لديا قناعة لاتزحزح أن هذا الشعب السُوداني بمختلف أطيافه وتنوعه هو أمة عظيمة ذات تاريخ ضارب في القدم وحضارة أصيّلة ، وأن كل الإنصهارات والتلاقحات التي حدثت داخله بجيناتها المختلفة ظل أساسها هو هذا الجين السُوداني العظيم ، الذي يُشكلنا جميعاً ويمنحنا سودانيتنا ويجعل اي من يُسأل فينا عن جنسيته خاصة في خارج البلاد أن يُجيب بكل فخر ويُسر بسُوداني أو سُودانية ، وقصدت أن أقول خارج البلد لأن البعض داخل السُودان يتعامل مع الجنسية بمفهوم يعود إلي القبيلة والعُنصر أو الاصل الجغرافي ، وهذا في تقديري عمقته بعض سياسات الأنظمة السابقة والتي جعلت من سؤال القبيلة هو سؤال أساسي عند منح الجنسية السُودانية ، ثم تعمّق هذا بشكل أكبر في عهد نظام الأنقاذ والأسلاميين وتحولت القبيلة إلي أداة للتمييز والتفرقة بين السُودانيين ، وسار الأمر مع بقية العوامل المعروفة وسياسات الدولة مابعد إستقلالها الحديث في التفرقة بين السُودانيين علي الأساس العنصري القبلي والثقافي والجغرافي حتي وصلت الحرب الأهليّة بلادنا وعمّت بسبب كل هذه السياسات والإختلالات والمظالم المعلومة في بنية كل الدولة... لم يُتاح لكل السُودانيين في مجموعهم الفرصة الكافية للوصول لصيغة توحدهم كامة عظيمة كما قدّمت في بداية هذا المقال ، وطوال تاريخنا الإجتماعي والسياسِي تم وضع عقبات للوصول لهذه الصيغة وكانت بعضها حتي في زمان الإستعمار الأجنبي لبلادنا ثم تواصلت بإنتهاج نفس العقلية في إدارة الدولة مابعد ذلك إلي أن أبدلنا إستعمار أجنبي بآخر داخلي ، و كانت النتيجة كل هذه الصراعات والتناحر والحروب ، والتي أساسها عدم إستيعاب البعض إلي الآن لهذا التنوع الموجود ببلادنا والذي بدلاً أن يكون نعمة ومصدر غني تحول إلي مصدر للتنازع والإختلاف والإقتتال والإحتراب وعقلية الغابة في الإقصاء والإنفراد بالسُلطة وثروات الدولة ومواردها. ومع إنتشار الوعي وتبدّل الأجيال في كُل البلاد ، نشأت أجيال وعقليات جديدة تري نفس مانري في أن هذه البلاد وجميع شعبها بكل تنوعه وفي أي جزء فيه تستحق الأفضل ، وأنها في عمومها أمة عظيمة كما قدمت لم تجد الفرصة بعد لتتوحد ثم تنهض بنفسها وبلدها السُودان... ولديّا إيمان آخر ويقيّن وتفاؤل أننا نستطيع أن نتجاوز كُل هذا العناء والمشقة والأزمات والحروب والصرّاع الحاد ، وأن نمضي في طريق حتماً سيوحدنا جميّعاً و يمنح كُل إجيال المستقبل فرصة عيش حياة أفضل وأكثر إستقراراً وتقدماً ورفاهية مقارنة بكل الحقب السابقة ، وأن هذه اللحظة تبدأ من حاضرنا الحالي في أن ننتقل وبإرادة عظيّمة نحو التأسيس لحقبة جديدة لكل السُودانيين في بلادهم تتوقف فيها لغة العُنف و سفك الدماء والإبادة والصراعات الحادة التناحرية واللغة الخشنة والإستبداد والإقصاء والتقليل من بعضنا البعض وعدم القبول بالإختلاف ، وإستبدال كُل ذلك بمسارات جديدة وتلاقي والوصول للمشترك الذي يجعلنا نمضي معاً بتفاهم الجميّع والركون للسلم والسّلمية و لغة الحوار والتفاهمات بيننا كسُودانيين غض النظر عن إختلافاتنا السياسية والإجتماعية ، إن صبرنا علي بعضنا البعض هو الطريق الذي سيوصلنا لغاياتنا جميعاً ونجتاز معه أي عقبات وقد قيّل قديماً إنما الفرج مع الصبر ، والأولوية الآن لتجاوز هذا الواقع هو صبرنا علي إدارة حوار سياسِي فيّما بيينا جميعاً كقوي سياسية و فصائل وفي صبرنا علي تفاوض بين اطراف الحرب والإقتناع بوقف هذه الدماء وعدم إسترخاصها فالجميّع سودانيون سِيقوا إلي هذا التناحر والإحتراب لفشلنا جميّعاً السابق في توفير البئية الملائمة للعيش المُشترك بين الجميع في سلام ، وفي عدم نيّل كافة الحقوق بالتساوي في بلد موارده تمنحنا وبكل يُسر العيش الرغد وليس فقط الكفاف للغالبية كما هو حادث الآن إن تم توجيهها لصالح كل فئيات الشعب وفي كل أجزاء البلاد ، وأن تنتقل السُلطة فيه سلمياً لمن يقبله كافة الشعب ويختاره. أخيراً إننا نستطيع معاً دون أدني شك أن نصنع مُستقبلاً أفضل لكل السُودانيين بإذن الله ، نؤسس له منذ الآن ونمضي فيه بإرادتنا وصبرنا وإيماننا الراسخ بسُودانيتنا وعظمة أمتنا فيه.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة