقليمية في الميثاق: معايير التوازن الديموغرافي والوظيفي والاقتصادي، لا معايير الانتماء القومي الحصري. ٢. نقد الفدرالية الإنقاذية كغطاء للمركزية : يتطابق هذا مع تشخيص الميثاق لدولة الإنقاذ بوصفها دولة مُصادَرة أدارت التنوع الإداري بمنطق مركزي محض، وهو ما استدعى تصميم الجدار المؤسسي الفاصل بين الطبقة السياسية والطبقة التنفيذية-المدنية، حتى لا تتكرر التجربة تحت مسمى «لامركزية» جديد. ٣. التحذير من تعدد الجيوش ذات الولاء المستقل : هذه النقطة تحديداً هي الأكثر إلحاحاً في اللحظة الراهنة، وهي ركيزة أساسية في منطق التسلسل الذي يتبناه الميثاق: لا يجوز أن يتحول تعدد مستويات الحكم إلى تعدد للجيوش، وأن تبقى السيادة العسكرية موحدة داخل الإطار الاتحادي مهما اتسعت صلاحيات الأقاليم في الشرطة والأمن الداخلي. ٤. صيغة الموارد المزدوجة : الجمع بين حق منطقة الإنتاج في نصيب معتبر، وحق الدولة في نصيب يضمن التكافل، هو نفسه الإطار العام الذي تبناه الميثاق في هندسته المالية للأقاليم، خلافاً لصيغ إما مركزية جشعة أو انفصالية جشعة. ٥. الفصل بين خريطة التنمية وخريطة الحكم : إشارته إلى الـ Agro-Industrial Complexes السوفييتية، رغم اختلاف السياق، تلتقي مع منطق الميثاق في التعامل مع الأحزمة الاقتصادية العابرة للأقاليم كوحدات تعاون اقتصادي وظيفي لا ككيانات سياسية أو قومية موازية للأقاليم الدستورية. ثانياً: من التوصيف الدستوري إلى آلية الانتقال — الفجوات البنيوية قوة مقال مادبو تكمن في وضوح التصور النهائي: أي فدرالية نريد. لكن هذا التصور، كغيره من التصورات الدستورية الرصينة، مكتوب من موقع دولة قادرة على فرض سيادتها الموحّدة أصلاً. والسودان اليوم ليس في تلك النقطة؛ فهو في حالة حرب بين تشكيلات مسلحة تتنافس على مركز الدولة نفسه. هنا تظهر الفجوات الأربع التالية، وكلها فجوات ينبغي سدّها لا نقضها لما طرحه مادبو. ١. فجوة التسلسل: كيف نصل إلى هناك من هنا؟ لا يقول النص كيف تُبنى الدولة الاتحادية الموحدة الجيش من نقطة انطلاق تتعدد فيها الجيوش فعلاً. هنا يقدّم الميثاق إجابته عبر مبادرة الجسر الانتقالي ومنطق التسلسل الذي يجعل الشرعية السياسية سابقة على إعادة الهيكلة الأمنية، بحيث يكون الجيش طرفاً موقّعاً شريكاً في العملية الانتقالية لا ضامناً خارجياً يُفرض عليها الحل بعد اكتماله. بهذا يتحول مبدأ «وحدة السيادة والقوات المسلحة» الذي يصفه مادبو من غاية نهائية إلى مسار عملي محدد الخطوات. ٢. فجوة اقتصاد البوابات: من يملك الموارد فعلاً اليوم؟ صيغة مادبو المالية ، نصيب المنتج زائد التضامن الوطني ، تفترض دولة تملك سلطة تحصيل وتوزيع فعلية. لكن جزءاً كبيراً من الموارد الحقيقية في السودان اليوم، خصوصاً الذهب والمعابر التجارية، يمر عبر شبكات ضرائب مسلحة موازية للدولة، لا داخلها ولا حتى داخل أي إقليم بعينه بالمعنى الدستوري. هذا هو ما رصده الميثاق تحت مسمى «الفجوة السادسة» (اقتصاد البوابات)، وأضافه كفصل جديد في بروتوكول التفعيل: لا صيغة مالية فدرالية، مهما كانت عادلة على الورق، تصبح قابلة للتطبيق قبل تفكيك شبكات البوابات هذه أو استيعابها ضمن الإطار الرسمي. ٣. فجوة الجدار المؤسسي: من يحكم الإقليم القوي؟ حين تصبح الأقاليم قوية دستورياً كما يدعو مادبو بحق، يظهر خطر جديد لم يتناوله النص: أن تتحول تلك السلطة الإقليمية إلى موقع استحواذ لزعامات محلية جديدة، بمنطق مماثل لما جرى على مستوى المركز. الميثاق يعالج هذا الخطر عبر الجدار المؤسسي الفاصل بين الطبقة السياسية التمثيلية والطبقة التنفيذية-المدنية، بحيث لا تتحول قوة الإقليم إلى امتياز حصري لحزب أو قبيلة أو شبكة مصالح تُعيد إنتاج مركزية مصغّرة داخل الإقليم نفسه. ٤. فجوة التمثيل: كيف يُمثَّل الإقليم غير الإثني؟ مادبو محقّ في رفض تعريف الإقليم بوصفه وطناً قومياً حصرياً، لكنه لا يقدّم آلية بديلة محددة لتمثيل سكان الإقليم المختلطين تمثيلاً عادلاً بمعزل عن الأصل الإثني. هنا تحديداً تقدّم مبادرة الجسر الانتقالي إجابتها التفصيلية: صيغ تمثيل إقليمي مبنية على أسس مدنية-وظيفية موزعة عبر الأقاليم الستة، مع معالجة خاصة للمناطق المتنازع عليها، بحيث يتحول المبدأ الذي يدافع عنه مادبو — حماية الهوية من دون تحويلها إلى سيادة — من التزام أخلاقي عام إلى صيغة عد وتمثيل قابلة للتفاوض. خاتمة لا يوجد تعارض حقيقي بين ما يطرحه مادبو وما يبنيه الميثاق؛ الفارق فارق موقع لا فارق جوهر. مادبو يكتب من موقع البنيان الدستوري النهائي: أي فدرالية نريد لسودان ما بعد الحرب. والميثاق يكتب من موقع الجسر: كيف نصل إلى ذلك البنيان من دولة تتصارع فيها جيوش على تعريف السيادة نفسها، ويُدار جزء من ثروتها عبر بوابات مسلحة خارج أي صيغة دستورية. الجزء الثاني من مقالته يمنحنا، من دون قصد مباشر، تبريراً نظرياً إضافياً لخيارات اتُّخذت سلفاً في تصميم الميثاق: أقاليم وظيفية لا إثنية، سيادة عسكرية موحدة، وصيغة مالية مزدوجة. وتبقى المهمة المشتركة أن يلتقي التصور الدستوري الرصين بآلية الانتقال العملية، فتلك هي المسافة الوحيدة التي ما تزال تفصل بين التوصيف الصحيح والدولة الفعلية.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة