كوبارسي أفضل لاعب شاب، وهذه حقيقة، بل إنه في رأيي أفضل مدافع في البطولة برمتها. لكنني لا أعتقد أنه تألق فقط بسبب انسجامه مع لابورت، ووجود ظهيرين جيدين، ومن خلفهما رودري في مركز الارتكاز. ففي برشلونة أيضاً ظهر الانسجام، بعد مضي بعض الوقت على رحيل مارتينيز، بين كوبارسي وزميله جيرارد مارتن. لكن المشكلة التي واجهها كوبارسي وبقية مدافعي برشلونة تكمن في طريقة لعب فليك؛ فهو يصر على الدفاع المتقدم في جميع المباريات، بغض النظر عن أسلوب لعب المنافس، وهي طريقة تتطلب ضغطاً عالياً يبدأ من المهاجمين، وهو ما لم ينجح الفريق في تطبيقه في كثير من المباريات. أما بالنسبة لرودري ودوره الكبير في وسط الملعب، فإن بيدري يؤدي دوراً مشابهاً في برشلونة. إذن، فالمشكلة ليست في اللاعبين، وإنما في الإفراط في تقدم خط الدفاع، بينما ينتهج دي لا فوينتي، مدرب المنتخب الإسباني، تكتيكاً مختلفاً يمنح المدافعين حماية أكبر.
وعلى ذكر رودري، أرى أن منحه جائزة أفضل لاعب في البطولة ينطوي على ظلم كبير للنجم ميسي. ويبدو الأمر وكأن الفيفا يحاول استرضاء أصحاب نظرية المؤامرة، ويتأثر بادعاءاتهم المتكررة بشأن الدلال المزعوم الذي يحظى به البرغوث. فما قدمه ميسي في هذه النسخة، وهو في التاسعة والثلاثين من عمره، أمر يصعب تصديقه، ولم يكن ليتوقعه أحد. ولا أرى أي وجه للمقارنة بين تأثيره في منتخب بلاده وما قدمه رودري مع المنتخب الإسباني؛ فالأخير تألق ضمن منظومة جماعية متكاملة، بينما يختلف الوضع كثيراً في الأرجنتين، حيث يتمحور كل شيء حول ميسي. وقد رأينا كيف ظل يقلب نتائج المباريات بتحركاته النشطة ولمساته المبدعة في اللحظات الأخيرة من العديد من اللقاءات. كما سجل سبعة أهداف وصنع أربعة أخرى، فكيف يُتجاهل كل ذلك وتُمنح الجائزة لرودري؟
ألم يكفهم أنهم حرموه أيضاً من جائزة هداف البطولة بسبب مباراة احتفالية خاضها مبابي ورفاقه من دون أي ضغوط، ما أتاح له فرصة تسجيل هدفين ليتفوق في سباق الهدافين؟ والمنطقي، في مثل هذه الحالات، ألا تُحتسب الأهداف التي تُسجل في مباراة أقرب إلى اللقاءات الودية منها إلى المباريات التنافسية.
والغريب أن الذين ظلوا يصدعون رؤوسنا بالحديث عن محاباة الفيفا للأرجنتين، وتمهيد الطريق أمامها لإحراز اللقب مجاملةً لميسي، عادوا ليتحدثوا عن ترتيبات مزعومة أُجريت لإقناع الأرجنتينيين بقبول المركز الثاني، وإلا فإنهم سيواجهون عقوبة الإيقاف لعشر سنوات بسبب رفع بعض لاعبيهم شعارات سياسية بعد إحدى المباريات.
ويستند أصحاب نظرية المؤامرة إلى ما يسمونه أدلة، لكنها في الحقيقة لا تعدو كونها افتراضات وأوهام يهدرون بها وقت الناس.
فزعمهم أن ميسي ورفاقه ظهروا في نفق دخول اللاعبين إلى الملعب بملامح غير منشرحة ليس أمراً جديداً؛ فقد رأيناهم بالحالة نفسها في معظم مبارياتهم. ومن الطبيعي أن تظهر علامات التوتر على وجوه اللاعبين قبل انطلاق المباريات الإقصائية، وكل من مارس كرة القدم يدرك أن هذا التوتر لا يزول إلا بعد مرور دقائق من بداية اللقاء، وقد تطول تلك الدقائق أو تقصر تبعاً لسير الأداء. ولا ننسى أيضاً أن لاعبي الأرجنتين دخلوا المباراة وهم يدركون أنها ربما تكون الأخيرة لقائدهم مع المنتخب، وهذا وحده سبب كافٍ لظهور شيء من التوتر والحزن على الوجوه.
أما الادعاء بأنهم تعمدوا الخسارة، وأن ميسي كان يتعمد التسديد خارج المرمى أثناء الإحماء، فيبدو مضحكاً إلى حد بعيد، خاصة إذا تذكرنا أنه سدد كرة في الدقائق الأخيرة من المباراة بقصد تسجيل هدف، لكنها اصطدمت برأس ميرينيو وأسقطته أرضاً، كما أرسل عرضية متقنة لولا يقظة كوبارسي لتحولت إلى هدف التعادل في الثواني الأخيرة. فكيف يُقال عن منتخب ظل يقاتل حتى الثانية الأخيرة إنه تعمد الهزيمة؟
ومعلوم لكل من تابع البطولة أن المنتخب الأرجنتيني اعتاد العودة في النتيجة خلال الدقائق العشر الأخيرة من معظم مبارياته، وليس من الضروري أن ينجح في ذلك في كل مرة. ومع ذلك، لا يزال البعض يؤمن بنظرية المؤامرة ويتداولها فيما بينهم.
ولا أدري لماذا يتجاهل هؤلاء حقيقة أن المنتخب الإسباني هزم فرنسا، التي كانت المرشح الأوفر حظاً لدى كثيرين بفضل قوتها الهجومية وعدوانية لاعبيها، لكن ذلك كله لم يشفع لها أمام الاستحواذ الإسباني. فما الغريب، إذن، في أن يعجز المنتخب الأرجنتيني عن مجاراة هذا المنتخب الإسباني، خاصة أنه يعتمد بدرجة كبيرة على إبداع ميسي، ولا يتحرك بجدية إلا في الثلث الأخير من المباريات؟ ولا ننسى أيضًا أن حارس مرماهم، مارتينيز، تصدى لما يقارب عشر محاولات إسبانية على المرمى.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة