منذ أن فتح النيلُ ذراعيه ليحتضن أرض السودان، وتشكّلت في هذا الوادي الخصيب ثقافةٌ سودانيةٌ أصيلة، لم تكن يوماً ثقافة عرقٍ واحد، بل ثقافةَ مركزٍ حضاريٍّ انفتح على العالم واستوعب ما وفد إليه. وبعضهم، بدافع الممانعة العبثية أو الرغبة في نزع الشرعية عنها، سمّاها "ثقافة الوسط والشمال" لاختزال تاريخ أمة في وصفٍ جغرافي ضيق.
لم يتشكل هذا المركز الثقافي بقرارٍ من سلطة، وإنما كان ثمرة عوامل جيوسياسية وتاريخية؛ فقد جعل النيل من الشمال والوسط معبراً للتجارة والأفكار، وربط البحر الأحمر السودان بمحيطه العربي والإسلامي، فكانا معاً شريانين لنقل البشر واللغات والمذاهب. وفي المقابل، احتفظت أقاليم أخرى، بحكم الجغرافيا الوعرة وبعدها عن هذه المسارات، بقدر أكبر من خصوصياتها المحلية؛ وليس في ذلك تفضيلٌ أو انتقاص، بل هو منطق حركة التاريخ.
إن الثقافة السودانية المركزية ليست ثقافة إقصاء، وإنما فضاءٌ يتسع للتنوع ويغتني به؛ فالاستقرار والسلم الأهلي يهيئان بيئةً تتسع فيها اللغة وتتداخل العادات، دون أن تلغي الخصوصيات المحلية. وقد أثرت ثقافة الانفتاح الحضاري هذه تأثيراً بالغاً في تعزيز السلم الاجتماعي في شمال ووسط السودان؛ فلم تسجل المصادر التاريخية الحديثة أن نحو 400 قبيلة يضمها هذا النطاق الواسع قد لجأت إلى حل خلافاتها عبر السلاح، بل سادت بينها آليات التفاهم والتعايش والمصاهرة.
ولم يقتصر أثر هذا الانفتاح على التجارة، بل انعكس في وعي المجتمع بأهمية التعليم؛ فقد بادر أهل الوسط والشمال إلى إنشاء مدارس التعليم الأهلي استشعاراً منهم بأنه المدخل الأهم للترقي الاجتماعي. وكان لهذا الخيار المبكر أثرٌ واضح في تعزيز صلاتهم بالعالم، وترسيخ ثقافة قوامها التعلم، لا الامتياز السياسي أو الرعاية الحكومية. أما إذا رفضنا هذا الميكانيزم الطبيعي في تطور الأمم، فإننا نعاكس تيار التاريخ؛ حينئذ إما أن تبحث الثقافات الأخرى عن مراكز جذب مجاورة، وقد تجد ما يناسبها خارج الحدود، أو أن تدفع أثماناً باهظة وعالية الكلفة في مشاريع انفصالية فاشلة، وللتاريخ دروس بليغة.
غير أن بعض الحركات المسلحة والنخب السياسية في الأقاليم البعيدة عمدت إلى تصوير الثقافة المركزية وكأنها مشروعٌ متعمد للهيمنة، متجاهلةً أن تشكلها سابقٌ على الدولة الوطنية. وعير ذلك تريد اليوم بتمركزها العسكري داخل الفضاء المدني آخذة القانون بيدها أن تخرب هذه الثقافة السلمية المدنية في قلب مركزها. في ذات الوقت لا يعني ذلك إنكار وجود اختلالات حقيقية في التنمية تستحق المعالجة؛ غير أن تحويلها إلى مؤامرة ثقافية أمرٌ جافاه الصواب، فالتنمية مسؤولية الدولة وسياساتها التي قد تقصّر في حق المركز والأطراف على حد سواء.
واللافت أن هذا الخطاب انتهى في محطات عديدة إلى مجرد ورقة تفاوض سياسي؛ فما إن تُفتح أبواب تقاسم السلطة حتى تتراجع الشعارات الكبرى، بينما تبقى المجتمعات تواجه فقر الخدمات، ليتحول الصراع إلى منافسة نخب على النفوذ. أما الحرب الراهنة، التي أشعلت فتيلها مجموعات منغلقة، فقد أثبتت أن مواطني الأطراف يميلون بطبعهم إلى الثقافة المركزية ومؤسسات الدولة؛ إذ نزحت أعداد ضخمة منهم نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني، بوصفه رمزاً متشبثاً بهذه الثقافة الجامعة.
إن واجبنا اليوم ليس هدم هذا المركز الثقافي، بل توسيع دائرته ومعالجة اختلالات التنمية بوصفها قضايا عدالة، لا ذريعةً لتفكيك الهوية الوطنية؛ فالسودان الكبير لا يستقر إلا بثقافة مركزية متجددة، تتسع للجميع وتحول اختلاف روافده إلى قوةٍ تصب في مجرى الوطن الواحد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة