ليست كل المذابح تبدأ بصوت الرصاص بعضها يبدأ بصمت العالم. ما حدث للنساء والأطفال من ذبح وتنكيل في جبرة الشيخ وبارا وأم سيالة، ليست معركة بين جيوش ولا مواجهة بين متقاتلين في ساحات القتال، إنه سؤال أخلاقي يضع البشرية كلها أمام مرآتها. فالمدني الذي يحتمي بمنزله والطفل الذي لا يعرف من الحرب إلا صوت الخوف والمرأة التي تبحث عن الأمان في بيتها لا ينبغي أن يكونوا وقوداً لأي مشروع سياسي أو أيدولوجي.
وليست المأساة في أن يُقتل الأبرياء فقط، فالتاريخ عرف مذابح كثيرة، لكن المأساة الأعظم أن يُقتل الإنسان ثم يُطلب من العالم أن يواصل يومه كأن شيئاً لم يحدث.
في جبرة الشيخ وبارا وأم سيالة، وفي كل أرض سودانية غُسلت بالدم والخوف، لم يكن الذي سقط مجرد ضحايا في حرب عابرة؛ كان الذي سقط هو الوهم الكبير بأن العالم قد تعلّم من مآسيه، وأن مواثيق حقوق الإنسان وُجدت لتحمي الضعفاء لا لتُعلّق حين تتعارض مع مصالح الأقوياء.
هناك دماء لا تحتاج إلى لجان تحقيق لتثبت أنها سالت، ولا إلى خطابات طويلة لتشرح فداحتها. دماء المدنيين تصرخ بذاتها. عيون الأطفال التي أطفأها الرعب، وبيوت الأسر التي تحولت إلى مقابر، وأجساد الأبرياء التي انتهكت حرمتها الحرب وأصبحت مكسورة الروح وخالية من الرحمة، كلها تقف شاهداً على لحظة سقطت فيها الأقنعة.
إن أخطر ما في هذه المأساة ليس فقط من حمل السلاح، بل من اختار الصمت. فالصمت أمام الجريمة ليس حياداً، والتفرج على المذبحة وهي ترتكب أمام مرأى ومسمع العالم ليس موقفا سياسياً، بل هو شكل آخر من أشكال التخلي عن الإنسان. فحين يصبح حساب المصالح أعلى من قيمة الحياة، يتحول العالم إلى شاهد بارد على المأساة بدل أن يكون قوة توقفها.
لقد وعدت البشرية بعد الحروب الكبرى ألا تسمح بتكرار الفظائع، ورفعت شعارات “لن يتكرر ذلك”، "وليس أمام أنظارنا مرة أخرى" ثم أثبت التاريخ أن تلك العبارات كثيراً ما بقيت معلقة بين صفحات الكتب، بينما تُترك الشعوب وحدها تواجه النار. فمن نورنبيرغ إلى كل المحاكمات التي جاءت بعدها، ظل السؤال المؤلم حاضراً، هل تُطبّق العدالة على الجميع، أم أنها أحياناً ترتدي ثوب القانون وتتحرك بإرادة القوة والمصالح؟
إن السودان ليس استثناءً من هذا التاريخ المرير. فقد حملت أرضه جراحاَ لم تُشفَ بعد، من جنوب السودان، وجنوب كردفان ومن دارفور إلى جبل مرة ومأساة الكيماوي التي تناساها العالم، ومن القرى المهمشة إلى المدن التي طاردتها الحرب. سقط الآلاف، وتشرد الملايين، وبقيت العدالة تختبيء في حياء العذارى خلف حجم الكارثة، حتى بدا أحياناً أن الزمن يعمل لصالح النسيان لا لصالح الضحايا.
لكن الضحايا لا ينسون، والشعوب لا تنسى.
لن تستطيع البيانات الدبلوماسية الباردة أن تمحو صور الألم من ذاكرة الأمهات، ولن تستطيع التسويات السياسية أن تغلق ملفات الدم إلى الأبد. فكل جريمة تُدفن بلا حساب تزرع بذرة جريمة أخرى، وكل قاتل ينجو من العقاب يبعث رسالة خطيرة بأن حياة الأبرياء يمكن أن تكون ثمناً مقبولاً في سوق السياسة.
إن أخطر ما يهدد الأوطان ليس فقط صوت الرصاص، بل انهيار المعايير. حين يصبح قتل المدنيين وجهة نظر، وحين تُقاس الجرائم بهوية مرتكبها لا بحجم المأساة، تكون المجتمعات قد دخلت مرحلة خطيرة من العمى الأخلاقي.
لا يمكن بناء وطن فوق جماجم أبنائه، ولا يمكن صناعة سلام حقيقي فوق ركام العدالة. فالسلام الذي لا يحمل في داخله اعترافاً بحقوق الضحايا ليس سلاماً، بل هدنة مؤقتة بين جرحين.
إن القوى السياسية والمدنية التي اختارت طريق التغيير مطالبة بأن تستعيد المعنى الحقيقي للعدالة، أن تقف مع الإنسان قبل الحسابات، ومع الضحية قبل التحالفات، ومع الحقيقة قبل المصالح. فدماء السودانيين ليست أوراقاً تفاوضية، وليست وقوداً لمشاريع السلطة.
جبرة الشيخ وبارا وأم سيالة ليست مجرد اسماء على خريطة الحرب، إنهم شهوداً على زمن اختُبر فيه ضمير الجميع. شهوداً على عالم يرى كثيراً ويتحدث كثيراً، لكنه يتحرك قليلًا حين يكون المطلوب فعلاً حماية الإنسان.
ستمر العواصف، وستتغير الوجوه، وستسقط رايات وترتفع أخرى، لكن ذاكرة الدم لا تسقط. سيبقى السؤال يطارد كل من وقف متفرجا: أين كنتم حين كان المدنيون يُقتلون ويذبحون ذبح الشاة؟ أين كانت الإنسانية حين كان الضعفاء يصرخون ويتألمون؟
إن القضية اليوم ليست قضية انتصار طرف على طرف، بل قضية انتصار الإنسان على وحشية الحرب. فحين تُذبح البراءة ولا يهتز العالم، فإن الجريمة لا تكون فقط في يد من ارتكبها، بل في صمت من امتلك القدرة على إيقافها واختار ألا يفعل.
بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ وغيرها من المدن والقرى تنادي، لا من أجل الانتقام، بل من أجل الحقيقة. لا من أجل استمرار دائرة الدم، بل من أجل كسرها. فالأوطان لا تُبنى إلا حين يصبح دم الإنسان أغلى من كل سلطة، وحين تصبح العدالة أقوى من الخوف. منذ اندلاع هذه الحرب المدمرة ظللنا ننادي بالسلام، والسؤال المحوري سلام مع من، مع الدواعش؟ وهل من بعد النحر والذبح خطيئة؟ فليكن القصاص أولاً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة