​الأوديسة السودانية: رحلة العودة بعد النزوح كتبه د. أبشر الحاج

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-26-2026, 05:08 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-26-2026, 00:25 AM

د. أبشر الحاج
<aد. أبشر الحاج
تاريخ التسجيل: 07-26-2026
مجموع المشاركات: 1

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
​الأوديسة السودانية: رحلة العودة بعد النزوح كتبه د. أبشر الحاج

    00:25 AM July, 25 2026

    سودانيز اون لاين
    د. أبشر الحاج-Sudan
    مكتبتى
    رابط مختصر






    ​بقلم: د. أبشر الحاج

    ​في ملحمة "الأوديسة" القديمة، لم تكن رحلة البطل إلى جزيرته "إيثاكا" مجرد قطع لمسافات جغرافية على الخريطة، بل كانت غوصاً في سؤال إنساني أزلي يرافقنا جميعاً: ما الذي يجعل من مكانٍ ما "بيتاً"؟

    ​هل هي الجدران التي اختزنت ضحكاتنا وحكايانا؟ أم الوجوه الطيبة التي تمنح المكان روحه ودفئه؟ أم أن "البيت" ليس سوى حالة من الطمأنينة الساكنة في أعماقنا، لا تُقاس بالموقع، بل بذاك الإحساس العميق بالانتماء؟

    ​حين نطرح هذا السؤال اليوم على ضوء ما عاشه وينبض به وجدان النازحين السودانيين — ولا سيما أهل الخرطوم الذين أُجبروا على مغادرتها — يتحول السؤال من فكرة فلسفية إلى جرحٍ حقيقي يقطر ألعاً: هل يمكننا حقاً العودة إلى مكانٍ تغيرت ملامحه، بينما نحن أنفسنا لم نعد كما كنا؟

    ​غادر معظمنا الخرطوم على عجل. تركنا أبواب المنازل مواربة، والأسرة لم تُرتّب، والصور معلقة على الجدران تطالع الفراغ، والملابس في الخزائن تنتظر عودة ظنناها مسألة أيام أو أسابيع. كنا نمني أنفسنا بأنه غياب مؤقت، غير أن الحرب لا تكتفي بتهديم البنيان، بل تعيد تشكيل أرواح البشر من الداخل. ولهذا السبب، فإن "العودة" — وإن بدت أملنا الأجمل وdreamنا الأغلى — ليست مجرد خطوة بسيطة إلى الأمام؛ فالإنسان الذي خرج ليس هو من سيعود، والمدينة التي فارقها لن تنتظره كما كانت.

    ​في الأوديسة، ظل "أوديسيوس" يقاتل ويحلم بالعودة، لا لأن أرضه هي أجمل بقاع الأرض، بل لأنها المكان الذي يحمل المعنى الحقيقي لوجوده. فالبيت بالنسبة له كان الذاكرة والهوية وشيء من ذاته.

    ​وهكذا هي الخرطوم في وجداننا اليوم: ليست مجرد شوارع زُفلتت أو أحياء سُكنت، بل هي تاريخنا الشخصي الصغير. هناك من ترك طفولته وراءه في زقاق شعبي دافئ، ومن ترك كتب دراسته الجامعة، ومن ترك شجرة ظل طالما جلس تحتها في الأماسي يُقلّب أفكاره. فالبيت ليس مكعباً من الإسمنت، بل هو حشد من التفاصيل الصغيرة جداً.. التفاصيل التي تمنحك الشعور بأنك معروف، ومُشاهد، وأمين.

    ​لكن المأساة الحقيقية تبدأ حين يطرق العائد أبواب مدينته، ليجد أن المكان الذي عاش في ذاكرته طوال سنوات الغياب لم يعد موجوداً بتلك الصورة.

    ​إن الحرب لا تهدم الجدران فحسب، بل تُحدث خَدشاً عميقاً في تلك العلاقة العاطفية التي تربط الإنسان بمدينته. قد تعود إلى شارعك القديم فلا تجد جيرانك الذين أونسوك يوماً، أو تجد دياراً أكلت النار أطرافها، فيتسلل إليك إحساس بالغرب في أحب الأماكن إلى قلبك. وهنا يهمس الصوت الموجع: هل ما زال هذا المكان بيتاً؟

    ​إن تجربة النزوح لا تختبر علاقتنا بالمكان فحسب، بل تضع علاقاتنا ببعضنا وبمن نحب على محك صعب. ففي أوقات الاستقرار، تبدو المشاعر سالمة وواضحة، لكن المحن تأتي لِتفرز التمايز الدقيق بين التحمّل، والصبر، والرضا. ليس كل من تحمّل الأذى كان صابراً، وليس كل من صبر وصل إلى مرتبة الرضا السامي.

    ​كم من بيوتٍ نَجَت أجسادها من القصف والخسران المادي، لكنها تصدعت من الداخل تحت وطأة العجز، والفقد، والتغير المفاجئ في أسلوب الحياة! حين يعتاد المرء عيشاً كريماً وآمناً، ثم يجد نفسه فجأة قبالة الضيق وشظف العيش، قد يتحول ألمه الدفين — دون قصد — إلى قسوة على أقرب الناس إليه، وتتحول المطالب اليومية إلى احتجاج صامت على واقع فرض نفسه على الجميع. الحرب لا تكشف فقط هشاشة البيوت، بل تضع قلوبنا وأرواحنا أمام حدود طاقتها على الاحتمال.

    ​ومع كل هذا الشجن، فإن التغير لا يعني أبداً أن العودة مستحيلة.

    ​تُعلمنا "الأوديسة" أن العودة الحقيقية ليست محاولة بائسة لاستعادة الماضي كما كان، بل هي قدرتنا على التصالح مع ما تغير. "أوديسيوس" لم يعد ينظر إلى العالم بعيني الشاب الذي غادره، و"إيثاكا" لم تعد تلك الجزيرة البكرة التي تركها، لكنهما التقيا مجدداً وبنيا علاقة جديدة بعد كل ذاك Pain والغياب.

    ​وكذلك الخرطوم، يمكنها أن تستعيد روحها.. ليس بأن تعود نسخة مطابقة لما قبل الحرب، بل بأن تصبح مدينة جديدة، قادرة على ضمادة جراح أهلها واحتضانهم من جديد برفق.

    ​إن أكثر ما يحتاجه أهلنا اليوم ليس مجرد صب الخرسانة وإعادة بناء الجدران، بل ترميم الإحساس بالأمان والانتماء. يمكن للإنسان أن يعيش في بيت بائس، لكنه يعجز عن العيش في مكان لا يشعر أنه ينتمي إليه. مأساة النزوح ليست خسارة للممتلكات فحسب، بل هي هزّة وجودية تمس ذاكرة الإنسان، وهويته، ونظرته للغد.

    ​في المحصلة، يبدو أن سؤال الأوديسة لا يحمل إجابة واحدة جاهزة.

    ​إن ما يجعل أي مكان "بيتاً" هو الحب، والذاكرة، والأمان، والوجوه التي نقتسم معها الخبز والحياة. أما العودة، فهي ممكنة حتماً.. لا كخطوة إلى الوراء نحو ماضٍ رحل، بل كدخول شجاع نحو المستقبل، نحاول فيه التصالح مع أرض تغيرت، وأرواح تغيرت معها.

    ​ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي تتركنا تجربة الغياب لنفهمه: أن البيت الحقيقي لا يسكن في الجغرافيا فقط، بل يحفر مجراه عميقاً داخل الإنسان نفسه























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de