عندما كنا صغاراً نلهو ونلعب كان مشروع الجزيرة لا زال بعافيته ، وكانت بيوت الطين و (الرواكيب الصغيرة ) ميراث اجداد معطنه بريحة الصبر ، لا رغبة لاحد من اهل القرى في تغييرها ، وكانت المساحات واسعة بسعة النفوس وسماحة الترحاب .
غرفه عليها ( كشاشة ) او غرفتين يؤمهم ( ديوان ) فسيح ان كان الحظ سمحاً ، و ( السعية تاومت ) او (الحواشة ) دخلت دائرة الحساب الفردي بكثرة (المثُور ) او نال احد افراد الاسرة حظه من الاغتراب .
كان الاغتراب انذاك لتحسين ( الوضع ) وكانت الدنيا متعافية ، وكل ( قداحة ) الفريق تعرف طريقها للديوان عند ( القايلة ) او بعد المغرب .
المغترب كان محور حديث اغلب ( لمات ) الديوان ، خاصة عندما يحمله الشوق على ارسال شريط ( كاسيت ) يقري فيه السلام لكل ناس الحلة بالاسم، ويبث فيه أشواقه بالعودة لحضن الوطن، وكان ( المسجل الانترناشونال) منية كل بيت ، ورجاء كل شاب في الحلة يمني نفسه بان ياتيه هدية من قريبه المغترب .
وحضن الوطن كانت تبكي عليه نفوس المغتربين شعراً ( يا ربي لمتين للبلد ارجع واشوف نور الامل ) و ( هل من عودة تاني ام هي مستحيلة ) وقد كان حضناً دافئاً لا مكان فيه لفاسد ، ولم يكن يحضناً للاشرار المنسلين من محيط ( القبة ) ولا المغامرين البائعين ذمة مساحة اقليم ( السافنا ).
رغم ان النفس المغتربة ( زمان ) كانت تعود من بعد الغياب والليالي المرة في حضن عذاب الاغتراب ، وكانت الفرحة مشاعة على كل اهل ( الفريق ) لان الحبيب العائد لا تقتصر غنائم عودته من الغربة على اهل بيته ، بل يجد كل بيت حظه غلة ريع الغربة ( عمتي هاك التوب ده جابو ليك محمد اخوي ) ، ( عمي هاك الجلابية دي جابا ليك سعيد ) وكل الاطفال تتلون اجسادهم ب ( فنايل ) زاهية الألوان معتقة بريحة الاغتراب ، اي والله بريحة الاغتراب وكان للمغترب ريحة غير التي تحملها ( فتايل ) العطور التي يهديها لأقرانه من الشباب .
بعد الحرب العبثية اصبح الاغتراب هروباً من ( الوضع ) الذي ساء بالبلد لا امنية في تحسينه، ونجاة من الموت المشاع ( سمبلة ) وخوفاً من الجوع والمرض والجهل ، ولم يعد كما كان في السابق رغبة وعشم انما خوف من المجهول .
المغترب بعد حرب العبث وتصفية الحسابات والعودة للانفراد بالسلطة والتسلط على رقاب الشعب، اصبح كوم من هموم ، وهول كبير من المتاعب والمصاعب ، انحسرت عنه الرغبة في العودة إلى وطن تتناوشه مطامع قيادات جاهله في نفسها ، ومتجاهله لحقوق الرعية ، ضارب بكرامة اهل السودان عرض الحائط، لا هم لها سوى ان تكون هي راس السلطة وان اندك كل الوطن ومات كل مواطنيه .
ما بين حيطان الغربة سجن نفسه ، وانكفأ على همومه التي تشربت من نضرة شبابه وتوغلت في ملامحه حتى قضى كهلاً دون ان يبلغ الاربعين ، وهيكلا دون ان ينخر عظامه المرض ، وشاحباً رغم تواريه عن الشمس ، تلازمه دموع الوحشة والوحدة وإثقال الهموم .
ثم يسرح في هم بهيم حين تطالعه الاخبار بأن مساعي وقف الحرب تعطلت بين المتقاتلين بسبب تعنت احد طرفي الصراع ، وان الحرب لا زالت مشتعلة ، وان اهل بيته ينتظرون الاكل والشراب والعلاج ، وان المدارس قضت لا تخرج اجيال ، وان ( فتك ومتك ) اصبحت هي الشعار ، وليل الكذب ما زال عند القادة طفل يحبو بوهم ( الانتصار ) .
ثم يهمس لماذا كل هذا ولمصلحة ( مين )، هل لاننا تجاسرنا على بيوت ( الطين )، ام كان لنا في قرار الحرب. ( قول فصل متين )، ام انها كانت علينا ( امر دين ) ، ثم تنهمر دموعه المتساقطة من كثرة الهموم ، ويتلو في سره ( متى نصر الله ) .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة