قديماً قال كارل ماركس سادن الشيوعية إن "الدين أفيون الشعوب"، لكنه مات قبل أن يرى عصر السوبر حداثة ويدرك خطل إلحاده؛ فالدين غذاء روحي ضد الأفيون بكل أشكاله. ولو عاش لعدل قوله بلا تردد إلى أن كأس العالم هو الأفيون الحقيقي للشعوب؛ إنه تخدير جماعي ساحر ينسى الفقراء معه جوعهم تسعين دقيقة، بينما تتدفق المليارات في صمت مريب إلى حسابات لا ترى ضوء الشمس.
تُدار اقتصاديات هذه اللعبة بعقلية الكازينو الذي لا يخسر؛ وتدخل الفيفا شريكاً مضارباً يحصد المليارات من حقوق البث، والرعاية، وبيع التذاكر، ويفرض على الدول المستضيفة إعفاءات ضريبية كاملة. أما الدولة المستضيفة فتقع في فخ "البرستيج" فتنفق المليارات على ملاعب عملاقة تتحول بعد البطولة إلى أشباح خرسانية مكلفة الصيانة، لتكون العوائد السياحية مجرد قطرة في بحر الديون التي تستيقظ عليها الشعوب بعد انتهاء الحفلة.
ولم يقف الجشع عند بيع التذاكر وحقوق البث، بل تعدى إلى تشويه قوانين اللعبة ذاتها؛ فتعديلات "الراحة الإجبارية" التي يمررها الفيفا بدعوى سلامة اللاعبين ما هي إلا غطاء لإفساح المجال أمام إعلانات الشركات العابرة للحدود. لقد تحولت عظام اللاعبين وعرقهم إلى مساحات إعلانية فاصلة تبيع الشامبو والمشروبات الغازية لمليارات المستهلكين. وفي فلسفة جلب المال والسيطرة على مفاصل الترفيه العالمي، تتجلى هذه الآليات العولمية كأدوات تعيد تدوير الشغف البشري وتحوله إلى أسهم، وسندات، وعقود احتكار تخدم الرأسمالية الفجة.
وفي قمة الكوميديا السوداء، تأتي مباريات المونديال لتكشف كيف تلعب القوى الاستعمارية بـ "ديمقراطية" مستحدثة. ففي لقاء السنغال بفرنسا، انتظر المشجع الأفريقي أن تصفي السنغال حسابها التاريخي مع مستعمرها، فإذا به يرى أفريقيا تهزم أفريقيا؛ إذ نزل المنتخب الفرنسي بأكثر من ثمانية لاعبين من أصول أفريقية، بينما دخلت السنغال بعشرة لاعبين ولدوا وتدربوا في فرنسا! لقد غير الاستعمار تكتيكه إلى استعمار جيني وكروي؛ تأخذ الأكاديميات الأوروبية المواهب السمراء لتصنع منها نجوماً ترفع راية الديوك، ثم تعيد الفتات إلى المنتخبات الأفريقية. أقدام أفريقية ومهارة أفريقية، لكن الكأس والأرباح تذهب إلى خزائن باريس ولوزان.
أما أن يشارك السودان في هذا الكازينو الليلي فلا مجال لذلك بأي مقياس؛ فالشعب السوداني واقع تحت أفيون آخر أشد فتكاً، هو "الحفر بالإبرة" الذي يستنزف دمه ويشتت جهده في دوامة لا تنتهي وسط عبث مليشيا الدعم السريع والمليشيات المستأنسة التي تسمّت ب"حركات الكفاح المسلح"؟!.
هكذا تحول كأس العالم إلى نادٍ للمصنفين؛ فالشعوب الفقيرة تظل مهمشة لأنها لا تملك أسواقاً مغرية ولا سيولة لبناء ملاعب خيالية، ومع ذلك فإن أبناءها هم من يصنعون متعة اللعبة، ليكونوا مجرد أقدام مستأجرة تحركها أصابع المسيطرين خلف الستار.
ولا يقتصر التنمر على الملاعب؛ فالحكم الصومالي الدولي الذي نال شرف التحكيم، وصل إلى مطار أمريكي بتأشيرة رسمية فتم ترحيله بطريقة مهينة لمجرد أن ملامحه لم تتناسب مع "البروفايل" المطلوب، في رسالة واضحة: أنتم كومبارس، والفيزا التي نمنحها بيد نمزقها باليد الأخرى.
في الختام، يظل كأس العالم العرض الأكبر على الأرض، لكنه عرض يشاهده الفقراء من وراء الشاشات بجيوب فارغة وأعصاب محروقة بينما يجمع السادة أرباحهم؛ فالساحرة المستديرة كرة من جلد تركع شعوباً وتثري أباطرة حد التخمة.. والله غالب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة