8-5-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-18-2026, 01:07 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-15-2026, 10:36 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 291

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
  8-5-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية كتبه خالد كودي

    10:36 PM July, 15 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



     
    8-5-درس حركة الحقوق المدنية الأمريكية؟ ولماذا يحتاج السودان إلى لحظته الدستورية الخاصة؟
     
    15/7/2026
     
    الجزء الخامس: لماذا تعارض بعض النخب السودانية مبادئ السودان الجديد؟ الهيمنة الثقافية وإعادة إنتاج الدولة القديمة
    إذا كانت التجربة الأمريكية تثبت أن المبادئ الدستورية الكبرى التي وُلدت من نضال جماعة مضطهدة تحولت في النهاية إلى ضمانات قانونية استفاد منها المجتمع بأسره، فإن سؤالاً لا يقل أهمية يفرض نفسه في الحالة السودانية:
    إذا كانت المبادئ التي يقوم عليها مشروع السودان الجديد—العلمانية، والمواطنة المتساوية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، والجيش القومي المهني، وأجهزة الأمن الدستورية، وحق تقرير المصير باعتباره ضمانة ضد الاستعمار الداخلي—قادرة على حماية جميع السودانيين، كما اثبتنا بالمقاربات والحجج الموضوعية، فلماذا تواجه معارضة واسعة من قطاعات من النخب السياسية والثقافية؟
    قد يبدو الجواب لأول وهلة بسيطاً؛ إذ يمكن القول إن الأمر يتعلق باختلاف البرامج السياسية أو بالمنافسة بين الأحزاب أو بالصراع على السلطة. غير أن مثل هذا التفسير يظل سطحياً، لأنه يعجز عن تفسير ظاهرة أكثر تعقيداً: لماذا تتحفظ حتى بعض القوى التي تصف نفسها بأنها حديثة، ديمقراطية، أو مدنية، أو تقدمية، أو يسارية حتي، على مبادئ أصبحت، في التجارب المقارنة، جزءاً من الشروط الأساسية لبناء الدولة ، وخاصة بعد النزاعات التي اشتعلت بسببها؟
    إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي الانتقال من التحليل السياسي المباشر إلى التحليل البنيوي؛ أي إلى دراسة العلاقة بين السلطة والثقافة، وبين الدولة والوعي، وبين التاريخ والهوية.
     
    السودان لا يمر فقط بحرب... بل بلحظة إعادة تأسيس
    تزداد أهمية هذا النقاش لأن السودان لا يعيش مجرد حرب بين قوتين عسكريتين، بل يمر بلحظة تاريخية نادرة لإعادة تأسيس الدولة. فجميع المبادرات الإقليمية والدولية، سواء عبر الاتحاد الأفريقي، أو الإيغاد، أو الأمم المتحدة، أو الآليات الإقليمية والدولية المختلفة، تنطلق من افتراض أساسي هو أن هذه الحرب ستنتهي، عاجلاً أم آجلاً، بتسوية سياسية تفضي إلى نظام دستوري جديد.
    ولهذا تتسابق القوى السياسية والمدنية السودانية إلى تقديم تصوراتها لمستقبل البلاد، ليس أمام السودانيين وحدهم، بل أيضاً أمام المجتمعين الإقليمي والدولي اللذين أصبحا جزءاً من معادلة صناعة السلام.
    غير أن المفارقة أن هذه اللحظة، التي كان يفترض أن تكون فرصة لمراجعة جذرية لفكرة الدولة، كشفت استمرار هيمنة النخب القديمة على المجالين السياسي والمعرفي. فبدلاً من أن تدفعها كارثة الحرب إلى مساءلة النموذج الذي قاد السودان إلى الانهيار، لا تزال قطاعات واسعة منها تقدم رؤى لا تتجاوز حدود الدولة التي أنتجت الأزمة، مكتفية بإعادة ترتيب السلطة داخلها بدلاً من إعادة تأسيسها.
    ويزداد هذا الأمر تعقيداً لأن هذه النخب لا تتحرك في فراغ. فقد استفادت، تاريخياً، من اختلالات عميقة في توزيع التعليم، وفرص التمثيل، وإمكانية الوصول إلى الإعلام، والعلاقات الدولية، ومراكز إنتاج المعرفة. ونتيجة لذلك، أصبحت تمتلك قدرة أكبر على مخاطبة المجتمع الدولي، وصياغة الرواية التي تُقدَّم له عن السودان، مقارنة بالمجتمعات التي عاشت التهميش والحرب لعقود.
    وفي معظم الأحيان، يُستخدم هذا الامتياز لإعادة تأطير الأزمة بحيث تبدو وكأنها مجرد أزمة انتقال سياسي أو أزمة تقاسم سلطة، بينما يجري التقليل من أهمية الأسئلة التأسيسية المتعلقة بطبيعة الدولة نفسها. وبهذا تُقدَّم سرديات انتقائية تختزل جذور الصراع، وتتجنب قضايا مثل علاقة الدين بالدولة، والهوية الوطنية، والعدالة التاريخية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، واللامركزية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وإنهاء الاستعمار الداخلي، رغم أن هذه القضايا كانت، تاريخياً، في قلب الحروب السودانية المتعاقبة!
    إن ما يُطرح في كثير من هذه الرؤى لا يعكس حجم التحول الذي شهدته المجتمعات المهمشة، والتي لم تعد تقبل أن تُعامل بوصفها مواطنين من الدرجة الثانية، ولا يعكس ما أنتجته هذه المجتمعات من فكر سياسي ودستوري جديد. بل يسعى، في جوهره، إلى المحافظة على بنية السودان القديم، مع إدخال تعديلات إجرائية تسمح باستمرار الامتيازات التاريخية التي تمتعت بها النخب السياسية والثقافية، وإن تغيرت أسماء الحكومات أو التحالفات.
    وهكذا يتحول النقاش من السؤال التاريخي: كيف نؤسس دولة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة؟ إلى سؤال أكثر ضيقاً: من يدير الدولة القديمة؟
    وهنا تكمن المعضلة الحقيقية. فالسودان لا يواجه أزمة انتقال سياسي، بل أزمة نموذج دولة. ولذلك فإن أي مشروع يتجاوز أو يؤجل معالجة الأسس البنيوية التي قامت عليها الدولة منذ الاستقلال لن يكون مشروعاً لبناء سلام مستدام، بل سيكون محاولة جديدة لإدارة الأزمة، مع الإبقاء على الشروط التي أنتجت الحرب، وتأجيل انفجارها القادم. وقد حذرت من هذا المسار مراراً دراسات وتجارب مقارنة في بناء السلام، كما نبهنا إليه في عدد من المقالات السابقة عند التأكيد على أن تأجيل قضايا التأسيس لا ينهي الصراع، بل يعيد إنتاجه في دورة تاريخية جديدة.

    مشروع لإعادة تأسيس الدولة... لا لتقاسم السلطة
    يكمن الفارق الجوهري بين مشروع السودان الجديد والمشاريع السياسية التي عرفها السودان منذ الاستقلال في أن هذه المشاريع انشغلت، في الغالب، بالسؤال: من يحكم؟ بينما ينطلق مشروع السودان الجديد من سؤال أكثر عمقاً: كيف يجب أن تُبنى الدولة حتى لا تصبح الحرب وسيلتها المتكررة لإدارة السياسة؟
    فهو ليس برنامجاً انتخابياً، ولا مبادرة لتوزيع الوزارات، ولا صيغة لتقاسم السلطة بين النخب، وإنما مشروع لإعادة تأسيس الدولة على مبادئ فوق دستورية تصبح ملزمة لكل سلطة مستقبلية، بغض النظر عمن يحكم. وتتمثل هذه المبادئ في الدولة العلمانية، الديمقراطية، والمواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعدد الثقافي والديني والإثني، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وبناء جيش قومي مهني جديد، وأجهزة أمن خاضعة للدستور، وحق تقرير المصير باعتباره الضمانة الأخيرة ضد إعادة إنتاج الاستعمار الداخلي.
    وهذه ليست مبادئ استثنائية أو خاصة بالسودان، بل تمثل، في أدبيات بناء السلام والدساتير المقارنة، الأسس التي قامت عليها الدول التي استطاعت الانتقال من الحرب إلى السلام المستدام.
    ومن هذه الزاوية، تبدو المقارنة مع تطور حركة الحقوق المدنية الأمريكية ذات دلالة عميقة. فالحركة لم تنشأ للمطالبة بزيادة تمثيل الأمريكيين الأفارقة في الحكومة، أو بالحصول على نصيب أكبر من السلطة داخل النظام القائم، وإنما ناضلت من أجل إعادة تعريف الدولة الأمريكية نفسها، بحيث تصبح المبادئ التي أعلنها الدستور—المواطنة المتساوية، والحماية المتساوية أمام القانون، والحقوق المدنية—واقعاً ملزماً لا امتيازاً تمنحه الأغلبية متى شاءت وتسحبه متى شاءت. لقد كان الصراع، في جوهره، صراعاً حول طبيعة الدولة، لا حول مواقع داخلها. وهذا هو جوهر مشروع السودان الجديد أيضاً.
    مهم التأكيد علي ان هذه المبادئ، رغم عالميتها، تواجه في السودان مقاومة من قطاعات واسعة من النخب السياسية والثقافية. ولا يمكن تفسير هذه المقاومة بالصراع على السلطة وحده، لأن ذلك لا يفسر لماذا تتحفظ حتى بعض القوى التي تقدم نفسها بوصفها ديمقراطية أو ليبرالية أو يسارية أو حداثية على مبادئ أصبحت، في معظم التجارب المقارنة، من الشروط الأساسية لبناء الدولة بعد النزاعات؟؟!!
    ولفهم هذه الظاهرة، لا بد من الانتقال من السياسة إلى البنية العميقة التي تنتج السياسة؛ أي إلى العلاقة بين السلطة والثقافة والوعي.
    لقد قدم انتونيو قرامشي أحد أهم المفاتيح لفهم هذه الظاهرة عندما طور مفهوم الهيمنة الثقافية. فالنخب المهيمنة، في نظره، لا تحافظ على سلطتها بالقوة وحدها، بل تنجح عندما تجعل رؤيتها للعالم تبدو وكأنها الحقيقة الطبيعية أو "الحس المشترك". وعندئذ لا يعود الناس يدافعون عن النظام لأنهم مجبرون، بل لأنهم أصبحوا يرون العالم من خلال مفاهيمه. وهكذا تتحول الثقافة إلى الآلية الأكثر فاعلية في إعادة إنتاج السلطة،
    Ngũgĩ wa Thiong'oويذهب
    خطوة أبعد، فيرى أن أخطر أشكال الاستعمار ليس احتلال الأرض، بل احتلال العقل. فحين يفرض المركز لغته، وسرديته، وتعريفه للوطن، يبدأ المهمشون أنفسهم بالنظر إلى ذواتهم بعينيه. ولذلك يؤكد أن تحرير الأرض لا يكتمل إلا بتحرير الوعي من القوالب التي صنعها النظام المهيمن.
    في كتابه "تعليم المقهورين"، فيوضح ان القهر لاينتج مؤسسات استبدادية فقط، بل ينتج وعيا يعيد انتاجPaulo Freireاما
    الاستبداد ايضا. فالمقهور قد يتبنى، من حيث لا يدري، مفاهيم القاهر عن السلطة والوطن والهوية، ويعيد إنتاج النظام نفسه Albert Memmiحتى بعد سقوطه. ولهذا، فإن الثورة السياسية لا تكفي، ما لم تصاحبها ثورة في الوعي. ويصل
    إلى النتيجة ذاتها عندما يبين أن أحد أعظم نجاحات الأنظمة الاستعمارية يتحقق عندما تصبح النخب المحلية هي الحارس الأمين للبنية التي أنشأها المستعمِر. فعندئذ لا تحتاج الهيمنة إلى سلطة خارجية، لأن أبناء البلد أنفسهم يدافعون عن النظام القديم باسم الوطنية، أو الاستقرار، أو حماية الدولة.
    وعند قراءة هذه الأدبيات في ضوء الحالة السودانية، تتضح طبيعة المقاومة التي يواجهها مشروع السودان الجديد. فهي ليست مقاومة لمجموعة من المبادئ الدستورية فحسب، بل مقاومة لتحول تاريخي ينقل مركز إنتاج الدولة من النخب التي احتكرت تعريف الوطن منذ الاستقلال إلى شعوب ومجتمعات صاغت، عبر تجربتها مع الحرب والتهميش، تصوراً مختلفاً للدولة والعدالة والمواطنة. ولهذا يبدو الصراع في ظاهره خلافاً حول العلمانية أو اللامركزية أو العدالة التاريخية، بينما هو، في جوهره، صراع بين نموذجين للدولة: نموذج يسعى إلى إصلاح الدولة القديمة، ونموذج يسعى إلى إعادة تأسيسها من جذورها.

    من تغيير الحكومات إلى تغيير الدولة
    Antonio Gramsci، وNgũgĩ wa Thiong'o، وPaulo Freire، وAlbert Memmiتساعد أفكار كل من
    على فهم حقيقة أساسية في التجربة السودانية، وهي أن الأزمات الكبرى لا يعاد إنتاجها لأن الحكومات تتغير، وإنما لأن الدولة نفسها لا تتغير.
    وهذه ليست ظاهرة سودانية خالصة. فالولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية ألغت الرق دستورياً، لكنها لم تقضِ على البنية التي أنتجته. فقد انتهت العبودية قانوناً، بينما استمرت منظومة التفوق العرقي والفصل العنصري، وتكيفت مع النظام الجديد عبر قوانين جيم كرو، والتمييز المؤسسي، والحرمان من الحقوق السياسية. ولذلك احتاجت الولايات المتحدة إلى قرابة قرن آخر من النضال، حتى جاءت حركة الحقوق المدنية لتنتقل بالنقاش من تغيير الحكومات إلى تغيير قواعد الدولة نفسها، وتجبر المؤسسات على الالتزام الفعلي بمبادئ المواطنة المتساوية التي اعترف بها الدستور منذ زمن.
    وهذا هو الفارق الجوهري بين إصلاح السلطة وإعادة تأسيس الدولة!
    فالسودان، منذ الاستقلال، عرف حكومات مدنية، وأنظمة عسكرية، وانتفاضات شعبية، وفترات انتقالية، واتفاقيات سلام، لكن الدولة نفسها بقيت، في جوهرها، قائمة على المنظومة ذاتها التي احتكرت تعريف الهوية الوطنية، وركزت السلطة والثروة، ومنحت أفضلية لبنية ثقافية وسياسية بعينها. ولهذا كانت كل حكومة جديدة ترث، من حيث تدري أو لا تدري، الدولة القديمة بكل تناقضاتها، فتديرها أكثر مما تعيد بناءها.
    ومن هنا يصبح مفهوما غرامشي عن الهيمنة الثقافية مفتاحاً لفهم الحالة السودانية. فالنظام المهيمن لا يفرض نفسه بالقوة وحدها، بل ينجح عندما تتحول رؤيته للدولة والهوية والوطن إلى ما يبدو "طبيعياً" أو "بديهياً". وعندما تصل الهيمنة إلى هذه المرحلة، يصبح حتى معارضو النظام أسرى للإطار المفاهيمي الذي صنعه.
    ولذلك لم يعد جزء كبير من الجدل السوداني يدور حول ما إذا كانت الدولة التي ورثها السودان بعد الاستقلال عادلة، بل حول أفضل السبل لإدارتها. وحتى قطاعات من النخب التي تقدم نفسها بوصفها يسارية، أو ليبرالية، أو حداثية، أو ممثلة للمجتمع المدني كما اسلفنا في سياقات متعددة، تتحرك داخل الأفق الفكري نفسه الذي أنتجته الدولة القديمة، فتقبل بتداول السلطة، لكنها تتردد في مساءلة الأسس التي قامت عليها الدولة نفسها!
    واللافت أن هذا النمط يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية التقليدية. فعلى الرغم من اختلاف المرجعيات الفكرية بين الحزب الشيوعي السوداني، وحزب المؤتمر السوداني، وحزب الأمة، والحزب الاتحادي، وحزب البعث، وعدد من الحركات المسلحة في دارفور، فإن كثيراً من هذه القوى يلتقي، بدرجات متفاوتة، عند معارضة أو تجنب أو تأجيل القضايا التأسيسية التي يطرحها مشروع السودان الجديد، مثل علمانية الدولة، والعدالة التاريخية، وإعادة تعريف المواطنة، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس دستورية جديدة.
    وهذا يكشف أن الانقسام الحقيقي في السودان ليس بين اليمين واليسار، ولا بين المدنيين والعسكريين، بل بين رؤيتين للدولة: رؤية تعتبر أن الأزمة تكمن في الحكومات، ورؤية ترى أن الأزمة تكمن في البنية الدستورية والثقافية للدولة نفسها.
    ومن هنا يصبح التردد تجاه العلمانية، أو العدالة التاريخية، أو إعادة تعريف المواطنة، أو إعادة توزيع السلطة، أكثر من مجرد اختلاف سياسي. إنه، في جانب منه، تعبير عن أثر بنية ثقافية تراكمت عبر عقود، وهي البنية التي وصفها نغوجي باستعمار العقل، وشرح فريري كيف يعيد المقهور من خلالها إنتاج منظومة القهر، بينما أوضح ميمي أن النخب المحلية قد تتحول إلى الحارس الأكثر كفاءة للنظام الذي يفترض أنها تعارضه.

    ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه السودان اليوم ليس: من سيحكم بعد الحرب؟ بل: أي دولة ستبقى بعد الحرب؟
    فإذا بقيت الدولة قائمة على الأسس نفسها التي أنتجت التمييز، والهيمنة، والاستعمار الداخلي، واحتكار السلطة والثروة، فإن أي تداول للسلطة لن يكون سوى تداول لإدارة الأزمة، لا لحلها. وستتغير الحكومات، بينما تبقى الدولة المنتجة للصراع على حالها.
    وهذا هو، في جوهره، تاريخ السودان منذ الاستقلال. فقد أسقط السودانيون الحكم العسكري في ثورة أكتوبر 1964، ثم عادوا إلى الحكم العسكري. وأسقطوا نظام جعفر نميري في انتفاضة أبريل 1985، ثم عادت البلاد إلى دورة جديدة من الاستبداد. وأطاحت ثورة ديسمبر 2018 بنظام عمر البشير بعد ثلاثين عاماً من الحكم، لكن الدولة نفسها، بمؤسساتها وبنيتها العميقة، لم تخضع لإعادة تأسيس دستورية حقيقية. وخلال هذه العقود، وُقعت اتفاقيات عديدة، من اتفاقية أديس أبابا عام 1972، إلى اتفاقية السلام الشامل عام 2005، واتفاقيات أخرى لاحقة، لكن جميعها تعاملت، بدرجات متفاوتة، مع تقاسم السلطة أو إنهاء الحرب، أكثر مما تعاملت مع إعادة بناء الدولة التي أنتجت الحرب.
    ولهذا لم يكن غريباً أن تتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتتكرر الفترات الانتقالية، بينما بقيت أسباب الصراع البنيوية قادرة على إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة تاريخية.
    وهنا تقدم التجربة الأمريكية درساً بالغ الدلالة. فالحرب الأهلية الأمريكية انتهت عام 1865، وأُلغي الرق بموجب التعديل الثالث عشر للدستور، ثم أقر التعديل الرابع عشر مبدأ المواطنة المتساوية والحماية المتساوية أمام القانون، وأكد التعديل الخامس عشر حق التصويت بغض النظر عن العرق. ومع ذلك، لم تتحول هذه المبادئ تلقائياً إلى واقع، لأن البنية الاجتماعية والسياسية التي قامت على التمييز استطاعت أن تعيد إنتاج نفسها عبر قوانين الفصل العنصري والتمييز المؤسسي.
    ولذلك احتاجت الولايات المتحدة إلى قرابة قرن آخر من النضال، حتى جاءت حركة الحقوق المدنية، وفرضت على الدولة أن تلتزم فعلياً بما أقره الدستور نظرياً، من خلال قانون الحقوق المدنية لعام 1964، وقانون حقوق التصويت لعام 1965، وقانون الإسكان العادل لعام 1968. ولم يكن الإنجاز الحقيقي هو إصدار قوانين جديدة فحسب، بل إخضاع الدولة نفسها لسلطة المبادئ الدستورية التي أعلنتها، وتحويل المواطنة المتساوية من وعد دستوري إلى واقع قانوني ومؤسسي.
    وهذا هو التحدي الذي يقف أمام السودان اليوم. فإما أن يكتفي بتغيير الحكومات داخل الدولة القديمة، كما حدث مراراً منذ الاستقلال، وإما أن يمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية لإعادة تأسيس الدولة نفسها على مبادئ فوق دستورية تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والتعدد، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وسيادة القانون، والجيش القومي المهني، وأجهزة الأمن الدستورية. فهذه ليست مجرد شروط لإنهاء الحرب، بل هي الضمانات الوحيدة التي تمنع عودتها.

    وكل هذا يقود إلى سؤال أكثر عمقاً وحساسية: إذا كانت هذه المبادئ تمثل، في التجارب الدستورية المقارنة، الأساس الضروري لبناء دولة مستقرة وعادلة، فلماذا تتحفظ عليها، أو تعارضها، أحزاب تعلن انتماءها إلى اليسار، أو الديمقراطية، أو الليبرالية، أو الحداثة؟ وهل يمكن أن يكون التكوين الثقافي والوعي الذي أنتجته الدولة القديمة، في بعض اللحظات التاريخية، أكثر رسوخاً وتأثيراً من الانتماء الأيديولوجي نفسه؟ هذا هو السؤال الذي سننتقل إلى مناقشته في الجزء السادس.
     
    النضال مستمر والنصر اكيد.
    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de