لم تكن البيانات المتبادلة بين وزارتي خارجية السودان وجنوب السودان بشأن إدراج أبيي ضمن الدوائر الانتخابية لجنوب السودان مجرد خلاف دبلوماسي عابر بل كانت إعلاناً جديداً عن استمرار المعركة القديمة حول هوية المنطقة ومستقبلها والسيادة عليها الخرطوم تحدثت بلغة القانون والاتفاقيات الدولية بينما تحدثت جوبا بلغة المواطنة والحقوق الدستورية وبين القانون والدستور وبين السيادة والمواطنة تقف أبيي مرة أخرى في قلب العاصفة لا هي سودانية بالكامل في الممارسة ولا جنوب سودانية بالكامل في الاعتراف الدولي بل منطقة معلقة بين دولتين ومشروعين سياسيين وروايتين متناقضتين السودان استند إلى بروتوكول أبيي الملحق باتفاقية السلام الشامل لعام 2005 وإلى اتفاقية الترتيبات الأمنية والإدارية المؤقتة لعام 2011 وقرار مجلس الأمن رقم 2046 لسنة 2012 ليؤكد أن أي خطوة أحادية تتعلق بالوضع النهائي للمنطقة تمثل انتهاكاً صريحاً للاتفاقيات الموقعة بين البلدين أما جنوب السودان فقد اختار سلاحاً مختلفاً تماماً إذ لم يناقش قضية السيادة على الأرض بقدر ما ركز على حقوق المواطنين فبالنسبة لجوبا فإن أبناء دينكا نقوك ليسوا مجرد سكان منطقة متنازع عليها بل مواطنون في جمهورية جنوب السودان يتمتعون بحقوق دستورية كاملة من بينها حق التصويت والترشح والمشاركة السياسية وهنا يظهر السؤال الأكثر إثارة للجدل هل تتحدث الخرطوم عن الأرض بينما تتحدث جوبا عن الناس؟ السودان يقول إن أبيي لم يحسم وضعها النهائي بعد وبالتالي لا يجوز إدراجها في أي عملية انتخابية تتبع لأي من الدولتين وجنوب السودان يرد بأن المواطنين لا يمكن تجميد حقوقهم السياسية إلى حين انتهاء النزاع وأن المواطنة لا تنتظر نتائج المفاوضات في الواقع فإن كلا الطرفين يمتلك جزءاً من الحقيقة وكلاهما يتجنب الجزء الآخر منها فالخرطوم التي تتمسك اليوم بالنصوص القانونية ظلت لسنوات طويلة غائبة عن تقديم نموذج الدولة في أبيي سواء من حيث الخدمات أو المؤسسات أو الحضور الإداري المستدام والسيادة في عالم اليوم لا تقاس فقط بالخرائط والبيانات الرسمية وإنما أيضاً بالمدارس والمستشفيات والشرطة والمحاكم والخدمات اليومية وفي المقابل فإن جوبا التي تستند إلى مبدأ المواطنة تواجه هي الأخرى سؤالاً صعباً إذا كانت أبيي جزءاً أصيلاً من جنوب السودان فلماذا لا تزال جوبا نفسها تتحدث عن الحل النهائي للمنطقة عبر التفاوض ولماذا تقبل بوجود قوات الأمم المتحدة وإدارة انتقالية وترتيبات خاصة لا توجد في أي ولاية جنوب سودانية أخرى الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أن قضية أبيي لم تعد نزاعاً حدودياً تقليدياً بل أصبحت صراعاً بين مفهومين للدولة نفسها السودان يدافع عن الشرعية القانونية الدولية وجنوب السودان يدافع عن الشرعية السياسية والدستورية لسكان دينكا نقوك لكن الأكثر إثارة للانتباه أن الطرفين يتفقان على شيء واحد رغم كل الخلافات فكلاهما يؤكد التزامه بالحل السلمي والحوار والتفاوض وهو اتفاق نادر في ملف ظل لعقود أحد أكثر الملفات تعقيداً في القارة الأفريقية يبقى السؤال الذي يشغل الرأي العام اليوم إذا كان أبناء أبيي سودانيين عندما يتعلق الأمر بالسيادة والخرائط والاحتجاجات الدبلوماسية وجنوبيين عندما يتعلق الأمر بالمواطنة والانتخابات والتمثيل السياسي فأين يقف أبناء أبيي أنفسهم وسط هذا التنازع؟ وهل أصبحت أبيي منطقة تتنازعها الدولتان عندما يتعلق الأمر بالحقوق السيادية وتتخلى عنها الدولتان عندما يتعلق الأمر بالخدمات والتنمية والاستقرار ربما يكون أخطر ما في الأزمة الحالية ليس إدراج أبيي في الانتخابات من عدمه بل أن المنطقة ما زالت بعد أكثر من عشرين عاماً من توقيع بروتوكول أبيي تعيش تحت إدارة مؤقتة ووضع مؤقت وحلول مؤقتة بينما أصبح المؤقت هو الحالة الدائمة الوحيدة في حياة سكانها لقد أثبتت البيانات الأخيرة أن النزاع حول أبيي لم ينته وإنما تغيرت أدواته فقط فبعد أن كانت المعركة تخاض بالسلاح أصبحت تخاض بالبيانات الدبلوماسية والنصوص القانونية والمواد الدستورية ويبقى السؤال الأخير والأكثر إزعاجاً للجميع هل تتفاوض الخرطوم وجوبا حول مستقبل أبيي أم أن أبيي نفسها أصبحت مجرد ورقة تفاوض في حسابات الدولتين
جلال الجاك أدول كاتب صحفي و ناشط في منظمات المجتمع المدني
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة