|
|
التعليم والتربية الوطنية في ظل الانقلاب: عندما تتحول المدرسة إلى أداة للشرعية السياسية كتبه الأمين
|
12:41 PM July, 28 2026 سودانيز اون لاين الأمين مصطفى-السودان مكتبتى رابط مختصر
أثار تصريح وزير(التعليم والتربية الوطنية)!!!! (التربية والتعليم)، الدكتور التهامي الزين حجر، بشأن إعداد "خطة قومية استراتيجية لتدريب معلمي السودان"، باعتبار أن "تطوير قدرات المعلمين يمثل الأساس لتحقيق تحسين حقيقي في جودة التعليم"، تساؤلات تتجاوز الجانب الفني للتدريب إلى سؤال أكثر عمقًا: هل يمكن الحديث عن تطوير التعليم في ظل بيئة سياسية استثنائية شهدت تعليقًا لمسار الانتقال الديمقراطي، أم أن المدرسة نفسها أصبحت ساحة لإعادة إنتاج خطاب السلطة؟ التربية الوطنية تبدأ من احترام الدستور تقوم فلسفة التربية الوطنية في الدول الحديثة على مبادئ دستورية واضحة، أهمها سيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، والمواطنة المتساوية، والتداول السلمي للسلطة. ولذلك فإن أي مشروع لتطوير التعليم لا يمكن عزله عن البيئة السياسية التي يعمل فيها. وقد نص إعلان اليونسكو بشأن التربية من أجل السلام وحقوق الإنسان على أن:
"يجب أن تسهم التربية في تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وإعداد المواطن للمشاركة الفاعلة في المجتمع الديمقراطي." (UNESCO, Recommendation concerning Education for International Understanding, Cooperation and Peace, 1974)
ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن بناء مناهج للتربية الوطنية في ظل أزمة دستورية وانقسام سياسي عميق؟ الانقلاب والدستور... المفارقة الكبرى منذ إجراءات 25 أكتوبر 2021، دخل السودان مرحلة وصفتها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وعدد كبير من المنظمات الدولية بأنها تمثل تعطيلًا لمسار الانتقال المدني. وقد أدى ذلك إلى تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، باعتبار أن التغيير جاء خارج الإطار الدستوري. إن التربية الوطنية لا يمكن أن تكون مجرد مادة دراسية، بل هي ممارسة تبدأ من احترام العقد الاجتماعي الذي يمثله الدستور. لذلك يرى كثير من الباحثين أن أي خطاب رسمي يتحدث عن "الوطنية" بينما يتجاهل مسألة الشرعية الدستورية يواجه تناقضًا جوهريًا. ويقول الفيلسوف الأمريكي جون ديوي:
"الديمقراطية ليست نظامًا للحكم فحسب، بل هي أسلوب للحياة المشتركة، والتربية هي الوسيلة الأساسية لاستمرارها." (John Dewey, Democracy and Education, 1916)
المدرسة بين التعليم والتعبئة السياسية تاريخيًا، لم تكن الأنظمة السلطوية تنظر إلى المدرسة باعتبارها مؤسسة مستقلة، بل باعتبارها أداة لتشكيل الوعي السياسي. وقد وصف المفكر الفرنسي لويس ألتوسير المدرسة بأنها:
"أهم أجهزة الدولة الأيديولوجية." (Louis Althusser, Ideology and Ideological State Apparatuses, 1970)
ويعني ذلك أن السلطة تستطيع استخدام المناهج، وبرامج تدريب المعلمين، والأنشطة المدرسية، لإعادة إنتاج رؤيتها السياسية. وفي السودان، شهدت العقود الماضية تغيرات متكررة في المناهج تبعًا لتغير الأنظمة السياسية، وهو ما جعل التعليم أحد أكثر القطاعات تأثرًا بالتحولات السياسية. تدريب المعلمين... تطوير أم إعادة تشكيل الخطاب؟ لا يختلف اثنان على أهمية تدريب المعلمين ورفع كفاءتهم المهنية. لكن التجارب المقارنة تؤكد أن نجاح التدريب يرتبط باستقلال المؤسسات التعليمية عن الاستقطاب السياسي. فإذا تحول التدريب إلى وسيلة لترسيخ خطاب السلطة أو إعادة تعريف "الوطنية" بما يتوافق مع توجه سياسي محدد، فإن المدرسة تفقد وظيفتها الأساسية باعتبارها فضاءً للتفكير النقدي، وتتحول إلى مؤسسة للتلقين. وقد أكدت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة أن التعليم ينبغي أن:
"يعزز التفكير النقدي والاستقلالية واحترام التعددية." (UN Committee on the Rights of the Child, General Comment No.1, 2001)
التربية الوطنية ليست الولاء للحكومة من الأخطاء الشائعة في الأنظمة غير الديمقراطية الخلط بين الوطنية والولاء للسلطة. فالوطنية، في الفكر السياسي الحديث، تعني الولاء للدستور، وسيادة القانون، والمصلحة العامة، وليس الدفاع عن الحكومات أو تبرير قراراتها. ولهذا فإن تحويل المدرسة إلى منصة لتسويق رؤية السلطة يضعف ثقة الطلاب في المؤسسة التعليمية، ويقوض مفهوم المواطنة القائم على الحقوق والواجبات. إصلاح التعليم يبدأ بإصلاح الدولة إن تطوير التعليم لا يتحقق عبر الخطط التدريبية وحدها، مهما بلغت جودتها، وإنما يحتاج إلى بيئة مستقرة تحترم الدستور، وتكفل استقلال المؤسسات، وتضمن حرية البحث العلمي، وتبعد المدارس عن الاستقطاب السياسي. فالمعلم لا يستطيع أن يربي على الديمقراطية إذا كانت البيئة السياسية نفسها لا تسمح بالمشاركة الحرة، ولا يمكن أن يشرح للطلاب معنى سيادة القانون بينما يعيش المجتمع جدلًا مستمرًا حول الشرعية الدستورية. إن بناء التربية الوطنية يبدأ من احترام الدولة لمبادئها الدستورية، لأن المدرسة تعكس صورة المجتمع، ولا تستطيع أن تنتج مواطنًا يؤمن بالدستور إذا كانت مؤسسات الدولة نفسها موضع خلاف حول مدى التزامها به. المراجع John Dewey, Democracy and Education, 1916.
Louis Althusser, Ideology and Ideological State Apparatuses, 1970.
UNESCO, Recommendation concerning Education for International Understanding, Cooperation and Peace, 1974.
UN Committee on the Rights of the Child, General Comment No. 1: The Aims of Education, 2001.
الاتحاد الأفريقي، بيانات مجلس السلم والأمن بشأن السودان عقب أحداث 25 أكتوبر 2021.
الأمم المتحدة، بيانات بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان (UNITAMS) بشأن التطورات السياسية بعد أكتوبر 2021.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المادة (26) الخاصة بالحق في التعليم. العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المادة (13). ،،،،،
|
|
 
|
|
|
|