استكمال لا مصادمة من التشخيص المؤسسي إلى آلية البناء: قراءة في مقال «لماذا تفشل الأمم؟ السودان نموذجا» رد على مقال الأستاذة أسماء محمد جمعة، 6 أغسطس 2026
د. على عبدالله الخليفة طه
أولا: مدخل : لماذا هذا الرد؟
يطرح مقال الأستاذة أسماء محمد جمعة سؤالا جوهريا ظل يشغل الوعي السياسي السوداني منذ الاستقلال: لماذا فشلت الدولة السودانية رغم وفرة مواردها؟ ويستند المقال إلى إطار أسيموغلو وروبنسون في كتابهما «لماذا تفشل الأمم؟» للتمييز بين المؤسسات الشاملة والمؤسسات الاستخراجية بوصفه تفسيرا أعمق من الاكتفاء برصد مظاهر الفشل كالفساد والانقلابات والتدخلات الخارجية. هذا الرد لا يأتي من موقع المصادمة، بل من موقع الاستكمال؛ فالمقال يشخّص جانبا مهما من الأزمة بدقة، غير أنه يقف، كما يقف الكتاب الذي استند إليه ، عند حدود التشخيص، دون أن يقدّم آلية واضحة لتحويل هذا التشخيص إلى بنية حكم فعلية. وهنا بالتحديد يتقاطع المقال مع مشروع الميثاق.
ثانيا: مواطن القوة في التشخيص
يصيب المقال في عدد من النقاط الجوهرية التي تستحق الإقرار بها قبل الانتقال إلى نقدها: • رفضه للتفسيرين الساذجين لمفهوم «دولة 56» ، سواء التفسير الفضفاض الذي لا يحدد آلية الفشل بدقة، أو التفسير الجهوي الذي يحمّل مجتمعات جغرافية بأكملها وزر نخبها الحاكمة، متجاهلا أن كثيرا من أبناء تلك المناطق كانوا هم أنفسهم ضحايا التهميش والإقصاء. • تمييزه بين المؤسسات الشاملة والمؤسسات الاستخراجية كإطار تفسيري أعمق من الاكتفاء برصد الأعراض كالفساد والانقلابات، وتوجيهه النقاش نحو السؤال الأصح: كيف تعمل المؤسسات؟ ومن يملك السلطة والثروة؟ • رصده الدقيق لظاهرة تكررت في التجربة السياسية السودانية: تحوّل بعض القوى التي رفعت شعارات مقاومة الظلم والحكم الشمولي إلى جزء من النظام نفسه بمجرد إتاحة فرصة المشاركة في السلطة، أو عودتها للتعاون معه وحفاظها على البنية المؤسسية القائمة. • تنبيهه إلى أن خيار التقسيم إلى دويلات لا يضمن وحده بناء دولة ناجحة إذا انتقلت معه أزمة المؤسسات وقواعد الحكم نفسها، مستشهدا بتجربة جنوب السودان كمثال على أن الانفصال لا يكفي وحده لتحقيق الاستقرار.
ثالثا: الفجوة : من التشخيص إلى آلية التحويل
يقف المقال عند الحد الذي وقف عنده أسيموغلو وروبنسون أنفسهما، وهو حد يُنسب إليهما في أدبيات الاقتصاد السياسي المؤسسي على نطاق واسع: الكتاب يفسّر ببراعة لماذا تفشل الدول، لكنه يحيل مسألة الإصلاح إلى «لحظات تحول تاريخية» يتغير فيها ميزان القوى بصورة شبه تلقائية، دون تحديد آلية واضحة لصناعة هذا التحول بدل انتظاره. والمقال يكرر هذا الفراغ ذاته حين يختتم بدعوة عامة: أن يجعل المجتمع السوداني «إصلاح المؤسسات قضية وطنية»، وأن يفعّل المجتمع المدني دوره في «الضغط من أجل بناء مؤسسات أكثر شمولا وعدالة». وهذه دعوة صحيحة في اتجاهها، لكنها تبقى مطلبا معياريا لا آلية تنفيذية؛ فهي تجيب عن سؤال «ماذا ينبغي أن يحدث؟» دون أن تجيب عن سؤال «كيف يُبنى ذلك مؤسسيا؟». هنا بالتحديد يبدأ الميثاق من حيث ينتهي المقال، عبر خمس آليات محددة تحوّل التشخيص إلى بنية حكم قابلة للتطبيق: 1. الشرعية الوظيفية الصاعدة بدل انتظار لحظة تاريخية يتغير فيها ميزان القوى تلقائيا، يقترح الميثاق بناء الشرعية من المحيط إلى المركز عبر أداء وظيفي فعلي وقابل للقياس على المستوى المحلي أولا، بحيث تُصنع لحظة التحول بالتراكم المؤسسي بدل انتظار حدوثها بالصدفة أو بفعل عوامل خارجية. 2. الركيزة الرابعة: التمثيل الوزني للأقاليم تحوّل هذه الآلية نقد المقال لتفسير «دولة 56» الجهوي من موقف رفضي إلى صيغة تمثيل مؤسسي فعلية، تعالج جذر الإشكال الذي أشار إليه المقال، وهو الخلط بين النخب المستفيدة من مركزية السلطة والمجتمعات التي تنتمي إليها ، دون أن تكتفي، كما فعل المقال، برصد هذا الخلط دون تقديم بديل بنيوي له. 3. الجدار المؤسسي الفاصل بين الحركة السياسية والطبقة التنفيذية هذه الآلية تعالج بدقة الظاهرة التي رصدها المقال بعناية: تحوّل قوى المعارضة إلى جزء من بنية الاستخراج بمجرد مشاركتها في السلطة. فبدل الاكتفاء بتوثيق هذه الظاهرة بعد وقوعها في كل دورة سياسية جديدة، يمنع الميثاق الاندماج البنيوي بين طبقة الفعل السياسي وطبقة الإدارة المدنية-التنفيذية من الأساس، بما يحد من إعادة إنتاج دائرة الاستخراج التي وصفها المقال. 4. النفير الوطني الكبير يمنح هذا المكون دعوة المقال إلى «تحريك المجتمع المدني نحو المساءلة والمشاركة» شكلا تعبويا فعليا وقابلا للتفعيل، بدل أن تبقى الدعوة مطلبا عاما موجّها لجهة غير محددة. 5. سقف الثلاثين بالمئة للتمويل الخارجي يعالج هذا المكون بعدا غائبا تماما عن تحليل المقال: أن استمرار المؤسسات الاستخراجية لا يُموَّل محليا فقط عبر احتكار الريع الداخلي، بل عبر شبكات تمويل وارتباط خارجية تعيد إنتاج الاحتكار وتُبقي مراكز القرار خارج نطاق المساءلة الوطنية. وبدون معالجة هذا البعد، يظل أي إصلاح مؤسسي داخلي عرضة للاختراق من خارج حدود الدولة.
رابعا: خلاصة
مقال الأستاذة أسماء محمد جمعة تشخيص متين يستحق أن يُستكمل لا أن يُصادم؛ فهو ينقل النقاش السوداني خطوة مهمة إلى الأمام حين يتجاوز تفسير الفشل بالفساد والانقلابات إلى مساءلة طبيعة المؤسسات نفسها. غير أن فجوته الأساسية هي ذاتها فجوة الكتاب الذي استند إليه: الانتقال من الإجابة عن سؤال «لماذا تفشل الدول؟» إلى الإجابة عن سؤال «كيف تُبنى المؤسسات الشاملة عمليا، وبأي آلية محددة، وبأي تسلسل؟». وهذا بالضبط هو الموضع الذي يقترح فيه مشروع الميثاق نفسه، لا كبديل عن التشخيص الذي قدمه المقال، بل كاستكمال له باتجاه آلية بناء دولة قابلة للتطبيق. هذا المقال جزء من سلسلة الردود النقدية التي يطبّق فيها مشروع «ميثاق النجاة وبناء الدولة» إطاره التحليلي على الكتابات السياسية السودانية المعاصرة.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة