الجزء الثالث: كيف تحولت حقوق الأمريكيين الأفارقة إلى حقوق لجميع الأمريكيين؟ تكشف دراسة التطور الدستوري في الولايات المتحدة عن حقيقة كثيراً ما يغفلها الخطاب السياسي عند تناول حركة الحقوق المدنية، وهي أن أعظم إنجازات هذه الحركة لم تكن محصورة في إنهاء التمييز ضد الأمريكيين الأفارقة، وإنما في إعادة بناء المنظومة القانونية الأمريكية بصورة أفادت المجتمع بأسره. فقد خرجت القوانين من رحم نضال جماعة تعرضت لقرون من العبودية والتمييز، لكنها لم تبق قوانين تخص تلك الجماعة، بل أصبحت جزءاً من البنية الدستورية التي تحمي جميع المواطنين. وهذه ليست مصادفة تاريخية، بل إحدى السمات الأساسية لتطور الديمقراطيات الحديثة. فكلما نجحت جماعة مضطهدة في تحويل مطالبها إلى مبادئ دستورية أو تشريعات عامة، اتسع نطاق هذه المبادئ تدريجياً ليشمل فئات أخرى لم تكن حاضرة في بداية النضال. فالحقوق، عندما تُبنى على أساس المساواة وسيادة القانون، لا تبقى ملكاً لمن طالب بها أولاً، وإنما تتحول إلى جزء من العقد الاجتماعي الذي يحكم الدولة بأكملها. ولهذا فإن حركة الحقوق المدنية الأمريكية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تاريخاً للسود في الولايات المتحدة فحسب، بل بوصفها تاريخاً لتوسيع الديمقراطية الأمريكية نفسها.
النساء: كيف استفادت النساء الأمريكيات من قوانين لم تُكتب أصلاً من أجلهن؟ ولماذا تقدم التجربة الأمريكية درساً للحركة النسوية في السودان؟ لعل النساء الأمريكيات يمثلن أوضح مثال على الكيفية التي تتحول بها ثورات المهمشين إلى حقوق عامة يستفيد منها المجتمع بأسره. فعندما صدر قانون الحقوق المدنية لعام 1964، كان الهدف الرئيس هو تفكيك النظام القانوني الذي يقوم على التمييز Sexالعنصري ضد الأمريكيين الأفارقة. غير أن إدراج كلمة "الجنس" ضمن الأسس المحظور التمييز على أساسها أحدث تحولاً دستورياً وقانونياً تجاوز بكثير حدود القضية العنصرية. فقد أصبح القانون، الذي خرج من نضال الأمريكيين الأفارقة، المرجعية القانونية التي استندت إليها النساء في الطعن في التمييز في التوظيف، والأجور، والترقيات، والتعليم، ثم تطور القضاء الأمريكي لاحقاً ليبني على هذه المبادئ منظومة واسعة من الحقوق، شملت مكافحة التمييز ضد المرأة، وتجريم التحرش الجنسي، وتعزيز تكافؤ الفرص، وتوسيع مشاركة النساء في المجالات التي كانت حكراً على الرجال. وبذلك أصبحت ملايين النساء من أكبر المستفيدين من حركة لم تنشأ أصلاً للدفاع عن حقوق المرأة، وإنما للدفاع عن حقوق جماعة أخرى تعرضت للتمييز التاريخي! غير أن المفارقة التاريخية لا تقل أهمية عن الإنجاز القانوني. ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لم تكن جميع النساء البيض في الولايات المتحدة في صف حركة الحقوق المدنية. بل إن عدداً كبيراً منهن، ولا سيما في الولايات الجنوبية، عارضن إنهاء نظام الفصل العنصري، وشاركن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في الدفاع عن النظام الاجتماعي القائم. ولم يكن هذا الموقف ناتجاً عن معاداة النساء لحقوق الإنسان، بل عن حقيقة أكثر تعقيداً، وهي أن الانتماء إلى البنية الاجتماعية والثقافية المهيمنة كان، في كثير من الأحيان، أقوى من رابطة النوع الاجتماعي! فقد كانت المرأة البيضاء تعاني، بلا شك، من التمييز الذكوري داخل المجتمع الأمريكي، لكنها كانت، في الوقت نفسه، تتمتع بامتيازات يمنحها لها النظام العنصري بوصفها جزءاً من الجماعة المهيمنة. ولذلك رأت بعض النساء أن إنهاء الفصل العنصري يهدد النظام الاجتماعي الذي وفر لهن موقعاً متميزاً، حتى وإن ظل هذا النظام يميز ضدهن بوصفهن نساء. وهذه الظاهرة هي ما تسميه أدبيات علم النفس السياسي وعلم الاجتماع تداخل أنظمة الامتياز؛ إذ لا يتحدد موقف الأفراد فقط من خلال جنسهم أو طبقتهم، وإنما أيضاً من خلال موقعهم داخل منظومات السلطة والهوية والثقافة. فالإنسان قد يدافع عن نظام يحرمه من بعض الحقوق إذا كان يمنحه امتيازات في مستوى آخر. وتساعد هذه القراءة في فهم جانب من المشهد السوداني الراهن. فليس من اللافت أن تتردد بعض المنظمات النسوية أو القوى المدنية النسائية في تبني المبادئ فوق الدستورية التي يطرحها مشروع السودان الجديد، بقدر ما يلفت النظر أن هذا التردد يحدث رغم أن هذه المبادئ تمثل، من الناحية الدستورية، أقوى ضمانة تاريخية لحقوق المرأة نفسها. فالعلمانية، على سبيل المثال، لا تحمي غير المسلمين فقط، كما يختزلها الخطاب السياسي السائد، وإنما تؤسس لمبدأ حياد الدولة تجاه جميع المواطنين، وهو المبدأ الذي يمنع استخدام التشريعات الدينية لفرض تمييز قانوني على النساء أو تقييد حقوقهن المدنية والسياسية والشخصية. وعندما تصبح المواطنة، لا الانتماء الديني أو الثقافي، هي مصدر الحقوق، فإن النساء جميعاً، بغض النظر عن معتقداتهن، يكتسبن حماية قانونية متساوية. وبالمثل، فإن العدالة التاريخية، واللامركزية، واستقلال القضاء، وإخضاع الأجهزة الأمنية للدستور، وبناء جيش قومي مهني، ليست قضايا تخص مناطق الحرب وحدها، وإنما تشكل الإطار المؤسسي الذي يجعل حماية النساء من العنف، والتمييز، والإقصاء، ممكنة على مستوى الدولة بأكملها. ومع ذلك، فإن جزءاً من الخطاب النسوي في السودان، سواء داخل بعض منظمات المجتمع المدني أو داخل التيارات الحزبية، لا يزال يتعامل مع هذه المبادئ بوصفها قضايا "سياسية" تخص الصراع بين المركز والهامش، أكثر من كونها قضايا تأسيسية لحقوق المرأة نفسها. ويمكن تفسير هذا التردد، جزئياً، في ضوء التاريخ الطويل للدولة السودانية. فقد نشأت غالبية النخب، رجالاً ونساءً، داخل مؤسسات تعليمية وثقافية وإعلامية أعادت إنتاج تصور واحد للوطن، وللدولة، وللعلاقة بين الدين والسياسة. ومن ثم فإن كثيراً من الفاعلات النسويات يحملن، مثل غيرهن من النخب، آثار هذا التكوين الثقافي، بحيث يصبح الانتماء إلى الثقافة السياسية السائدة أكثر حضوراً، أحياناً، من الانتماء إلى المشروع النسوي نفسه. ولا يعني ذلك أن الحركة النسوية السودانية ترفض حقوق المرأة، بل يعني أن جزءاً منها لم يحسم بعد موقفه من السؤال الأكثر عمقاً: هل يمكن بناء مساواة حقيقية بين النساء والرجال داخل دولة لا تزال تقوم، في بنيتها الدستورية والثقافية، على تمييز ديني أو ثقافي أو جهوي؟ وهنا تعود التجربة الأمريكية لتقدم درساً بالغ الأهمية للحركة النسوية السودانية. فالنساء الأمريكيات لم يحققن قفزتهن القانونية الكبرى عبر قانون كُتب خصيصاً لهن، وإنما عبر مشروع دستوري أوسع قام على مبدأ المساواة أمام القانون. وبالمثل، قد تكتشف النساء في السودان، مع مرور الزمن، أن المبادئ فوق الدستورية التي يطرحها مشروع السودان الجديد ليست مطالب تخص شعوب الهامش، بل هي، في جوهرها، الضمانات الدستورية الأكثر رسوخاً لحريتهن ومساواتهن وكرامتهن، تماماً كما اكتشفت أجيال من النساء الأمريكيات أن القانون الذي وُلد من نضال الأمريكيين الأفارقة أصبح أحد أهم الأسس القانونية لتحرير المرأة في الولايات المتحدة.
الأقليات الأخرى: ولم يقتصر الأمر على النساء. فقد استفاد من هذه التشريعات أيضاً الأمريكيون من أصول لاتينية، والآسيويون، والسكان الأصليون، وغيرهم من الأقليات الإثنية والدينية التي واجهت، بدرجات متفاوتة، أشكالاً مختلفة من التمييز. لقد أصبح من الممكن استخدام المبادئ نفسها للطعن في السياسات والممارسات التي تميز ضد جماعات أخرى، حتى لو لم تكن تلك الجماعات هي المقصودة عند صدور القانون. وهكذا اتسع مفهوم الحقوق المدنية تدريجياً ليصبح إطاراً عاماً للمساواة القانونية داخل المجتمع الأمريكي.
الأشخاص ذوو الإعاقة: ومن أبرز الأمثلة على هذا الاتساع أيضاً تطور التشريعات الخاصة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. فعلى الرغم من أن قوانين الحقوق المدنية لم تكن تتناول هذه الفئة بصورة مباشرة، فإن المبادئ التي أرستها حول المساواة وعدم التمييز أصبحت المرجعية الفكرية والقانونية التي قامت عليها تشريعات لاحقة، كان من أهمها قانون الأمريكيين ذوي الإعاقة لعام 1990 (Americans with Disabilities Act) الذي حظر التمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل والتعليم والنقل والخدمات العامة، وألزم المؤسسات بإزالة العوائق التي تمنع مشاركتهم الكاملة في المجتمع. ولم يكن هذا القانون ليظهر بالشكل الذي عرفناه لولا التطور الذي أحدثته حركة الحقوق المدنية في مفهوم المساواة أمام القانون.
كبار السن: وبالمثل، استفاد كبار السن من توسع مفهوم الحقوق المدنية. فقد عززت التشريعات اللاحقة، مثل قانون التمييز على أساس السن في العمل لعام 1967 (Age Discrimination in Employment Act) الحماية القانونية للعاملين الأكبر سناً، ومنعت التمييز ضدهم في التوظيف والترقية وإنهاء الخدمة. وهكذا أصبح العمر، مثل العرق أو الجنس، سبباً لا يجوز أن يستخدم للحرمان من الحقوق أو الفرص.
الفقراء أيضاً: لم تقتصر آثار حركة الحقوق المدنية الأمريكية على الأمريكيين الأفارقة أو النساء، بل امتدت إلى ملايين الفقراء، بمن فيهم الفقراء البيض. فكلما أصبحت الدولة أكثر خضوعاً للدستور وسيادة القانون، ازدادت قدرة المواطنين محدودي الدخل على الوصول إلى العدالة، والتعليم، والخدمات العامة، والمشاركة السياسية، بعيداً عن النفوذ والامتيازات. فالحقوق المدنية لا تحمي الأقليات وحدها، بل تعيد بناء الدولة بحيث تصبح أكثر عدلاً لجميع المواطنين، وخاصة لمن لا يملكون المال أو السلطة. وهذا هو الدرس الذي يحتاج السودان إلى استيعابه اليوم. فالمبادئ فوق الدستورية التي يطرحها مشروع السودان الجديد—العلمانية، والمواطنة المتساوية، والعدالة التاريخية، واللامركزية، واستقلال القضاء، والجيش القومي المهني، وسيادة القانون—ليست مطالب تخص شعوب الهامش، بل هي الضمانات التي يحتاجها كل سوداني، وبخاصة الفقراء. فأكبر المستفيدين من استقلال القضاء ليس أصحاب النفوذ، بل المواطن البسيط. وأكبر المستفيدين من دولة لا تميز بين مواطنيها هم ملايين السودانيين الذين حرموا، في المركز كما في الهامش، من فرص متساوية في التعليم، والعمل، والعدالة، والخدمات. وكما اعتقد كثير من الفقراء البيض في الولايات المتحدة أن حركة الحقوق المدنية "قضية تخص السود"، ينظر كثير من السودانيين اليوم إلى مشروع السودان الجديد باعتباره "قضية الهامش". لكن التاريخ يثبت أن الدولة التي تحمي حقوق أكثر مواطنيها تهميشاً تصبح، في النهاية، دولة أكثر عدلاً وأمناً وازدهاراً لجميع مواطنيها. وقد عبر المفكر الأمريكي الأفريقي W. E. B. Du Bois عن هذه الفكرة عندما أكد أن الديمقراطية الحقيقية لا تُقاس بمدى حماية الأقوياء، وإنما بقدرة الضعفاء على الوصول إلى العدالة فالمجتمع الذي يستطيع فيه المواطن الأكثر ضعفاً أن ينتصر أمام القضاء هو المجتمع الذي تكون فيه سيادة القانون حقيقة وليست شعاراً. مناهضة التمييز أصبحت مبدأ عاماً لقد أنتجت هذه التشريعات تحولاً عميقاً في الفكر القانوني الأمريكي. فلم يعد السؤال: إلى أي جماعة ينتمي هذا الشخص؟ بل أصبح السؤال: هل تعرض هذا المواطن للتمييز بسبب صفة يحميها القانون؟ وهذا التحول نقل النظام القانوني الأمريكي من حماية جماعة معينة إلى حماية مبدأ عام هو المساواة. ومن هنا أصبحت قوانين الحقوق المدنية مرجعاً لكل من يتعرض للتمييز، مهما كان سبب هذا التمييز. التقاطعية: عندما تتقاطع أشكال الظلم وقد ساعدت هذه التطورات القانونية على ظهور واحدة من أهم النظريات في الدراسات القانونية المعاصرة، وهي نظرية Intersectionality التقاطعية Kimberle’ Crenshaw التي طورتها الباحثة القانونية الأمريكية انطلقت كرينشو من ملاحظة أن كثيراً من النساء السوداوات كن يتعرضن للتمييز بطريقة لا يمكن تفسيرها إذا نظرنا إلى العرق وحده أو إلى الجنس وحده. فالمرأة السوداء قد تواجه شكلاً من التمييز يختلف عن ذلك الذي يواجهه الرجل الأسود، ويختلف كذلك عن التمييز الذي تواجهه المرأة البيضاء. ومن هنا قدمت مفهوم التقاطعية لتوضيح كيف تتداخل أنماط التمييز المختلفة، وكيف يمكن للعرق والجنس والطبقة والإعاقة والدين والانتماء الإثني أن تتفاعل معاً لإنتاج أشكال مركبة من الظلم. لكن الأهم في أطروحة كرينشو ليس فقط تفسير الظلم، وإنما الإشارة إلى أن الأدوات القانونية التي طُورت أصلاً لمواجهة العنصرية أصبحت قادرة على معالجة أشكال أخرى من التمييز. وهذا يؤكد مرة أخرى أن القوانين التي تولد من نضال جماعة واحدة قد تتحول إلى أدوات لحماية المجتمع بأسره. الدرس الذي يهم السودان وهنا تبدأ أهمية هذه التجربة بالنسبة للسودان. فكثير من السودانيين ينظرون اليوم إلى المبادئ التي يطرحها مشروع السودان الجديد باعتبارها مطالب تخص مناطق الحرب، أو شعوب الهامش، أو الحركة الشعبية ومؤخرا تاسيس. لكن التجربة الأمريكية تعلمنا أن الإصلاحات الدستورية الكبرى لا تبقى محصورة في الجماعات التي طالبت بها. فعندما تتحول العدالة إلى مبدأ دستوري، فإنها تصبح حقاً عاماً. وعندما تتحول المواطنة المتساوية إلى قاعدة قانونية، فإنها تحمي الأغلبية والأقليات في الوقت نفسه. وعندما يصبح استقلال القضاء، وحياد الدولة، وسيادة القانون، والجيش المهني، وحقوق الإنسان جزءاً من النظام الدستوري، فإن المستفيد لا يكون سكان مناطق الحرب وحدهم، بل المجتمع كله. ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام السودانيين ليس: هل تخدم هذه المبادئ جبال النوبة، أو دارفور، أو النيل الأزرق؟ بل السؤال هو: هل يمكن بناء دولة حديثة ومستقرة من دون هذه المبادئ؟ إن التجربة الأمريكية تشير بوضوح إلى أن الحقوق التي تبدأ دفاعاً عن جماعة مضطهدة قد تصبح، بعد سنوات، الإطار القانوني الذي يحمي جميع المواطنين. وهذه هي الحقيقة التي تجعل دراسة حركة الحقوق المدنية ذات أهمية استثنائية للسودان اليوم. غير أن هذا يقود إلى سؤال أكثر عمقاً: إذا كانت هذه المبادئ أفادت الجميع في الولايات المتحدة، فلماذا واجهت في بدايتها معارضة شديدة؟ ولماذا تقاوم النخب في كثير من الدول، ومنها السودان، المبادئ التي ستعود بالنفع على المجتمع كله؟ وهذا ما سنتناوله في الجزء الرابع
النضال مستمر والنصر اكيد. (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة