منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتوقف المبادرات السياسية، ولم تتوقف اللقاءات والمؤتمرات والموائد المستديرة. تتغير المدن المستضيفة، وتتبدل أسماء المنصات، وتُصاغ وثائق جديدة كل بضعة أشهر، لكن النتيجة تكاد تكون واحدة هي الحرب مستمرة، والدولة تتآكل، والمجتمع يزداد انقساماً، بينما تدور العملية السياسية في حلقة مفرغة تعكس هشاشتها البنيوية أكثر مما تعكس قدرتها على إنتاج الحلول.
تشبه العملية السياسية السودانية اليوم عملية جراحية تُجرى داخل مستشفى تنقطع فيه الكهرباء باستمرار، وينفد فيه البنج قبل اكتمال الجراحة، بينما ينشغل الجراحون بالصراع حول من يقود العملية ومن يوقع على تقريرها النهائي، ويُترك المريض ينزف فوق الطاولة. المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب المبادرات، بل في طبيعة العقل السياسي الذي يديرها. فمعظم القوى السياسية لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة دولة منهارة تحتاج إلى إعادة تأسيس، وإنما باعتبارها أزمة سلطة تحتاج إلى إعادة توزيع. لذلك تتحول العملية السياسية في كل مرة إلى سوق للمحاصصات أكثر من كونها فضاءً لمعالجة جذور الأزمة.
لقد أظهرت الحرب أن السودان يعاني من أزمة دولة وأزمة نخبة وأزمة مشروع وطني. ومع ذلك، لا تزال غالبية الأطراف السياسية تتصرف وكأن المشكلة محصورة في تشكيل حكومة انتقالية أو الاتفاق على ترتيبات دستورية مؤقتة. وهكذا يتم التعامل مع أعراض المرض بينما يظل المرض نفسه دون تشخيص حقيقي.
الأكثر خطورة أن العملية السياسية الحالية تعاني من أزمة تمثيل عميقة. فالكثير من المناطق التي دفعت الثمن الأكبر للحرب والتهميش ما تزال غائبة أو ضعيفة الحضور داخل غرف التفاوض. وتبقى القرارات الكبرى محصورة داخل دوائر ضيقة من النخب السياسية والعسكرية والمدنية التي اعتادت الحديث باسم السودان دون أن تعكس بالضرورة تنوعه الاجتماعي والثقافي والجغرافي. كما أن الخطاب السياسي السائد ما يزال أسير المركزية القديمة التي أنتجت الأزمة منذ الاستقلال. فبدلاً من التفكير في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والمواطنة المتساوية والتنمية المتوازنة، تستمر المعارك حول المواقع والمناصب والتحالفات، وكأن السودان لم يشهد كل هذا الخراب.
ومن مظاهر هشاشة العملية السياسية أيضاً انفصالها المتزايد عن الواقع الاجتماعي. فبينما يتحدث السياسيون عن الترتيبات الانتقالية والوثائق الدستورية، يعيش ملايين السودانيين تحت وطأة النزوح والجوع وانهيار الخدمات وفقدان الأمن. هذه الفجوة بين النخب والشارع تجعل أي عملية سياسية تبدو بعيدة عن هموم الناس، وتضعف شرعيتها الأخلاقية والشعبية. أما المجتمع الدولي والإقليمي، فرغم دوره المهم في دعم جهود السلام، فإنه كثيراً ما يتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق إدارة الصراع لا حله. ويؤدي تعدد المبادرات وتنافس الوسطاء أحياناً إلى تحويل القضية السودانية إلى ساحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، بدلاً من أن تكون عملية وطنية تستمد مشروعيتها من السودانيين أنفسهم.
إن أكبر أوهام المرحلة الراهنة هو الاعتقاد بأن وقف الحرب وحده كافٍ لإنهاء الأزمة. فالحرب ليست سبب الأزمة بقدر ما هي إحدى نتائجها. وحتى لو توقفت المعارك غداً، فإن السودان سيظل يواجه الأسئلة نفسها: كيف تُبنى دولة المواطنة؟ كيف تُعالج اختلالات المركز والهامش؟ كيف يُعاد تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية؟ وكيف يُنتج مشروع وطني يتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والجهوية والقبلية؟
لهذا فإن أي عملية سياسية لا تبدأ بمراجعة نقدية شاملة لمسار الدولة السودانية والنخب التي أدارتها ستكون مجرد هدنة مؤقتة بين جولة وأخرى من الصراع. فالأزمة السودانية ليست أزمة أشخاص يمكن استبدالهم، ولا أزمة حكومات يمكن تغييرها، بل أزمة بنية كاملة تحتاج إلى إعادة تفكير وإعادة تأسيس. السودان اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الموائد السياسية بقدر ما يحتاج إلى شجاعة فكرية وأخلاقية للاعتراف بفشل النماذج القديمة. فالعملية السياسية التي لا تملك القدرة على نقد نفسها ستتحول إلى جزء من الأزمة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل. وعندما تصبح العملية السياسية مجرد وسيلة لإعادة إنتاج النخب نفسها، فإنها تفقد معناها، ويتحول السلام إلى شعار، بينما يستمر النزيف في جسد الوطن.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة