الْخُمَاسِيَّةُ وَبُرْهَانُ تَزْوِيرِ إِرَادَةِ الشَّعْبِ من قائمة اوكامبو الى القصر ،"كأنك يا ابوزيد ماغزيت" ليست المشكلة في السودان اليوم مجرد حربٍ بين قوتين مسلحتين، ولا مجرد خلاف حول من يسيطر على العاصمة أو الأقاليم أو مؤسسات الدولة. جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير: من يملك حق إعادة تشكيل الدولة السودانية بعد الحرب؟ ومن يملك حق منح الشرعية لمن يحكمها؟ ومن هذه الزاوية تحديداً يصبح الدور الذي تلعبه أطراف «الخماسية» محل سؤال مشروع، بل سؤال لا يمكن القفز فوقه: كيف يمكن لمنخرط في الحرب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يحتفظ في الوقت نفسه بصفة الوسيط المحايد؟ فالوساطة، في أبسط تعريفاتها السياسية، تفترض مسافة من أطراف النزاع. أما حين تتحول بعض الأطراف الدولية والإقليمية إلى جزء من معادلات الحرب، أو تقدم دعماً سياسياً أو عسكرياً أو دبلوماسياً لأحد أطرافها، فإن الحديث عن وساطة محايدة يصبح فاقداً لجزء أساسي من معناه. سُقُوطُ صِفَةِ الْوَسَاطَةِ إن أخطر ما في المشهد الحالي هو محاولة الجمع بين دورين متناقضين: دور الطرف المنخرط في الصراع، ودور الوسيط الذي يحدد شكل التسوية ومآلاتها. فالوسيط لا يستطيع أن يكون لاعباً وحكماً في الوقت نفسه. وإذا كانت أطراف الخماسية قد انخرطت في الحرب أو ساهمت في ترجيح كفة طرف من أطرافها، فإن صلاحية الوساطة تصبح موضع شك جوهري. ولا تعود القضية مجرد خلاف على تفاصيل المبادرات أو جداول التفاوض، وإنما تصبح متعلقة بشرعية العملية نفسها: هل نحن أمام وساطة لإنهاء الحرب، أم أمام إدارة للحرب من أجل الوصول إلى نتيجة سياسية محددة سلفاً؟ وهنا تكمن الخطورة. فإن كان المطلوب هو إنهاء الحرب، فإن المعيار ينبغي أن يكون وقف القتال، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام عملية سياسية سودانية مستقلة. أما إذا كان المطلوب هو استخدام الحرب لإعادة تركيب السلطة، فإن الأمر يصبح مختلفاً تماماً. مِنَ الْوَسَاطَةِ إِلَى صِنَاعَةِ السُّلْطَةِ المؤشرات الأخطر تظهر عندما تتحول الخماسية من محاولة جمع السودانيين إلى محاولة صناعة صيغة حكم جاهزة للسودان. فبدلاً من أن يكون الشعب السوداني هو صاحب القرار في تحديد شكل الدولة ومؤسساتها، يجري التعامل مع نتائج الحرب وكأنها مقدمة كافية لإنتاج نظام سياسي جديد. وهنا تبرز الفكرة التي ينبغي التوقف عندها: نجاح الهجوم العسكري وتقليص السيطرة الميدانية للدعم السريع قد يُستخدم بوصفه المبرر لمنح سلطة الجيش شرعية سياسية تلقائية، ثم بناء سلسلة من النتائج على ذلك: استعادة السودان لنشاطه في الاتحاد الإفريقي، وفتح أبواب الاعتراف الدولي والإقليمي، ثم الانتقال إلى تثبيت سلطة الأمر الواقع. لكن الانتصار العسكري ليس تفويضاً شعبياً. ومن الخطأ السياسي والأخلاقي تحويل موازين القوة في الميدان إلى بديل عن إرادة السودانيين. الدِّيكُورُ الْمَدَنِيُّ لِنِظَامٍ انْقِلَابِيٍّ الأكثر خطورة من مجرد إعادة الاعتراف بسلطة الأمر الواقع هو ما يمكن أن يلي ذلك: إنتاج واجهة مدنية تمنح النظام العسكري غطاءً سياسياً دون أن تغيّر جوهره. وهنا يمكن فهم السعي إلى استدعاء بعض الوجوه والقوى المحسوبة على العهد البائد، وإعادة تقديمها في صورة مكونات مدنية، باعتباره محاولة لإعادة تدوير النظام القديم بوسائل جديدة. فالمسألة ليست في وجود مدنيين داخل السلطة من عدمه؛ وإنما في السؤال: هل يملك هؤلاء المدنيون قرارهم السياسي فعلاً، أم أنهم مجرد ديكور يمنح السلطة العسكرية مظهراً مدنياً؟ المدنية ليست بدلة تُرتدى لتجميل نظام عسكري. والديمقراطية ليست مجموعة أسماء مدنية توضع أمام نظام يحتفظ فيه العسكريون بمفاتيح القرار. وإذا كانت الصيغة المقترحة تقوم على سلطة عسكرية فعلية، محاطة بواجهة مدنية انتهازية، فإننا لا نكون أمام انتقال ديمقراطي، وإنما أمام نظام انقلابي بغطاء مدني. إِعَادَةُ تَدْوِيرِ الْقَدِيمِ المفارقة أن الشعب السوداني لم يخرج في ثورة عظيمة لكي يستبدل نظاماً قديماً بنظام جديد يحمل الوجوه نفسها أو العقلية نفسها أو شبكات المصالح نفسها. لقد كانت إحدى أهم مطالب السودانيين هي تفكيك بنية الاستبداد، لا إعادة تدويرها. ولهذا فإن إعادة إدخال عناصر من النظام السابق تحت عناوين مدنية أو انتقالية لا يمكن أن تكون حلاً للأزمة. إنها، في أحسن الأحوال، إعادة إنتاج للأزمة بأسماء جديدة. فالمدني الذي يستمد شرعيته من المؤسسة العسكرية ليس هو المدني الذي يستمد شرعيته من الشعب. والحكومة التي تحصل على الاعتراف الخارجي بسبب موازين الحرب ليست بالضرورة الحكومة التي حصلت على تفويض السودانيين. وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً: هل المطلوب بناء دولة سودانية جديدة، أم إعادة ترتيب النظام القديم بما يسمح له بالبقاء تحت واجهة مختلفة؟ تَزْوِيرُ إِرَادَةِ الشَّعْبِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى صُنْدُوقٍ مُزَوَّرٍ حين نتحدث عن تزوير إرادة الشعب، لا ينبغي أن نحصر التزوير في التلاعب بنتائج الانتخابات. يمكن تزوير إرادة الشعب قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع أصلاً. يحدث ذلك عندما يُفرض على الشعب نظام سياسي لم يختره، ثم يُقال له إن الحرب أنتجت هذا النظام. ويحدث عندما تُقصى القوى الاجتماعية والسياسية الحقيقية، ويجري استبدالها بواجهات مدنية منتقاة. ويحدث عندما يُمنح طرف عسكري شرعية سياسية لمجرد أنه أصبح الأقوى عسكرياً. ويحدث عندما تتولى قوى خارجية تحديد شكل الدولة ثم تبحث لاحقاً عن سودانيين يضعون توقيعاتهم على المشروع. ذلك هو التزوير السياسي لإرادة الشعب، حتى لو لم تُزوّر ورقة اقتراع واحدة. مَنْ يَحْكُمُ السُّودَانَ: الشَّعْبُ أَمْ مَوَازِينُ الْحَرْبِ؟ السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه الخماسية والمجتمعين الإقليمي والدولي هو: من صاحب الحق في تحديد مستقبل السودان؟ إذا كانت الإجابة هي الشعب السوداني، فلا يمكن أن تكون الحرب وسيلة لمنح الشرعية. وإذا كانت الإجابة هي موازين القوى العسكرية، فإن الحديث عن الديمقراطية والانتقال المدني يصبح مجرد خطاب للاستهلاك السياسي. لا يمكن بناء دولة مستقرة على قاعدة أن من ينتصر في الحرب يحصل على الدولة، ومن يخسرها يفقد حقه السياسي، ثم يُطلب من الشعب قبول النتيجة باعتبارها «شرعية». الدولة ليست غنيمة عسكرية. والشرعية ليست مكافأة دولية. والمدنية ليست ديكوراً. والشعب السوداني ليس مجرد جمهور يُستدعى للتصديق على ترتيبات جرى الاتفاق عليها خارجه. الْخُمَاسِيَّةُ أَمَامَ اخْتِبَارِ الْمِصْدَاقِيَّةِ إذا أرادت الخماسية أن تستعيد معنى الوساطة، فعليها أولاً أن تثبت أنها قادرة على الوقوف على المسافة نفسها من جميع أطراف الصراع، وأن تتعامل مع السودان باعتباره دولة وشعباً، لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وعليها أن تدرك أن إعادة إنتاج السلطة عبر واجهة مدنية لن تكون انتقالاً ديمقراطياً، وأن الاعتراف الدولي لا يستطيع أن يصنع شرعية شعبية من العدم. أما استعادة السودان لنشاطه في الاتحاد الإفريقي، أو الاعتراف الإقليمي والدولي بأي حكومة، فلا ينبغي أن يكونا مكافأة على الانتصار العسكري، ولا أداة لفرض صيغة سياسية على السودانيين. الشرعية الحقيقية تبدأ من السودانيين وتنتهي عند السودانيين. الْخَاتِمَةُ: لَا لِحُكْمٍ بِالْوَكَالَةِ إن الخطر الأكبر الذي يواجه السودان ليس فقط أن تنتهي الحرب بانتصار عسكري لطرف على آخر، وإنما أن يتحول ذلك الانتصار إلى مشروع لإعادة هندسة الدولة من الخارج، ثم تغليفه بواجهة مدنية من بقايا النظام القديم أو من انتهازيين جدد. عندها لن تكون الخماسية وسيطاً، بل طرفاً في صناعة السلطة. ولن تكون المدنية انتقالاً ديمقراطياً، بل غطاءً لنظام عسكري. ولن يكون الاعتراف الدولي اعترافاً بإرادة الشعب، بل اعترافاً بنتيجة ميزان القوة. ولهذا فإن المعركة الحقيقية بعد الحرب يجب ألا تكون فقط حول من يسيطر على مؤسسات الدولة، وإنما حول من يملك حق تحديد مستقبلها. والإجابة التي لا ينبغي للسودانيين أن يتنازلوا عنها هي: السودان للسودانيين، والشرعية للشعب، والمدنية اختيارٌ شعبيٌّ حقيقي، لا ديكورٌ لنظامٍ عسكري، ولا غطاءٌ لإعادة تدوير العهد البائد. فإذا كانت الخماسية تريد فعلاً إنهاء الحرب، فعليها أن تنهي أولاً فكرة أن نتيجة الحرب يمكن أن تكون بديلاً عن إرادة الشعب. لأن تزوير إرادة الشعب لا يبدأ دائماً من صندوق الاقتراع؛ أحياناً يبدأ من الطاولة التي يُرسم عليها مسبقاً شكل النظام الذي سيُطلب من الشعب أن يختاره.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة