ليست مأساة السودان في الحرب وحدها، بل في تلك اللحظة التي فقدت فيها مؤسسات الدولة قدرتها على الوقوف فوق السياسة. فعندما يصبح ولاء المؤسسة العسكرية، أو يُنظر إليه، مرتبطًا بمشروع سياسي أو أيديولوجي، فإن الدولة تدخل أخطر مراحلها، لأن الجيش يفقد صورته باعتباره مؤسسة جامعة لكل السودانيين. على امتداد العقود الماضية، دار جدل واسع حول مدى تأثير الحركة الإسلامية في بنية الدولة ومؤسساتها، ولا سيما القوات المسلحة. ويرى كثير من المنتقدين أن سياسات التمكين التي أعقبت انقلاب عام 1989 تركت آثارًا عميقة، انعكست على طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية، وأسهمت في إضعاف استقلاليتها. سواء اتفق المرء مع هذا التقييم أو اختلف معه، فإن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن السودان دفع ثمنًا باهظًا لتداخل السياسة والعسكر. فكلما اقترب الجيش من الصراع الحزبي، ابتعد عن دوره الطبيعي بوصفه حاميًا للدستور والسيادة الوطنية، وازدادت الشكوك والانقسامات حوله بين المواطنين. إن الجيوش الوطنية لا تُبنى على الانتماءات الفكرية، بل على العقيدة العسكرية والمهنية والانضباط. وحين تتحول المنافسة السياسية إلى معركة داخل مؤسسات الدولة، يصبح الوطن هو الخاسر الأول. لقد آن الأوان لأن يدرك السودانيون، بكل أطيافهم، أن بناء دولة مستقرة لا يبدأ بانتصار حزب على آخر، وإنما بإعادة بناء مؤسسات وطنية مستقلة، يكون ولاؤها للدستور والقانون وحدهما. فالجيش الذي يحمي جميع المواطنين هو الضمانة الحقيقية لوحدة البلاد، أما الجيش الذي يُنظر إليه باعتباره جزءًا من الاستقطاب السياسي، فلن يستطيع أن يكون جسرًا نحو السلام. سيأتي يوم تنتهي فيه الحرب، لكن السؤال الذي سيبقى هو: أي دولة يريد السودانيون أن يورثوها لأبنائهم؟ دولة تتنازعها الولاءات السياسية، أم دولة تقوم على مؤسسات مهنية لا يعلو فيها صوت على صوت الوطن؟ bakrikamal26@gmail.com Image
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة