لم يهزني نبأ وفاة الأستاذ علي آدم محمد حسب النبي بقدر ما هزني أن الموت سبقنا إليه، وأن الحرب وقفت بيننا وبينه، فلم نر وجهه في أيامه الأخيرة، ولم نقبل جبينه وهو يودع الدنيا، ولم نحمل نعشه على الأكتاف، ولم نقف على قبره ندعو له. وهكذا فعلت هذه الحرب؛ لم تكتف بأن فرقت بين الأحياء، بل فرقت بين الأحياء وموتاهم، حتى أصبح خبر الوفاة يصلنا متأخرًا، فيتضاعف الفقد، ويصبح للمصيبة وجهان: فقد الأحبة، وفقد وداعهم.
ولعل المتنبي لامس جانبًا من هذه الحقيقة حين قال:
وما الموتُ إلا سارقٌ دقَّ شخصُهُ يصولُ بلا كفٍّ ويسعى بلا رجلِ
غير أن الموت، في زماننا، لم يكتف بأن يسرق الرجال، بل سرق منا حق النظرة الأخيرة، وحق العزاء، وحق البكاء في حضرة من أحببنا.
كنت أظن أن المدن تعرف بشوارعها وأسواقها، ثم أدركت مع الأيام أن المدن إنما تعرف برجالها. فإذا غاب الرجال بقيت الطرق كما هي، ولكنها تؤدي إلى فراغ. ولهذا أعلم أن الضعين، منذ اليوم، لن تكون الضعين التي عرفتها؛ لأن رجلًا كان يملأ شيئًا من روحها قد غاب.
وليس غريبًا أن يكون أول ما يخطر ببالي كلما هممت بالعودة إلى الضعين هو مجلس الأستاذ علي. فقد كانت بعض الوجوه تصبح جزءًا من معنى المدينة؛ فإذا غابت، بدا المكان مأهولًا بالبناء، خاليًا من الروح. وما أكثر المدن التي بقيت عامرة بأهلها، ثم أوحشها رحيل رجل واحد.
لم يكن الأستاذ علي من أولئك الذين يفرضون حضورهم بالصوت المرتفع أو بالمنصب الرفيع، وإن كان قد نال من المناصب ما ناله. بدأ معلمًا، وهي مهنة لا يختارها إلا من آمن بأن بناء الإنسان سابق على بناء الدولة. ثم مضى، بكده واجتهاده، حتى صار عضوًا في مجلس الشعب لدورتين، ورجلًا من رجال التشريع، وقائدًا أهليًا، وفاعلًا في الشأن العام، ورجل أعمال ناجحًا. غير أن هذه كلها لم تكن عنده ألقابًا يتزين بها، وإنما وسائل لخدمة الناس.
وقد عرفت في حياتي رجالًا كثرت مناصبهم وقل أثرهم، وعرفت آخرين لم يحملوا لقبًا واحدًا ولكنهم كانوا أممًا تمشي على الأرض. أما الأستاذ علي، فقد جمع بين الأمرين؛ حمل المسؤولية، وحمل معها التواضع، حتى ما كنت إذا جلست إليه ترى في حديثه أثر السلطة، بل أثر الحكمة.
كان من الجيل الذي تعلم السياسة قبل أن تتلوث، وعرف القبيلة قبل أن تتحول إلى عصبية، وفهم الاختلاف قبل أن يصبح خصومة. في أيام مايو، يوم انقسمت الضعين وانقسم الناس معها، بقي هو أكبر من الانقسام. لم يكن يرى المخالف خصمًا، بل أخًا اختلف معه الرأي. ولذلك ظل يزور والدي في مكتبه وبيته، مع أن السياسة كانت يومئذ تفرق بين الإخوة. كان يؤمن أن المودة لا ينبغي أن تسقط بسقوط الاتفاق، وأن الأدب في الخصومة أسمى من الانتصار فيها.
وتعلمنا من ذلك الجيل درسًا لا تعلمه الجامعات؛ أن الرجال تعرف أخلاقهم ساعة الفتنة، لا ساعة الوفاق.
كنت، كلما عدت إلى الضعين، أتعجل لقاءه، وكأن في لقائه طمأنينة الغائب إذا عاد إلى بعض أهله. أجلس إليه في دكانه، فإذا الدكان يتحول إلى مجلس فكر. يحدثك في السياسة فلا يثير الضغائن، ويتحدث عن المجتمع فلا يوزع الاتهامات، ويستعيد التاريخ لا ليعيش فيه، بل ليستخرج منه ما ينفع الحاضر. كان إذا تكلم أنصت الناس، لا لأنه يرفع صوته، ولكن لأن الحكمة لا تحتاج إلى صخب.
وكان صوته يحمل شيئًا من شخصيته؛ هادئًا، رحيمًا، مطمئنًا، كأن السنين صقلته حتى صار خليطًا من الرأفة والخبرة. وما رأيته يومًا يأنف من سماع شاب، ولا يزدري رأيًا لصاحبه، ولا يجد غضاضة في الرجوع إلى الحق إذا تبين له. وتلك، في نظري، من خصال الحكماء قبل أن تكون من خصال الساسة.
ومن أعجب ما كان فيه أنه استطاع أن يجمع بين الحداثة والأصالة دون أن يطغى أحدهما على الآخر. كان ابن القبيلة، ولكنه لم يكن أسيرها. وكان رجل الدولة، ولكنه لم ينس الناس. وكان واسع الثقافة، ولكنه لم يجعل ثقافته حجابًا بينه وبين البسطاء. ولذلك كان مجلسه يجمع الجميع؛ الشيخ والشاب، والسياسي والتاجر، وصاحب الحاجة، فلا يخرج أحد إلا وقد أصاب من خلقه قبل علمه.
ولعل أكثر ما كنت أعجب له أنه ابتعث إلى اليمن، وكان يستطيع أن يجعل الغربة وطنًا كما فعل كثيرون، لكنه آثر الرجوع بعد أن أتم مهمته، لأن الوطن عنده لم يكن مكانًا يولد فيه الإنسان، بل رسالة يؤديها. فعاد ليسهم في نهضة مدينته اقتصاديًا واجتماعيًا، وليظل بيته ومجلسه ودكانه مفتوحة للناس، كما تفتح القلوب الكبيرة.
رحم الله ذلك الجيل.
جيلٌ لم يكن يتكلم كثيرًا عن الوطنية، لكنه كان يمارسها كل يوم. لم يكن يرفع شعارات التسامح، لكنه كان يعيشها. ولم يكن يتغنى بالحكمة، بل كانت الحكمة تمشي على قدميه.
واليوم، ونحن نودع الأستاذ علي، لا نبكي رجلًا واحدًا، بل نبكي صفحة من السودان الجميل؛ السودان الذي كانت الكلمة فيه تصلح ما تفسده السياسة، وكانت المروءة تطفئ نار العصبية، وكان الوقار يغني عن الصخب.
لقد أدركت اليوم أن المدن لا تشيخ حين تتداعى مبانيها، وإنما تشيخ حين يرحل رجالها. وحين يمضي رجل من طراز الأستاذ علي آدم محمد، لا يطوى عمر إنسان فحسب، بل يطوى فصل من الذاكرة، ويخبو صوت من أصوات الحكمة التي كانت تحفظ للمجتمع توازنه.
ما أصعب أن يعود المرء إلى الضعين فلا يجد ذلك الوجه الذي ألفه، ولا تلك النبرة التي كانت تحمل من الرحمة أكثر مما تحمل الكلمات، ولا ذلك المجلس الذي كان يخرج منه المرء وهو أكثر طمأنينة واتساعًا مما دخل.
ويبقى مع ذلك في حياة الناس شيء لا يطويه التراب؛ ذكر حسن، وعلم نافع، ومروءة أورثت أصحابها محبة لا يملك الموت أن ينتزعها من القلوب. ومن كان كذلك، فإن غيابه يكون امتحانًا لذاكرة الناس، لا نهايةً لحضوره.
نسأل الله أن يتغمد الأستاذ علي آدم محمد حسب النبي بواسع رحمته، وأن يجزيه عن أهله، وعن الضعين، وعن السودان خير الجزاء، وأن يجعل مثواه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وسيظل اسمه شاهدًا على جيل كان يرى في الأخلاق رأس المال، وفي الحكمة زينة الرجال، وفي خدمة الناس أعظم ما يدخره الإنسان ليوم يلقى ربه. فما أكثر المدن التي بقيت على الخرائط، ولكنها فقدت شيئًا من روحها حين فقدت رجالها.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة