حين وصلت الحرب إلى أبوابكم: رسالة إلى النخب السودانية قبل الحريق القادم كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 07-09-2026, 05:48 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
07-05-2026, 01:25 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 285

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حين وصلت الحرب إلى أبوابكم: رسالة إلى النخب السودانية قبل الحريق القادم كتبه خالد كودي

    01:25 PM July, 05 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر







    4/7/2026 ، بوسطن

    امتياز المركز: لماذا لم تتعلم النخب السودانية من الحرب حتي الان؟
    لايخاطب مايكل أريك دايسون المجتمع الأبيض لأنه اكثر قسوة من غيره، Tears We Cannot Stop في كتابه
    بل لأنه عاش طويلاً داخل بنية من الامتياز جعلته غير قادر على رؤية الألم الذي كانت تعيشه الجماعات السوداء إلا عندما بدأ ذلك الألم يهز ضمير الأمة بأكملها. فمشكلته ليست مع لون البشرة، بل مع منظومة تجعل بعض الناس يعتقدون أن معاناتهم هي المعيار الوحيد للمعاناة، وأن تاريخ الآخرين مجرد هامش في السردية الوطنية.
    ولعل هذه الفكرة تجد صداها المؤلم في السودان. فقد عاشت النخب السودانية، منذ الاستقلال، داخل ما يمكن تسميته "امتياز المركز"؛ وهو امتياز لم يكن قائماً على العِرق وحده، بل على احتكار السلطة، والثقافة، والإعلام، والاقتصاد، وحق تعريف الوطن نفسه. وداخل هذا الامتياز، تحولت الحروب التي اجتاحت جنوب السودان، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، إلى أحداث بعيدة؛ أخبار في الصحف، وتقارير للمنظمات، وملفات تفاوض، لا إلى مآسٍ وطنية تستوجب مراجعة جذرية للدولة التي أنتجتها.

    ثم جاءت حرب أبريل، لا لتكسر الوهم الذي ظل يفصل المركز عن هوامش السودان فقط، بل لتكشف الحقيقة التي ظلت الدولة السودانية تؤجل مواجهتها منذ الاستقلال: أن الحرب التي يُسمح لها بالاستقرار في أطراف الوطن لا تبقى هناك إلى الأبد. فما جرى في جنوب السودان، ثم في جبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، لم يكن سلسلة من الأزمات المنفصلة، بل فصولاً متصلة من أزمة وطنية واحدة. كانت الدولة، في كل مرة، تؤجل مواجهة جذور الصراع، فتنتقل الحرب من هامش إلى آخر، حتى بلغت قلب المركز نفسه.
    وللمرة الأولى منذ الاستقلال، وجدت قطاعات واسعة من النخب السياسية والثقافية والاجتماعية نفسها تعيش ما عاشه ملايين السودانيين قبلها بسنوات طويلة: النزوح، واللجوء، وفقدان الأحبة، وانهيار البيوت، وضياع الممتلكات، والجوع، والاعتماد على الإغاثة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتعطل التعليم والصحة والاقتصاد، وتفكك الروابط الاجتماعية، وتحوّل مستقبل السودان نفسه إلى سؤال مفتوح. لم تعد الحرب مأساة تخص "الأطراف"، بل أصبحت تهدد وجود الدولة، ومعنى الوطن، وإمكانية العيش المشترك.
    غير أن السؤال الجوهري ليس لماذا وصلت الحرب وتداعياتها إلى مدن الوسط النيلي، ولا لماذا اكتشف المركز، متأخراً، أن الامتياز لا يوفر حصانة من انهيار الدولة.
    السؤال الحقيقي هو: هل غيّرت هذه الحرب وعي النخب بعد؟
    هل أدركت أن ما عاشته ولاتزال تعيشه ليس استثناءً، بل هو الواقع الذي عاش فيه ملايين السودانيين منذ عقود؟ وهل فهمت أن الحرب لم تبدأ عندما احترقت الخرطوم، بل بدأت يوم تأسست دولة قسمت مواطنيها إلى درجات في الأمن، والحقوق، والسلطة، والاعتراف، وجعلت حياة بعضهم أكثر قيمة من حياة الآخرين؟ فالحروب لا تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى؛ إنها تبدأ عندما تصبح المساواة محل مساومة، وتتحول المواطنة إلى امتياز، وتصبح الدولة أداة لحماية المركز بدلاً من أن تكون إطاراً عادلاً لجميع مواطنيها.
    للأسف، يبدو أن جزءاً كبيراً من هذه النخب لم يتعلم الدرس بعد. فبدلاً من أن يقودها الألم إلى إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية، وإلى الإصغاء لتجارب الشعوب التي دفعت ثمن هذه الدولة قبلها بعقود، لا يزال خطابها يتعامل مع حرب أبريل بوصفها نقطة البداية، وكأن السودان لم يعرف المأساة إلا عندما وصلت إلى الخرطوم. وهكذا، لم يختف الامتياز؛ بل أعاد تشكيل نفسه. انتقل من احتكار السلطة إلى احتكار الذاكرة، ومن احتكار تعريف الوطن إلى احتكار تعريف الضحية، ومن احتكار القرار إلى احتكار رواية الألم، ثم إلى احتكار تصميم السلام نفسه.

    ذاكرة انتقائية
    حين كانت قرى جنوب السودان تُحرق، كان ذلك، في نظر كثير من النخب، مجرد "مشكلة جنوبية" وحين كانت الطائرات تقصف جبال النوبة، ويُنتشل الأطفال من تحت أنقاض المدارس، اختُزلت المأساة في كلمة واحدة: "تمرد".
    وحين كانت دارفور تحترق، انشغل كثيرون بالأرقام والإحصاءات أكثر من انشغالهم بالبشر الذين كانوا يحترقون
    وحين كانت قرى النيل الأزرق تُهجَّر، كان الصمت أكثر حضوراً من التضامن.
    ولم يقتصر الأمر على اللامبالاة. فقد شارك الكثير من أبناء هذه النخب، بمن فيهم من قدّموا أنفسهم بوصفهم حداثيين أو ثوريين، في إنتاج خطاب يبرر التهميش، ويشكك في عدالة مطالب المهمشين، ويصور مقاومة الضحايا باعتبارها خطراً على الوطن، لا نتيجةً طبيعية لغياب العدالة. لقد كانت الانتهازيةوالاحتيال، أكثر إغراءً من الحقيقة؛ لأن الانحياز إلى المركز كان يفتح أبواب الجامعات، والوظائف، والإعلام، والمنظمات، والأحزاب، والاعتراف الاجتماعي، بينما كان الانحياز إلى العدالة يعني الوقوف خارج منظومة الامتياز.
    لقد كان الألم، في وعي كثير من النخب، يحتاج إلى عنوان جغرافي حتى يكتسب شرعيته، وكانت إنسانية الضحية تُقاس بموقعها من المركز، لا بقيمة الإنسان نفسها.
    ثم جاءت حرب أبريل، فسقط هذا الوهم.
    اكتشف كثيرون، لأول مرة، أن النزوح ليس خبراً، بل اقتلاع من الحياة. وأن اللجوء ليس مصطلحاً قانونياً، بل فقدان للوطن. وأن الجوع، والخوف، وفقدان البيت، وانهيار اليقين، لا تميّز بين طبقة أو إثنية أو دين...
    لكن هذه لم تكن حقائق جديدة، بل كانت التجربة اليومية التي عاشها ملايين السودانيين في جنوب السودان، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، لعقود طويلة.
    المأساة ليست أن النخب تألمت؛ فالألم جزء من التجربة الإنسانية، وقد يكون بداية للتحول. المأساة أنها لم تجعل من تجربتها جسراً لفهم آلام الآخرين، ولم تقرأ ما أصابها بوصفه امتداداً لتاريخ سوداني طويل من الظلم والتهميش، بل تعاملت معه، في كثير من الأحيان، باعتباره بداية التاريخ نفسه!
    ولهذا يبقى الخطر الحقيقي ليس استمرار الحرب وحده، بل استمرار العقل السياسي والأخلاقي الذي لا يعترف بالمأساة إلا عندما تصل إلى بابه، ثم يسعى، بعد ذلك، إلى إعادة إنتاج الدولة التي جعلت تلك المأساة ممكنة منذ البداية للأسف!

    من امتياز السلطة إلى امتياز الضحية
    يذهب المفكر الافروامريكي مايكل إريك دايسون إلى أن الامتياز لا يختفي عندما يتعرض صاحبه للأذى، بل يعيد إنتاج نفسه في صورة جديدة. فالسلطة التي كانت تحتكر تعريف الحقيقة، قد تتحول، بعد الصدمة، إلى سلطة تحتكر تعريف الضحية. وهكذا، لا يصبح السؤال: من تألم؟ بل: من يملك حق تعريف الألم، ومن يملك حق الحديث باسمه، ومن يملك حق رسم المستقبل انطلاقاً منه؟
    وهنا يكمن المأزق الذي تواجهه النخبة السودانية اليوم.
    فبدلاً من أن تدفعها تجربة الحرب إلى مراجعة تاريخ الدولة السودانية، والإصغاء إلى الخبرة التاريخية للشعوب التي عاشت الحرب قبلها في جنوب السودان، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، تتجه إلى التعامل مع تجربتها الخاصة باعتبارها المرجعية الوطنية الأساسية لفهم المأساة وبناء السلام!
    وكأن السودان لم يعرف النزوح قبل نزوح الخرطوم، ولا اللجوء قبل أن يعبر أبناء الوسط النيلي الحدود، ولا الجوع، والقصف، والاغتصاب، والإبادة، والتهجير، قبل أن تطال آثارها المركز.
    وبذلك لا يقتصر الأمر على انتقال مركز الثقل من احتكار السلطة إلى احتكار المأساة، بل يمتد إلى محاولة احتكار الذاكرة نفسها؛ بحيث تصبح تجربة المركز هي المعيار الذي تُقاس به المعاناة الوطنية، وكأن الضحية لا تكتسب الاعتراف الكامل إلا إذا كانت تنتمي إليه.
    غير أن الأخطر من ذلك كله هو محاولة احتكار الدرس المستخلص من الحرب. فمن يحتكر رواية المأساة، يسعى أيضاً إلى احتكار تفسير أسبابها، وتحديد أولويات معالجتها، ورسم ملامح المستقبل الذي ينبغي أن يخرج منها.
    ولهذا نجد ان المبادرات السياسية التي تتقدم بها احزاب وكيانات النخب تنطلق من تجربة حرب أبريل وحدها، لا من التاريخ الكامل للحروب السودانية. وكأن ملايين السودانيين الذين راكموا، عبر عقود، خبرة عميقة في مواجهة الحرب، والنزوح، واللجوء، والتهميش، لا يحملون معرفة سياسية يمكن أن تؤسس لدولة جديدة، بل يُعاد وضعهم في الموقع نفسه الذي فرضته عليهم الدولة القديمة: موضوعاً للتسويات، لا شركاء متساوين في صياغة العقد الاجتماعي الجديد.
    ومن هنا تتحول المبادئ التي طالما ناضلت من أجلها الشعوب المهمشة—المواطنة المتساوية، والعلمانية، والديمقراطية، واللامركزية، والعدالة التاريخية، وحق تقرير المصير، وبناء جيش وطني جديد—من حقوق تأسيسية لا يقوم السلام بدونها، إلى مطالب قابلة للمساومة، أو أوراق تفاوض تُمنح وتُحجب وفق موازين القوة السياسية. وفي هذه اللحظة تحديداً يبدأ السلام في فقدان معناه، لأنه يتحول من مشروع لإعادة تأسيس الدولة على أساس المساواة، إلى محاولة جديدة لإعادة إنتاج الامتيازات التي كانت، منذ البداية، أحد أهم أسباب الحرب.
    وهنا تكمن المعضلة الحقيقية!
    فالنخب التي لم تتعلم من نصف قرن من الحرب في جنوب السودان، ومن عقود القصف في جبال النوبة، ومن الإبادة الجماعية في دارفور، ومن مآسي النيل الأزرق، ورغم ادعاءاتها، فهي لا تزال تحاول بناء السلام بالعقل السياسي نفسه الذي أنتج الحرب!
    ذلك لأن الأزمة، في جوهرها، ليست أزمة حرب، بل أزمة خيال سياسي؛ خيال لا يزال عاجزاً عن تصور سودان يقوم على المساواة الكاملة بين مواطنيه، لا على إعادة توزيع امتيازات المركز.

    لو كانت هذه الحرب قد أحدثت تحولاً حقيقياً في وعي النخب، لكان أول ما قامت به هو الاعتراف بأن الأزمة ليست أزمة حكومات متعاقبة، ولا أزمة جنرالات متنافسين، بل أزمة الدولة السودانية نفسها؛ الدولة التي قامت على مركز يحتكر السلطة والثروة والهوية والثقافة، ويمنح المواطنة الكاملة لفئة، بينما يطالب الآخرين بالصبر، أو الولاء، أو التضحية!
    لكن ما نراه اليوم يكاد يكون إعادة إنتاج كاملة للخيال السياسي القديم.
    فالحلول لا تزال تُصاغ داخل الغرف نفسها، وبالعقول نفسها، وبالأفق السياسي نفسه، ولصالح الامتيازات نفسها التي أدارت السودان منذ الاستقلال.
    لقد تبدلت لغة الخطاب، لكن لم تتبدل بنية التفكير.
    فالسلام، في نظر كثير من هذه النخب، لا يزال يعني إعادة ترتيب السلطة داخل المركز، لا إعادة تأسيس الدولة.
    ولهذا تُؤجل، مرة أخرى، قضية المواطنة المتساوية.
    ويُقدَّم فصل الدين عن الدولة باعتباره قضية خلافية، رغم أن الدولة الدينية كانت أحد أهم محركات الحرب وإنتاج المواطنة غير المتساوية.
    وتُختزل العنصرية البنيوية في شعارات عامة عن "الوحدة الوطنية"، وكأن المشكلة كانت مجرد سوء تفاهم اجتماعي، لا نظاماً تاريخياً لإنتاج الامتيازات.
    أما العدالة التاريخية، فيجري الالتفاف عليها باستبدالها بخطاب تقني بارد عن "العدالة الانتقالية"، وكأن المطلوب هو إدارة آثار الجريمة، لا إزالة البنية التي جعلت الجريمة ممكنة.
    وتظل قضايا الأرض، والموارد، وتقاسم السلطة، والاعتراف بالشعوب الأصلية، وإعادة هيكلة الدولة، خارج النقاش الجاد، لأنها تمس جوهر الامتياز الذي لم ترغب النخبة في التخلي عنه.
    إن الأنانية السياسية التي صنعت الأزمة، هي نفسها التي تحاول اليوم إدارة السلام.

    لماذا يمثل مشروع السودان الجديد المخرج الوحيد؟
    وهنا تحديداً تظهر القيمة التاريخية لمشروع السودان الجديد، لا بوصفه برنامجاً لحركة سياسية بعينها، بل باعتباره أول مشروع فكري وسياسي سعى إلى معالجة جذور الأزمة، بدلاً من إدارة نتائجها.
    لقد انطلق المشروع من سؤال لم تجرؤ النخب التقليدية على طرحه ولاتزال:
    كيف نبني دولة لا يحتاج فيها أي سوداني إلى حمل السلاح حتى يُعترف بإنسانيته؟
    ولهذا طرح مشروع السودان الجديد مبادئ ما تزال النخب تتردد في تبنيها لأنها تمس الامتيازات التي قامت عليها الدولة القديمة.
    - دولة علمانية، لأن حرية الاعتقاد والمواطنة المتساوية لا يمكن أن تتحققا في ظل دولة تمنح الشرعية السياسية لدين
    دون غيره.
    - ودولة ديمقراطية، لأن السلطة لا ينبغي أن تُورث داخل النخب، بل تُكتسب عبر الإرادة الحرة للمواطنين
    ودولة لامركزية حقيقية، لأن السودان ليس إقليماً واحداً بثقافة واحدة، وإنما وطن متعدد الشعوب والثقافات والتواريخ، ولا يمكن حكمه من مركز يحتكر القرار والثروة.
    - وعدالة تاريخية، لا تكتفي بمحاسبة أفراد ارتكبوا الجرائم، بل تعيد توزيع السلطة والثروة والفرص والاعتراف، وتصحح المظالم البنيوية التي تراكمت منذ تأسيس الدولة.
    - وجيش وطني جديد، لا يُبنى على عقيدة حماية المركز أو الدفاع عن امتيازات طبقة بعينها، وإنما على حماية الدستور، والمواطنة، والتعدد، وخضوع المؤسسة العسكرية الكامل للسلطة المدنية الديمقراطية، بحيث يصبح الجيش جيش جميع السودانيين، لا جيش مشروع سياسي أو هوية ثقافية أو مركز جغرافي.
    ولهذا فإن حق تقرير المصير لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة إلى الانفصال، كما درجت الدعاية السياسية التقليدية على تصويره، بل باعتباره إحدى أهم الضمانات الدستورية ضد عودة الهيمنة والاستعمار الداخلي. فالدولة التي تثق في عدالتها لا تخشى حرية مواطنيها، والوحدة التي تقوم على الإرادة الحرة أكثر رسوخاً من الوحدة التي تُفرض بالقوة. فالشعوب لا تتمسك بأوطانها لأنها عاجزة عن مغادرتها، بل لأنها تجد فيها المساواة، والكرامة، والأمن، ومستقبلاً يستحق الدفاع عنه.
    لهذا فإن السلام لا يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، ولا بتشكيل حكومة انتقالية جديدة أيا كانت، ولا بتقاسم السلطة بين النخب، وإنما بقدرة الدولة على أن تضمن، دستورياً ومؤسسياً، المساواة الكاملة بين جميع مواطنيها. يبدأ السلام عندما تصبح حياة طفل في كاودا او نيالا مساوية لحياة طفل في الخرطوم او عطبرة، ليس في الخطابات السياسية، بل في الدستور، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي فرص التعليم، وفي الحماية القانونية، وفي حق كل مواطن في أن يشعر بأن الدولة دولته،
    ولهذا أيضاً لا يمكن بناء سلام مستدام دون دولة علمانية تكفل حرية الاعتقاد والمواطنة المتساوية، ونظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة، ولا مركزية حقيقية تعيد توزيع السلطة والموارد، وعدالة تاريخية تعالج جذور المظالم البنيوية، وجيش وطني جديد يخضع للدستور والسلطة المدنية، ويحمي جميع السودانيين على قدم المساواة، لا أن يحرس امتيازات المركز أو مصالح النخب.
    أما إذا خرجت النخب من هذه الحرب وهي لا تزال تنظر إلى هذه المبادئ باعتبارها مطالب تفاوضية، أو تنازلات سياسية، أو تهديداً للوحدة الوطنية، فإنها لن تكون قد فهمت الدرس الذي فرضته عليها الحرب. وستكون قد استبدلت امتياز احتكار السلطة بمحاولة احتكار رواية المأساة ورسم المستقبل، بينما تظل البنية السياسية التي صنعت الحرب على حالها، تنتظر الظروف المناسبة لتنتج حرباً أخرى.
    لقد منحت هذه الحرب السودان فرصة تاريخية نادرة لمراجعة نفسه. فرصة للاعتراف بأن الألم لا يعرف مركزاً ولا هامشاً، وأن العدالة لا تُجزأ، وأن الوطن لا يُبنى على امتياز جماعة، بل على المساواة الكاملة بين جميع مواطنيه...
    لكن التاريخ لا يمنح الفرصة نفسها مرتين!
    فكل محاولة للعودة إلى معادلات الدولة القديمة، أو لإعادة إنتاجها بوجوه جديدة، ليست خطوة نحو السلام، بل تأجيل للحرب القادمة!
    إن السودان لا يحتاج إلى ترميم الدولة التي انهارت، بل إلى تأسيس دولة جديدة؛ دولة تُبنى على المواطنة، والحرية، والعدالة، والمساواة، لا على الامتياز، والإقصاء، وإدارة الأزمات. ذلك وحده هو الطريق إلى سلام لا يكون هدنة بين الحروب، بل نهايةً للدائرة التي ظل السودان يدور فيها منذ الاستقلال...

    الحريق القادم
    كتب جيمس بالدوين أن الأمة التي ترفض مواجهة تاريخها لا تهرب منه، بل تؤجل لحظة الحساب. وكانت رسالته أن الظلم الذي يُترك بلا مواجهة لا يختفي، بل يعود في صورة أكثر عنفاً.
    والسودان يقف اليوم أمام الحقيقة نفسها.
    إذا أصرت النخب على التعامل مع الحرب التي عاشتها باعتبارها الاستثناء الوحيد، وإذا استمرت في تجاهل ذاكرة الجنوب، وجبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، وشرق السودان، وإذا واصلت محاولات تصميم مستقبل يحمي امتيازاتها أكثر مما يحقق العدالة، فإنها لن تمنع الحرب المقبلة، بل ستكتب مقدمتها بيديها.
    لقد وصل إلي مجتمعات النخب النيلية ما ظل يصل إلى الهامش طوال سبعين عاماً.
    لكن التاريخ لا يسأل إن كنتم قد تألمتم لما يكفي.
    إنه يسأل سؤالاً واحداً فقط:
    هل غيّركم الألم؟
    فإذا كانت الإجابة لا، فإن النار لم تنطفئ بعد!
    وما لم تُبنَ الدولة السودانية الجديدة على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والعدالة التاريخية، وإنهاء العنصرية البنيوية، وإعادة توزيع السلطة والثروة، والاعتراف الكامل بحقوق جميع الشعوب السودانية دون استثناء، فإن ما نعيشه اليوم لن يكون نهاية المأساة، بل مجرد استراحة قصيرة قبل الحريق القادم.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de