طالعتُ بالأمس خبراً صيغ بطريقة بدا واضحاً أن الغرض منها ترسيخ حالة السطحية التي تتعامل بها شريحة من جماهير كرة القدم في بلادنا، واستدرار عاطفتها، ودفعها إلى الاحتفاء بما يُراد لها أن تحتفي به دون إعمالٍ للعقل.
يقول الخبر إن الهلال أنجز أكبر صفقة بيع في أفريقيا بانتقال لاعبه جان كلود إلى نادي أهلي طرابلس الليبي.
وتناول الخبر الصفقة التي سمع بها الجميع، واصفاً إياها بأنها الأكبر في أفريقيا، بقيمة بلغت ستة ملايين دولار، مشيراً إلى أن التوقيع تم في مدينة دبي لما توفره من تسهيلات مالية، وأن الصفقة تمثل نجاحاً كبيراً للهلال، باعتبار أن اللاعب تم التعاقد معه في الأصل مقابل مائة ألف دولار فقط... إلى آخر ما ورد.
ومن الواضح أن الرسالة المقصودة من صياغة الخبر هي أن نهلل ونفرح بهذه الصفقة "العظيمة"، وأن نعتبرها دليلاً على "عظمة" مجلس الإدارة ومهندس الصفقة.
لكن بدلاً من الانسياق مع هذا الطرح، سأكتفي بطرح عدد من الأسئلة على من يقدمون العقل على العاطفة.
أول هذه الأسئلة، وهو سؤال مركب: ألسنا جميعاً نردد، بمن فينا من صاغ الخبر، أن الهلال سيد هذا السودان الشاسع، وأنه أحد أكبر أندية القارة، وأن منافسيه يحسبون له ألف حساب؟ فإذا كان الأمر كذلك، فكيف لنادٍ كبير يسعى إلى تحقيق بطولة قارية طال انتظارها أن يفرّط في أحد أبرز لاعبيه؟
أما السؤال الثاني، فهو: هل تعاقد الهلال مع جان كلود عبر منظومة احترافية لاكتشاف المواهب، ثم عمل على تطويره وصقل إمكاناته حتى أصبح لاعباً يستحق هذا المقابل المالي الكبير؟ أم أن الأمر لم يكن سوى نتاج ظرفٍ عابر، قدّم خلاله اللاعب مستويات جيدة جذبت اهتمام أندية أفريقية منافسة، فتقدمت بعروضها وهي تدرك أن من يديرون النادي سيفضلون البيع لمن يدفع أكثر، دون اعتبار للتفكير الاستراتيجي الذي تتبناه إدارات الأندية الكبيرة، والتي غالباً ما تتحفظ على بيع نجومها لمنافسين مباشرين في البطولات نفسها؟
ثم أين الشفافية داخل الهلال؟ فإذا كان المطلوب من الجماهير أن تفرح بهذه "الصفقة التاريخية"، فمن حقها أيضاً أن تعرف في أي أوجه ستُنفق هذه الستة ملايين دولار. أم أننا سنعود إلى العبارة المستهلكة: "هذه أموالهم وهم أحرار فيها"؟ وإذا سلمنا جدلاً بهذا المنطق، فإن ما دفعه مجلس الإدارة – بحسب الخبر نفسه – لم يتجاوز مائة ألف دولار، وليس ستة ملايين، وبالتالي فإن الفارق المالي أصبح جزءاً من موارد النادي، ومن حق جماهيره أن تعرف كيف سيُدار ويُستثمر.
وإذا كان البعض سيؤكد وجود شفافية حقيقية داخل الهلال، فليتفضل لاحقاً بإطلاع الجماهير على أوجه صرف هذا المبلغ الضخم.
ويبقى سؤال آخر لا يقل أهمية: هل يمتلك الهلال أكاديمية حقيقية لتطوير المواهب، بحيث يمكن استثمار جزء من هذا المبلغ في استقطاب عدد من اللاعبين الصغار وصقلهم، بما يحقق هدفين معاً: تعزيز المنافسة الرياضية، وتحقيق عوائد مالية أكبر مستقبلاً؟ أم أن النادي ينافس قارياً، ولذلك يحتاج إلى لاعبين جاهزين لأنه لا يملك في الأساس البنية اللازمة لتطوير المواهب؟ أم أن الرهان سيظل معقوداً على الصُدف، وعلى التعاقد مع جيش من المحترفين الأجانب، يفشل معظمهم ويغادرون مع نهاية الموسم، بينما ينجح لاعب أو اثنان، فيُبنى حولهما الضجيج الإعلامي المطلوب لإظهار الإدارة بمظهر الناجحة، بصرف النظر عن حصيلة الإنجازات الفعلية؟
في النهاية، الأسئلة أكثر من أن تُحصى، وقد اكتفيت بطرح بعضها حتى أوضح أن هناك من يرفض أن يكون مجرد متلقٍ لما يُصاغ من أخبار ورسائل دعائية، وأن مصلحة الهلال تقتضي من جماهيره تشغيل عقولهم، وقراءة المشهد بعينٍ ناقدة، لا الاكتفاء بالاندفاع وراء العاطفة وحدها، فالإعلام المحترم يستهدف التنوير لا التخدير.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة