في مرحلة مفصلية في تاريخ السودان يقف الوطن أمام مفترق طرق حاسم لا يحتمل التردد. دولة تتفكك، مجتمع يتمزق، سيادة تنتزع، وقرار وطني يدار من خارج الحدود. وفي مواجهة هذا الانهيار تقع المسؤولية على العلماء والكتاب والصحفيين والمثقفين وكل الشرفاء، فهم خط الدفاع الاول عن الحقيقة في بلد ظلت قوى الظلام تعمل على قتل العقل فيه بالتجهيل والتضليل والقهر. السودان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ننتصر لوطننا أو نسلم رقابنا لغيرنا.
البرهان من انقلاب على الثورة إلى خراب الدولة. انقلاب 25/10/2021 كان انقلابا على إرادة الشعب والوثيقة الدستورية وحلم الدولة المدنية. أعاد برهان السودان إلى دائرة الحكم العسكري التي أنتجت الخراب لعقود، وأعاد تمكين فلول نظام الانقاذ وشبكات الفساد والدولة العميقة. تحت قيادته تم تسييس الجيش وتعطلت لجنة إزالة التمكين وتوقفت عملية الاصلاح وانهارت الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع. ثم جاءت حرب 15/04/2023 نتيجة مباشرة لقراراته وفشله في إدارة ملف دمج القوات وبناء مؤسسة عسكرية مهنية.
الحرب دمرت السودان: أكثر من 100,000 قتيل، 14,000,000 نازح، انهيار اقتصادي بنسبة 12%, فقدان 4,600,000 وظيفة، خروج 70% من المستشفيات عن الخدمة. هذه ليست ارقاما، إنها شهادة على خراب وطن كامل.
الدور المصري من التدخل إلى الهيمنة. سمح مجرم الحرب برهان بتحويل السودان إلى ساحة نفوذ خارجي حتى أصبحت مصر الحاكم الفعلي للبلاد بعد الحرب. تحول القرار الوطني إلى قرار تابع، وفتحت الابواب لعودة فلول النظام السابق وصناعة كتل سياسية موالية للعسكر بهدف إعادة إنتاج الحكم السلطوي. كما دعمت مصر الانقلاب على الحكومة المدنية وسعت لصناعة حكومة شكلية تخضع للعسكر وفتحت الباب لحرب المحاور التي دمرت السودان وسمحت بتدخلات إقليمية تدار فيها مصالح الآخرين على حساب دماء السودانيين.
الانقلابات العسكرية تاريخ من الخراب. منذ الاستقلال عاش السودان اكثر من 6 انقلابات عسكرية وأكثر من 50 عاما من الحكم العسكري مقابل 3 فترات ديمقراطية قصيرة. كل انقلاب كان يعني تعطيل الدستور وحل البرلمان وعسكرة الاقتصاد واندلاع الحروب وانهيار الدولة، والنتيجة سودان ممزق واقتصاد منهار وسيادة منتهكة.
رسالة إلى المستنيرين وكل الشرفاء. أنتم من يملكون القدرة على قراءة المشهد السياسي وتحليل الظواهر ووضعها في سياقها الصحيح. أنتم الاقدر على قول الكلمة التي تنير الدروب المعتمة أمام شعب أرهقه التضليل والتجهيل. الكلمة الحرة اليوم ليست مجرد رأي، إنها سلاح وطني في معركة الوعي. السودان يمر بمرحلة فاصلة: إما أن ننتصر لوطننا أو نكون عبيدا لغيرنا. مجرم الحرب برهان دمر السودان وأعاد إنتاج نظام الانقاذ وفتح الباب للتدخل المصري الذي قاد البلاد إلى حرب مدمرة. لذا فإن مسؤوليتكم التاريخية هي الدفاع عن سيادة السودان واستقلال قراره الوطني والحكم المدني الديمقراطي ومستقبل الاجيال القادمة.
لماذا لا يحكم الجيش في اميركا وأوروبا؟ لأن الشعوب الحرة أدركت عبر علمائها وكتابها ومثقفيها أن الجيش مؤسسة مهنية لا سياسية، وأن الحكم العسكري ينتج الخراب، وأن تركيز القوة بيد العسكر يؤدي إلى الاستبداد والفساد والفقر، وأن الديمقراطية تحمي الجيش من التسييس وتحمي الدولة من الانهيار. هذه الدول تعلمت من الحروب والانقلابات فوضعت قواعد صارمة تمنع تكرار تلك التجارب.
انطلاقا من هذا الوعي أقول إن المسؤولية التاريخية والحس الوطني يفرضان على كل حر شريف الوقوف ضد عسكرة الدولة وضد إعادة إنتاج نظام الانقاذ وضد تحويل السودان إلى محمية مصرية وضد تحويل السودانيين إلى بوابين في وطنهم. السودان لن يبنى بالانقلابات والحروب والتدخل الخارجي، السودان يبنى بالحكم المدني الديمقراطي المعبر عن إرادة الشعب، الحكم المدني الديمقراطي الفيدرالي الذي يضمن مشاركة كل الاقاليم في السلطة والثروة والتنمية الشاملة التي تحارب الفقر.
المرحلة التي تمر بها بلادنا، التي خربها حكم العسكر والطغيان والفساد، تفرض على الشرفاء حيثما كانت مواقعهم موقفا وطنيا لمواجهة الخراب الذي ينفذ بتخطيط مباشر من النظام المصري وبمساعدة فلول الانقاذ في القاهرة وفي الداخل مجرم الحرب برهان وعملاء حركات الارتزاق. كل هؤلاء لا تهمهم مصلحة الشعب السوداني، بل تهمهم مصالحهم، لذلك تآمروا على الثورة وحكومة الفترة الانتقالية.
أيها الشرفاء الاحرار، تذكروا تضحيات الشهداء الابرار الذين واجهوا حكم الطغاة. أبقوا عشرة على استقلال السودان، أبقوا عشرة على وحدته، أبقوا عشرة على بنائه بعقولكم النيرة ومواقفكم الوطنية التي لا تقبل أنصاف الحلول. سيادة السودان واستقلال قراره الوطني ليسا للبيع ولا للمساومة.
القومة ليك يا وطن.
الطيب الزين / كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة