تقول سيرته انه درس القانون بجامعة الخرطوم، ونال دكتوراه في الحقوق جامعة باريس.وعمل دبلوماسياً بالأمم المتحدة واليونسكو ، قبل أن يشغل منصب أول وزير للشباب والرياضة خلال حكم جعفر نميري ثم وزارة الخارجية فوزارة التعليم لينضم للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، ولعب دوراً سياسياً وفكرياً وما زالت مؤلفاته الفكرية تجد رواجا عالي .
( وزارة الشباب لدار الصحافة للدوحة)
ربما لم يمر شهران من إحتفاء كوكبة الدبلوماسيين. علي رأسهم شاعر اكتوبر محمد المكي إبراهيم بالمكتب السري بوزارة الخارجية لتعيين د منصور خالد اول وزيرا للشباب والرياضة في حكومة مايو إلا وتم نقلي لشؤون الموظفين وعموما العمل مع مجموعة غير العمل بمكتب مسؤول و الذي لازمني طويلا .. إحدى الموظفات " فرفوشة " لا تطبع رسالة إلا إذا راقت لها صورة المعني وإلا وضعت ملفه علي كرسيها وكثيرا ما كانت تنزلق لان الملفات فاقت حمولة مقعدها فنضج ضحكا كسرا لضغط العمل .. يا تري لماذا لم يجتازوا فحصها كما اجتازوا امتحانات الدلوف للسلك الدبلوماسي المنقحة والمنضبطة في ذلك الزمان .
في نهار احد الايام استدعاني مدير شؤون الموظفين .. وطلب مني الذهاب لمكتب وكيل الوزارة الجديد عبدالله الحسن .. قطعا لامس الخوف قلبي لكن لم يكن امامي مفر من الذهاب .. سكرتيرته أكدت انه ينتظرني بل انتهرها بصوت عالي أين عواطف ؟ ووقتها إن كنت اجيد لهجة اخوتنا المصريين لصرخت " يا لهوي ".
فاذا بسعادة الوكيل والذي خلف السفير الاديب جمال محمد احمد وأراه لاول مرة يردد " يعني تخلونا نحن العواجيز وتمشوا للشباب " لم افهم قصدكم .. د. منصور خالد طلبكم لمكتبه بوزارة الشباب .. لا اريد الانتقال .. لماذا .. لان هنا صديقاتي .. قهقة عالية ونزع وريقة سجل بها رقم هاتفه السري المكون من ثلاثة ارقام .. دسي هذه بشنطتك واتصلي بي في اي وقت تقابلك مشكلة .
وبتعبير أبوي يا بتي انت فاكرة د منصور في شخص ممكن يقول له لا .. وانا عرفت أنك بت مجتهدة والمستقبل أمامك ناصع طالما ستعملي مع د منصور ..
ويعاود الضحك اما صديقاتك سأتفق و ادارة الشباب لتصرفي راتبك من الخارجية .. وفعليا ظللت لأكثر من ستة اشهر اصرف راتبي كانتداب والتقي صديقاتي ..
وزارة الشباب المبني المطل مباشرة علي شارع النيل يضم مكتب الوزير ووكيل الوزارة ونائبه ومحاط بسياج من خشب الزان وحديقة بالساحة الامامية بها أزاهيرها كثيرا ما كان د. منصور يشير لي ان تلك الزهرة انتهى موسمها او أن تلك تحتاج لإضاءة اكثر .. وبمدخل مكتبه لوحة كإشارة المرور إن إضاءا الحمراء يكون منهمكا في قراءة او كتابة ولا يدخل له احد .
مكتب واسع جدا في أقصي اليمين طاولته من خشب المهوقني الأسود عليها راديو مميز حينما يضغط علي احد الأزرار تنفرد خارطة للإذاعات العالمية وأقصى اليسار كراسي جلوس مكسوة بدمور وباطرافها شريط اسود وعلي الأرضية سجاد دموري منسوج بأسواق أمدرمان التقليدية ..لا تشبه كراسي مسؤولي اليوم والتي تمثال ابو الهول غير ألوانها الفاقعة أحمر واصفر .
هذا المنصور منضبط كساعة " بنج بنج "
اطلاقاً لم يتناول وجبة بالمكتب فقط كاسة ماء وفنجان قهوة صباحية .. احد الايام رجع الساعي بالقهوة والذي يرتدي " جلباب وعمه ومركوب " خلافا لعمال الوزارة وذكر لي ان الوزير يطلبني دلفت مسرعة " عواطف " انظري لأظافره فأسرعت للبوفيه واغلقت بابه وطلبت منه ان يقص أظافره ونبهته للتركيز علي نظافته الشخصية والا لن اضمن استمراره .
في احد الايام واناً اقدم البريد لتوقيع الرسائل قبل دخوله لاجتماع مهم فاذا استاذ جامعي يفتح الباب و" يتاوق " برأسه فألحقه عند الباب بان الوزير لديه اجتماع.. فيتمادى بالدخول مما اضطرني للرجوع للخلف وما ان وصلنا لحافة المكتب .. فقط رفع رأسه .. لدي اجتماع وواصل التوقيع علي البريد .. مما اضطرّ ذلك البروف التقهقر للخلف ومن يومها لم التقيه مرة اخرى ..
مدرسة متفردة في الالتزام بالمواعيد وتحفيز الثقة طلب مني فض الرسائل السرية حتى التي تصلنا من القصر الجمهوري كان عليها " شمع أحمر يوضع بطرف الظرف فيذوب ويظهر به لفظ سري " ومن وقتها لم اقدم لاي مسؤول رسالة دون ان أفضها وتقديمها بذات السرية ..
طبعت غالبية خطب الرئيس التي يكتبها د منصور وكثيرا ما كان النميري ياتي بشخصه دون حرس ولا ضجيج وان لم يجد الساعي امام مدخل السياج يقفز برشاقة وحيوية وكأنه في سن العشرين ..
وطبعت غالبية المستندات الخاصة بالتحضير للملتقي الفكري العربي الاول والذي استضافته الخرطوم ونضجت تفاصيله بايدي د منصور واحمد عبدالحليم وكيل الوزارة الاستاذ الجامعي وسفير السودان بالقاهرة قبل سنوات .
فترة د منصور يمكنني ان اقول مثلت نهضة وترسيخ لفلسفة متطورة كحراك ايجابي لقطاعات الشباب تمثلت في تفعيل الخدمة الطوعية (صيانة الطرق، بناء المشافي والمدارس)، و إنشاء مراكز للأنشطة الثقافية والتأهيل، ومحو الأمية. فضلاً عن المهرجانات الشبابية كالمهرجان الشبابي الثقافي المسرحي الغنائي الذي اقيم بشارع النيل احتفاء بالعيد الاول لثورة مايو وقد أصدرت مجلة المصور المصرية عددا خاصا و بالصفحة الرئيسية صورة للرئيس نميري وجمال عبدالناصر والقذافي وتحتها مباشرة شخصي والإعلامية المذيعة ليلي المغربي واحدي الزميلات ونحن نحمل صورة مكبرة للريس نميري عليها توقيعه هذا غير استضافة المسرح القومي بأمدرمان للفنانة الأفريقية المناضلة " مريم ماكيبا " .
ومن أهم مؤلفاته التي ما زالت تحرك حوارا وتحتل امكنة بارزة بأرفف معارض الكتاب وجدلية المثقفاتية " مع الصفوة، ولا خير فينا ان لم نقلها، والسودان والنفق المظلم ، قصة الفساد والاستبداد، والفجر الكاذب، وجنوب السودان في المخيلة العربية، والنخبة السودانية وإدمان الفشل(جزأين)، السودان : أهوال الحرب.. وطموحات السلام (قصة بلدين)، و(الثلاثية الماجدية): صور من أدب التصوف في السودان.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة