الحزب الشيوعي السوداني بين خطاب الثورة وواقع التاريخ: قراءة في مذكرة أديس أبابا كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-14-2026, 08:43 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
06-08-2026, 11:10 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 278

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
الحزب الشيوعي السوداني بين خطاب الثورة وواقع التاريخ: قراءة في مذكرة أديس أبابا كتبه خالد كودي

    11:10 AM June, 08 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر






    8/7/2026 ، بوسطن

    ماذا تقول مذكرة الحزب الشيوعي السوداني؟
    تأتي مذكرة الحزب الشيوعي السوداني المقدمة إلى اللجنة الخماسية في أديس أبابا في سياق سعي بعض القوى السياسية إلى إعادة تعريف العملية السياسية بعد حرب 15 أبريل 2023. ويمكن تلخيص أبرز ما تطرحه المذكرة في النقاط التالية:
    - تعتبر أن اجتماعات أديس أبابا ليست مفاوضات سياسية، وإنما مجرد مشاورات استكشافية لجمع الآراء حول تصميم العملية السياسية.
    - ترفض ادعاء أي قوة سياسية أو مدنية تمثيل الشعب السوداني أو التحدث باسمه.
    - تؤكد أن الشرعية السياسية يجب أن تستند إلى القوى التي أنجزت ثورة ديسمبر 2018 ومواثيقها وشعاراتها.
    - تدعو إلى حصر أطراف العملية السياسية في ما تسميه قوى الثورة، مع استبعاد طرفي الحرب وحلفائهما السياسيين والمدنيين.
    - ترى أن العملية السياسية يجب أن تظل ملكاً للجماهير وتنظيماتها القاعدية من عمال ومزارعين ومهنيين ونساء وشباب ولجان مقاومة ونازحين ولاجئين.
    - تطالب بأن يكون دور الآليات الإقليمية والدولية دوراً مساعداً ومسهلاً فقط، لا دوراً مقرراً أو موجهاً للعملية السياسية
    - تشدد على ضرورة وقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية وربط أي تسوية سياسية بمبدأ المساءلة والمحاسبة.
    - تحذر من إعادة إنتاج الشراكات السياسية السابقة التي أعقبت ثورة ديسمبر، ومن السياسات الاقتصادية التي تربطها بالخصخصة والسوق الحر.
    وبصورة عامة، تنطلق المذكرة من فرضية مركزية مفادها أن ثورة ديسمبر 2018 ما تزال تمثل المصدر الرئيسي والوحيد تقريباً للشرعية السياسية في السودان، وأن أي عملية سياسية ناجحة يجب أن تُبنى على قواها ومواثيقها ورؤيتها للتحول المدني الديمقراطي.

    أولاً: التناقض بين الماركسية والجمود السياسي
    من المفارقات اللافتة أن المذكرة تتبنى موقفاً يناقض أحد أهم مرتكزات الفكر الماركسي نفسه.
    فماركس لم ينطلق من الرغبات الأخلاقية أو التصورات المسبقة، وإنما من تحليل الواقع المادي كما هو. وقد كتب في الأيديولوجيا الألمانية" أن البشر يصنعون تاريخهم في شروط واقعية محددة، لا في الظروف التي يختارونها بأنفسهم.
    بمعنى آخر، فإن نقطة البداية في أي تحليل ثوري ليست ما ينبغي أن يكون، وإنما ما هو قائم بالفعل.
    لكن المذكرة تفعل العكس تماماً.
    فهي تنطلق من تصور أن الشرعية السياسية ما تزال حكراً على قوى ديسمبر كما عرفتها البلاد قبل الحرب، بينما تتجاهل أن حرب أبريل نفسها كانت حدثاً تاريخياً ضخماً أعاد تشكيل المجتمع والدولة وموازين القوة بصورة جذرية.
    إن الماركسي الحقيقي يبدأ بتحليل القوى الموجودة فعلاً على الأرض، بينما تبدأ المذكرة من القوى التي تتمنى استمرارها!

    ثانياً: وهم العودة إلى ديسمبر 2018
    أكبر مشكلة في المذكرة أنها تتعامل مع ثورة ديسمبر كما لو أنها لحظة تاريخية متجمدة!
    فالتاريخ لا يعود إلى الوراء ابدا يا زملاء!
    الثورة الفرنسية لم تتوقف عند لحظة سقوط الباستيل.
    والثورة الروسية لم تتوقف عند مظاهرات فبراير 1917
    والثورة الصينية لم تتوقف عند انتفاضات المدن الأولى.
    كل الثورات الكبرى دون استثناء، مرت بمراحل جديدة أنتجت قوى وتحالفات ووقائع لم تكن موجودة عند بدايتها
    ولهذا ينسب ان لينين كان يكرر دائماً أن:
    "التحليل الملموس للواقع الملموس هو الروح الحية للماركسية"
    أما المذكرة فتتعامل مع السودان وكأن الزمن السياسي توقف في ديسمبر 2018
    لكن السودان الذي خرج من الحرب ليس هو السودان الذي دخلها، وغير ذلك محض "غلاط ساكت"!
    لقد ظهرت قوى جديدة، وتحالفات جديدة، ومراكز نفوذ جديدة، وملايين من النازحين والمقاتلين والمجتمعات المحلية التي أصبحت جزءاً من المعادلة السياسية شاءت النخب القديمة أم أبت، شيوعيين كانوا ام شعراء او عمال دريسة او حتي ضاربي رمل!

    ثالثاً: من يمثل الشعب؟
    تؤكد المذكرة بصورة صحيحة أن أياً من القوى السياسية لا يملك حق الادعاء بأنه يمثل الشعب السوداني بأكمله.
    لكنها تقع مباشرة في التناقض ذاته.
    فبعد أن ترفض احتكار التمثيل، تعود لتقرر أن العملية السياسية ينبغي أن تنحصر في "القوى التي أنجزت ثورة ديسمبر"
    السؤال البسيط هنا:
    من يحدد من أنجز الثورة؟
    ومن يملك حق منح هذه الشهادة أو سحبها اصلا؟
    وهل الملايين الذين يعيشون اليوم في مناطق الحرب، أو الذين التحقوا بمشاريع سياسية جديدة، أو الذين يؤيدون رؤى مختلفة للدولة، خرجوا تلقائياً من دائرة الشعب؟
    إذا كانت الشرعية ملكاً للشعب كله، فلا يمكن حصرها في تفسير سياسي واحد لتاريخ ثورة ديسمبر، ولا شنو؟

    رابعاً: مفارقة استبعاد القوى الفاعلة
    تدعو مذكرة الحزب الشيوعي السوداني إلى استبعاد طرفي الحرب وحلفائهما من العملية السياسية. وهنا تبرز واحدة من أكبر التناقضات في الوثيقة. فالحروب الأهلية والصراعات الكبرى لا تنتهي باستبعاد القوى التي خاضتها، بل بالاعتراف بأنها أصبحت جزءاً من الواقع السياسي والعسكري والاجتماعي الذي لا يمكن تجاوزه، سواء اتفقنا معها أم اختلفنا.
    فلم تنته الحرب الأهلية في جنوب أفريقيا بإقصاء الأطراف المتصارعة، ولم تُحل أزمة إيرلندا الشمالية باستبعاد الجيش الجمهوري الإيرلندي، ولم تنته حروب السلفادور وغواتيمالا وموزمبيق بإبعاد الحركات المسلحة من التفاوض. بل قامت التسويات في كل هذه الحالات على الاعتراف بالقوى الفاعلة على الأرض وإدماجها في ترتيبات سياسية جديدة.
    والمفارقة أن هذا الدرس تؤكده أيضاً تجارب الثورات الشيوعية نفسها. فالبلاشفة في روسيا لم يبنوا الدولة الجديدة عبر استبعاد جميع خصومهم من المعادلة السياسية منذ البداية، بل اضطروا إلى عقد تحالفات وتسويات والتعامل مع واقع معقد فرضته الحرب الأهلية. كما أن الشيوعيين الصينيين لم يصلوا إلى السلطة عبر تجاهل القوى الأخرى، بل من خلال بناء جبهات وتحالفات واسعة والتعامل البراغماتي مع موازين القوى القائمة. وحتى في فيتنام وكوبا، لم يكن الانتصار نتيجة تجاهل الواقع، بل نتيجة فهمه والتعامل معه كما هو.
    لكن المفارقة الأعمق ليست في تاريخ الثورات الشيوعية العالمية، بل في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني نفسه. فالحزب الذي يدعو اليوم إلى استبعاد القوى العسكرية من العملية السياسية كان جزءاً من تحالف قوى الحرية والتغيير الذي قاد التفاوض مع المجلس العسكري بعد سقوط نظام البشير عام 2019. ولم تكن الوثيقة الدستورية أو مجلس السيادة أو ترتيبات الانتقال نتاج تفاوض بين قوى مدنية خالصة، بل نتاج تسوية سياسية مباشرة مع المكون العسكري الذي كان يسيطر على الدولة والسلاح وموازين القوة.
    قد يكون الحزب قد اختلف لاحقاً مع تلك التجربة وانسحب منها وانتقدها، وهذا حقه السياسي الكامل، لكن ذلك لا يغير حقيقة أنه قبل في ذلك الوقت بمبدأ التفاوض مع القوة الفعلية الموجودة على الأرض، ولم يطرح استبعادها من العملية السياسية باعتباره شرطاً مسبقاً لأي انتقال. بل إن جوهر الخلاف آنذاك كان يدور حول طبيعة التسوية وحدودها، لا حول مبدأ التفاوض نفسه... ولا شنو؟
    ومن هنا يظهر التناقض: فإذا كان التفاوض مع القوى المسيطرة على الأرض مقبولاً عندما كان الجيش جزءاً من معادلة 2019، فلماذا يصبح مرفوضاً من حيث المبدأ عندما يتعلق الأمر بالقوى التي أفرزتها حرب 2023؟
    وإذا كانت السياسة في 2019 قد اقتضت التعامل مع موازين القوى كما هي، فلماذا تصبح السياسة في 2026 مطالبة بتجاهل هذه الموازين؟
    إن الدعوة إلى استبعاد القوى التي تسيطر على الأرض وتمتلك السلاح وتحظى بامتدادات اجتماعية وسياسية مؤثرة ليست فقط دعوة طوباوية، بل هي تجاهل لواحد من أبسط دروس التاريخ: لا يمكن إنهاء الحروب بالتفاوض مع من لا يملكون الحرب، ولا يمكن بناء السلام بإقصاء الأطراف القادرة على تعطيله. ولذلك فإن أي عملية سياسية تستبعد القوى الفاعلة لن تقود إلى تسوية حقيقية، بل إلى إعادة إنتاج الأزمة في دورة جديدة من الصراع وعدم الاستقرار.

    خامساً: الطوباوية الثورية وتضليل الجماهير
    تقوم مذكرة الحزب الشيوعي على افتراض وجود كتلة ثورية نقية ومتجانسة تمتلك وحدها حق تمثيل الثورة وصياغة مستقبل السودان. غير أن هذا الافتراض لا يسنده التاريخ ولا الواقع. فالثورات الكبرى لم تُصنع يوماً بواسطة قوى نقية ومتطابقة، بل عبر تحالفات واسعة ومتغيرة ضمت قوى اجتماعية وسياسية متباينة، كما حدث في الثورة البلشفية والثورة الصينية وحركات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا.
    ولهذا فإن الحديث عن "القوى الحقيقية للثورة" في مقابل بقية المجتمع ليس توصيفاً سياسياً دقيقاً، بل تعبير عن نزعة أيديولوجية تفترض وجود فاعل ثوري يحتكر تمثيل الشعب وإرادته. والمشكلة أن هذا الخطاب لا يكتفي بتبسيط الواقع، بل يضلل الجماهير حين يوهمها بأن بناء دولة جديدة يمكن أن يتم عبر مجموعة مختارة من القوى المتفقة سلفاً، مع تجاهل التوازنات الفعلية والانقسامات والمصالح القائمة في المجتمع.
    فالسياسة لا تُبنى على القوى التي نتمنى وجودها، بل على القوى الموجودة فعلاً. والانتقال الديمقراطي لا يتحقق عبر استبعاد كل من لا ينسجم مع تعريف مسبق للثورة، وإنما عبر إدارة التناقضات والتفاوض حولها وتحويلها إلى عقد سياسي جديد
    وتبدو هذه الطوباوية أكثر وضوحاً في الحالة السودانية، لأن الحرب نفسها أعادت تشكيل الخريطة السياسية والاجتماعية للبلاد. فقد ظهرت قوى جديدة، وتغيرت موازين النفوذ، وانتقلت قطاعات واسعة من المجتمع من موقع التابع إلى موقع الفاعل. ولذلك فإن التمسك بصورة مثالية لقوى الثورة كما كانت في عام 2018 لا يمثل قراءة للواقع، بل محاولة للهروب منه.
    إن السؤال الموضوعي اليوم ليس: من هو الثوري الحقيقي ومن هو الثوري الزائف؟ بل: كيف يمكن بناء دولة تستوعب السودان كما أصبح لا كما كان؟ أما البحث عن "الثورة النقية" و"القوة الثورية الخالصة" فليس مشروعاً سياسياً، بل وهم أيديولوجي أثبت التاريخ مراراً أنه يقود إلى العزلة أكثر مما يقود إلى التغيير.

    سادساً: ما الذي تتجاهله المذكرة؟
    تكمن إحدى أكبر نقاط الضعف والارتباك في مذكرة الحزب الشيوعي السوداني في أنها ما تزال تتعامل مع الأزمة السودانية باعتبارها أزمة انتقال مدني ديمقراطي تعثر بسبب انقلاب أو حرب. لكن الأحداث تجاوزت هذا التشخيص منذ زمن. فالسودان اليوم لا يواجه فقط سؤال: من يحكم؟ أو كيف يحكم؟ بل يواجه سؤالاً أكثر جوهرية وخطورة: ما هي الدولة التي ينبغي أن تُحكم أصلاً؟
    لقد أمضى الحزب الشيوعي والقوى السياسية التقليدية عقوداً طويلة في الجدل حول الديمقراطية والدستور والحريات العامة والبرامج الاقتصادية والعلاقة بين المدنيين والعسكريين. غير أن الحرب الأخيرة دفعت السودان إلى مستوى مختلف من الأسئلة. فلم يعد الخلاف الأساسي يدور حول شكل الحكومة أو طبيعة الفترة الانتقالية، بل حول الأسس التي قامت عليها الدولة السودانية نفسها منذ الاستقلال.
    فالسؤال اليوم يتعلق بطبيعة الدولة، وبعلاقتها بالتعدد القومي والثقافي والديني، وبموقع الدين في المجال العام، وبالمواطنة المتساوية، وبالعدالة التاريخية، وبإعادة توزيع السلطة والثروة، وبإعادة بناء المؤسسة العسكرية، وبالضمانات التي تجعل الوحدة الوطنية خياراً طوعياً وعادلاً لا استمراراً لعلاقات الهيمنة القديمة.
    والمفارقة أن الحزب الشيوعي ليس غريباً عن هذه القضايا. فقد كان من أكثر القوى السياسية التي انتقدت هيمنة المركز، وتحدثت عن التهميش والتنمية غير المتوازنة وأزمة القوميات السودانية. لكن المذكرة الحالية تعكس تراجع عن هذا الإرث النقدي، لتعود إلى لغة الانتقال السياسي التي سادت بعد ثورة ديسمبر، متجاهلة أن الحرب قد فتحت أسئلة أعمق بكثير من مجرد تشكيل حكومة مدنية أو إدارة فترة انتقالية.
    وهنا يبرز سؤال مشروع يصعب تجاهله: لماذا يتجنب الحزب الخوض بوضوح في القضايا التأسيسية التي أصبحت اليوم في قلب الصراع السوداني؟ ولماذا يركز على من يشارك في العملية السياسية والاجراءات أكثر من تركيزه على طبيعة الدولة التي ينبغي أن تنتجها هذه العملية؟
    وهل يعود هذا التردد إلى خشية حقيقية من النتائج التي قد تترتب على فتح ملف إعادة تأسيس الدولة؟ فالإجابة الجادة على أسئلة العدالة التاريخية واللامركزية الجذرية وإعادة توزيع السلطة والثروة تعني بالضرورة إعادة النظر في البنية التي حكمت السودان لعقود، وفي مراكز القوة والنفوذ التي تركزت تاريخياً في الخرطوم ومحيطها. كما تعني الاعتراف بأن مركز المبادرة السياسية قد لا يبقى حكراً على النخب والمؤسسات التقليدية التي اعتادت احتكار تعريف الوطن وتحديد مستقبله
    ولعل أكثر ما تكشفه المذكرة أنها ما تزال تنظر إلى الأزمة من زاوية السلطة، بينما أصبحت الأزمة في جوهرها أزمة دولة. فهي تتحدث بإسهاب عن أطراف العملية السياسية، لكنها تكاد تتجنب الإجابة عن السؤال الأهم: ما هو السودان الذي نريد بناءه بعد الحرب؟
    إن المشكلة ليست أن المذكرة قدمت إجابات خاطئة على الأسئلة التأسيسية، بل أنها تجنبت هذه الأسئلة أصلاً. ولذلك تبدو وكأنها تحاول إعادة السودان إلى مرحلة تجاوزتها الحرب، مرحلة كان الصراع فيها يدور حول الحكومة الانتقالية وترتيبات الحكم، بينما أصبح الصراع اليوم يدور حول تعريف الدولة نفسها وشروط بقائها.
    ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه إلى الحزب الشيوعي ليس: من ينبغي أن يشارك في العملية السياسية؟ بل: ما هي رؤيتكم للدولة السودانية الجديدة؟ وكيف ستُعالج جذور الأزمة التاريخية التي أنتجت الحروب والانقسامات المتكررة؟ لأن السودان لم يعد يواجه أزمة حكومة تبحث عن شرعية، بل أزمة دولة تبحث عن أساس جديد للشرعية وللوجود نفسه.

    أخيرا:
    إن المعضلة الأساسية في مذكرة الحزب الشيوعي السوداني أنها تتحدث باسم الثورة، لكنها ترفض الاعتراف بالتحولات التي صنعتها الثورة والحرب معاً. وتستدعي الماركسية بوصفها مرجعية فكرية، بينما تتجاهل أبسط دروسها: أن السياسة تبدأ من تحليل الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون، وأن التاريخ لا يتوقف عند اللحظة التي نحبها أو نعتبرها مصدر شرعيتنا
    فالحزب الذي ظل لعقود يهاجم خصومه بتهمة الجمود الفكري، يقع اليوم في الفخ نفسه. فهو يتعامل مع السودان وكأن الزمن السياسي توقف في ديسمبر 2019، وكأن حرباً استمرت سنوات، وغيرت موازين القوى، وأعادت تشكيل المجتمع والدولة، لم تقع أصلاً. ولهذا تبدو المذكرة أقرب إلى محاولة الدفاع عن واقع انتهى، لا إلى محاولة فهم واقع جديد يتشكل أمام الجميع.
    والحقيقة التي ترفض المذكرة مواجهتها هي أن السودان اليوم لم يعد منقسماً بين قوى الثورة وأعدائها كما كان يُصوَّر في الخطاب القديم، بل يقف أمام تنافس بين مشروعين سياسيين كبيرين: مشروع يسعى إلى إصلاح الدولة القائمة، ومشروع يسعى إلى إعادة تأسيسها من جذورها. وسواء اتفق الحزب الشيوعي مع هذا الواقع أو اختلف معه، فإنه لا يستطيع إلغاءه بمجرد تجاهله أو استبعاده من معادلاته السياسية... وسياتي وقت الاختيار قريبا!
    لقد علمنا التاريخ أن الثورات لا تنتصر لأنها تمتلك الخطاب الأكثر نقاءً أو الرواية الأكثر جاذبية، بل لأنها تمتلك القدرة على قراءة التحولات الجديدة وفهم موازين القوى الناشئة أكثر من خصومها. أما الإصرار على تفسير سودان 2026 بأدوات وتحالفات ومفاهيم سودان 2019، فليس موقفاً ثورياً، بل شكل من أشكال الحنين السياسي المثالي الذي يحاول الهروب من الواقع بدلاً من التعامل معه.
    ولو أخذ الحزب الشيوعي دروس الماركسية التي يرفعها مأخذ الجد، لأدرك أن الواقع لا يُعاقب لأنه لم يلتزم بالنظرية، بل إن النظريات هي التي تصبح عديمة القيمة عندما تعجز عن تفسير الواقع المتغير. وهذه بالضبط هي الأزمة التي تكشفها مذكرة أديس أبابا.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de