كم مرة سمعنا أن الحرب على وشك الانتهاء؟ وكم مبادرة سلام وُلدت ثم ماتت في المهد؟ وكم وعدًا بالحسم قيل ثم تبخّر كأن أحدًا لم يقله؟ سؤالٌ يبحث عن جواب، ويجده - على نحو مدهش - في مسرحية كُتبت قبل عقود، على مسافة بعيدة من جغرافيا السودان وتاريخه، لكنها تصف حاله وكأنها كُتبت عنه بالذات. في الأدب العالمي، تبرز مسرحية «في انتظار غودو» (Waiting for Godot) للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت رمزًا عميقًا لعبثية الوجود الإنساني. تتكون المسرحية من فصلين، تدور أحداثهما حول متشردين يلتقيان على قارعة طريق مقفر، ويقضيان يوميهما في انتظار شخص غامض يُدعى غودو. غير أن هذا الشخص لا يظهر مطلقًا، ولا يأتي حتى لحظة إسدال الستار، في تجسيد بليغ لعبثية الانتظار وفراغ الوجود. يقضي المتشردان فلاديمير (ديدي) وإستراجون (غوغو) وقتهما في تبادل حواراتٍ عبثية، ومحاولة تمضية الوقت بانتظار غودو، الذي يرسل في نهاية الفصل الأول رسولًا يبلغهما بأنه سيأتي غدًا. لكنه لا يأتي أبدًا. ويقطع رتابة الانتظار مرور رجل ثري متغطرس يُدعى بوزو، يصطحب معه عبده لاكي، مربوطًا بحبل يقوده به كما تُقاد الدابة. يمارس بوزو القسوة والإذلال على عبده، بينما لاكي، الصامت طوال الوقت، ينفجر مرة واحدة في خطاب طويل، متشظٍ، عشوائي، تتصادم فيه الكلمات دون أن تقود إلى معنى - وكأن اللغة نفسها انهارت تحت وطأة القهر، فلم يعد الكلام سوى ركامٍ من الجمل المبتورة. ويتكرر المشهد في اليوم التالي، لتتواصل معاناة المتشردين في صراعٍ مع الزمن، تتخلله محاولات يائسة للانتحار تنتهي دائمًا بالفشل أو التراجع. وتنتهي المسرحية عندما يقول فلاديمير وإستراجون: "هيا بنا"، لكنهما يبقيان في مكانيهما دون أن يتحركا. نهاية تختزل جوهر المسرحية كله؛ فالإرادة معطلة، والانتظار أصبح قدرًا. غودو آخر، على خشبة سودانية كما هو الحال في السودان، حيث تستمر الحرب العبثية على خشبة المسرح، يقف المواطن، رغم تغيّر الأحداث من حوله، في انتظار غودو آخر. بدأت الحكاية بوعود الحسم العسكري السريع، والحديث المتكرر عن قوةٍ صلبة قادرة على حسم كل شيء خلال أيام. ثم دخلت المسيّرات فصلًا جديدًا من فصول العبث، تقضّ مضاجع الناس دون أن تُقرّب نهاية. سقطت الحاميات واستُعيدت، وتكرر الكرّ والفرّ بين المدن، كأن الخريطة نفسها تلهو بمصائر أهلها. وتخلل ذلك كله حوار الطرشان، وتناسلت مبادرات السلام من ثنائية إلى ثلاثية إلى رباعية وخماسية - وكل مبادرة كانت أشبه برسول غودو، تَعِد بأن الحل "سيأتي غدًا"، ثم لا يأتي. وتكاثرت المليشيات كالنباتات الطفيلية في حوش الوطن، حتى أصبح لكل بقعة رأسٌ وسلاحٌ وسلطان، وبات الحوار هو الذي غلب شيخه. ثم جاء الغلاء الذي تصاعد بسرعةٍ صاروخية، قبل أن يتحول إلى انهيارٍ مريع للعملة. وتوالت التغييرات في عضوية مجلس السيادة حتى نسي الناس تشكيله الأول، وأصبح الخارجون منه أكثر من الداخلين إليه، وغابت أسماء أعضائه عن الذاكرة، ولم يبقَ في المشهد سوى رئيس المجلس وحده، كصورةٍ ثابتة وسط مشهدٍ متغير. ثم جاءت حكومة الأمل، فضاع الأمل المنتظر منها، بمجلس وزراء ناقص شكّله رئيس وزراء كامل في كل شيء إلا في ممارسة سلطات رئيس الحكومة. وانتهى الأمر بوطنٍ انقسم إلى وطنين؛ بعملتين، وامتحاني شهادة، وجوازي سفر، ورئيسين، وحكومتين. كل تلك الأحداث تتوالى، وما يزال المواطن السوداني موزّعًا بين شخصيتين من شخصيات بيكيت. بعضه مثل لاكي، العبد المربوط بالحبل، الذي يتحكم في مصيره سادته من الجنرالات، يُساق حيث سِيق دون أن يُستشار. وبعضه الآخر يجلس مثل فلاديمير وإستراجون، شاردَي الذهن، ينتظران نهاية الحرب، وعودة السلام، وعودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل الخامس عشر من أبريل. ويطول الانتظار، ولا شيء يأتي. وحتى حين يتكلم السودانيون - في الإعلام، في البيانات، في التصريحات المتضاربة حول كل معركة وكل هدنة - يُخيّل للمرء أنه يسمع صدى خطاب لاكي نفسه: كلامٌ كثير، متدفق، متشظٍ، لا يقود إلى شيء. رواياتٌ متعددة للحدث الواحد، وبيانات تُكذّب بعضها بعضًا، ووعودٌ تُصاغ بلغةٍ محكمة ثم تتبخر دون أثر - كأن اللغة ذاتها، لا الوطن وحده، هي التي فقدت قدرتها على الدلالة. غودو الذي لم يكن في المسرحية سوى وعدٍ مؤجل، استمرت الأحداث من دونه حتى انتهت المسرحية. وقد أصبح في السودان حلمًا مؤجلًا هو الآخر. غير أن الفارق الحقيقي بين المسرح والواقع ليس في طول الانتظار، بل في شيءٍ أعمق: فوفقًا لقانون نيوتن الأول، يبقى الجسم على حالته من السكون أو الحركة المنتظمة ما لم تؤثر فيه قوةٌ خارجية تُغيّر من حالته. وفلاديمير وإستراجون محكومان بنص لا يملكان تغييره؛ فمؤلفهما هو من قرر ألا يأتي غودو أبدًا، وألا يتحركا مهما قالا "هيا بنا". أما نحن، فلسنا شخصيات مسرحية يكتبها كاتبٌ غائب. القوة الخارجية القادرة على كسر السكون ليست غودو قادمًا من عالمٍ آخر، بل هي نحن أنفسنا - إن اخترنا أن نكون تلك القوة لا أن ننتظرها. فالفارق الذي يستحق أن يُقال أخيرًا ليس أن "لا أحد يعرف متى يُسدل الستار"، بل أن الستار في الواقع، خلافًا للمسرح، بأيدينا نحن من يرفعه أو يُسدله. فهل نظل واقفين على الخشبة، نؤدي دور فلاديمير وإستراجون، منشغلين بالحوارات الجانبية، في انتظار غودو؟ أم نكتب، ولو مرة، نهايةً مختلفة عن النص الذي كُتب لنا؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة