(١) سبق أن عالجنا كيفية تنفيذ مشروع القوى الثورية التي أنجزت ثورة ديسمبر المجيدة، في مقالات ثلاث منشورة، بعناوين "كيف يوقف المدنيون الحرب؟" و" لا انتقال دون هدم وبناء" و "ما العمل " و "في ماهية الانتقال وسلطته". ولكن لراهنية الأسئلة المهمة التي يثيرها موضوع تحالف القوى المدنية وخط التحالف السياسي وآليات التنفيذ، تصبح زيارة هذا الخط مجددا ضرورة ملحة، حتى لا يقال بأن ما كتبناه في مقالنا الأخير بعنوان (لا تحالف بدون تحديد العدو وعزله"، مجرد تهويمات نظرية تقود إلى عزلة مضادة، او تنظير صحيح دون آليات تنفيذ. ومثل هذا النشاط الذي يؤسس لوضع خارطة طريق للقوى المدنية، ينطلق من أسس مبنية على مشروع الثورة وشعاراتها، التي يعتبر العمل على تحقيقها هو الجذرية نفسها كما سبق أن أكدنا وفصلنا في مقالات سابقة. وأساس هذه الخارطة ينطلق من أن تحديد عدو الثورة وعزله هو الأساس لأي تحالف، وأن التحالف لا بد أن يكون قاعديا لا فوقيا بين القوى التي أنجزت الثورة فعليا وملأت الشوارع وفتحت صدورها للرصاص، وأن وصول ممثليها إلى السلطة يقيم واجبهم في هدم النظام السابق وتحطيمه وإزالة آثاره لا الشراكة مع قواه الضاربة بشرعية ثورية تقصي القوى المعادية للثورة، وبناء دولة الانتقال بشرعية ديمقراطية شعبية أساسها برلمان الثورة الذي منعت قوى الثورة من تشكيله في فترة سلطة شبه المدنية الخاضعة لسيطرة عسكر الإنقاذ. وبكل تأكيد لا يمكن وضع خارطة طريق لتحقيق أهداف الثورة دون أن نوضح مجددا كيف يوقف المدنيون الحرب. (٢) فالمدنيون يستطيعون وقف الحرب وإلزام طرفيها بإيقافها، عبر اتخاذ ما يلي من إجراءات: أ. رفض الحرب علنا ورفض شرعنتها أو الانخراط فيها، وبالتالي حرمانها من اي بعد شعبي داعم لاستمرارها. ب. رفض التعبئة والتجييش والانخراط في صفوف أي من الطرفين، برفض تعبئة وأكاذيب المليشيا واستنفار الجيش المختطف أو مقاومته الشعبية المزعومة، وحرمان الحرب من وقودها البشري ودعمها السياسي المجتمعي. ج. التصدي لدعاية الحرب وفضحها ومنعها من التغلغل وسط الجماهير، ومحاصرة مزاعم الجنجويد حول دعم الديمقراطية والتحول الديمقراطي، مع فضح مزاعم المقاومة الشعبية المعلنة من قيادة الجيش المختطف والتفرقة بينها وبين حق الدفاع الشرعي عن النفس. د. الرفض البات للانخراط في العمل العسكري أو في دعمه ودعم استمراره بأي صورة من الصور. هـ. رفض التعاون مع سلطة الأمر الواقع غير الشرعية الناتجة عن انقلاب أكتوبر ٢٠٢١م تحت كل الظروف، مع رفض التعاون مع مليشيا الجنجويد ومنعها من التحول إلى سلطة أمر واقع كذلك. أي حجب الشرعية عن الطرفين والاستمرار في هذا الحجب وتوفير مقوماته. و. توفير مقومات الصمود للجماهير خارج إطار التعاون مع الطرفين المتحاربين، ومن خلال التعامل فقط معهما كسلطة أمر واقع، وذلك عبر تكوين مؤسسات الصمود بداخل وخارج البلاد حتى تتمكن الجماهير من إعادة تنظيم نفسها. ز. بناء جبهة الجماهير القاعدية وتكوين سلطتها السرية، التي تعمل كسلطة شرعية بديلة تكرس واقع جديد ما بعد الحرب، قوامه طرد الطرفين من المعادلة السياسية، وقيادة الجماهير لإسقاط أي سلطة أمر واقع تنتج عن الانتصار الكامل في الحرب أو التسوية بين الطرفين المتحاربين. ح. القيام بفعل سياسي فاعل داخل وخارج البلاد، يلزم المجتمع الدولي بالضغط من أجل ايقاف الحرب ومنع رسملة نتائجها سياسيا، ورفض الاعتراف بأي سلطة تنتج عن الانتصار أو التسوية، مع الاعتراف بسلطة الجبهة القاعدية كبديل جماهيري مدني للطرفين المتحاربين. ط. تجهيز تكتيكات وآليات العمل المجربة لاستخدام العصيان المدني والإضراب السياسي العام، لإسقاط أي سلطة أمر واقع قادمة تنتج عن انتصار او تسوية. وهنا لا بد من التنويه إلى أن هذه الأدوات مازالت صالحة لإسقاط الحكومات، لا لوقف الحرب، إلا في حال أنها رمت إلى إسقاط سلطة الأمر الواقع الراهنة وفرض إرادتها كسلطة بديلة على الطرف الآخر للحرب، وتعقيدات مثل هذا الافتراض كثيرة. (٣) فالانتقال لا يتم إلا عبر تفكيك وإزالة التمكين، وتحقيق شعار ثورة ديسمبر المجيدة لبناء دولة جميع المواطنين، باعتبار أن "الثورة خيار الشعب، حرية سلام وعدالة " وأن "الثورة ثورة شعب والسلطة سلطة شعب والعسكر للثكنات والجنجويد ينحل". وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بفهم أن الثورة عملية هدم بشرعية ثورية، وبناء بشرعية ديمقراطية. والهدم في حالتنا الماثلة لا يتم إلا في ظل سلطة مدنية كاملة، لا وجود لعسكريين فيها، وخصوصا جنرالات النظام السابق الواجهة والمختطفين الجيش لمصلحة الجماعة المصنفة كمنظمة إرهابية، وإخضاع الجيش لها إخضاعا كاملاً، بحيث تقوم بإعادة هيكلته وبنائه من جديد، ليصبح أداة فاعلة يواكب إعادة هيكلتها حل مليشيا الجنجويد الإرهابية لا دمجها في الجيش الجديد. فالمدخل لأي انتقال هو إعادة هيكلة الجيش من قبل سلطة مدنية خالصة تمثل الثورة ممثلة في الجبهة القاعدية، والسيطرة عليه وعلى اقتصاده الموازي، وحل جهاز أمن الجماعة المسمى الأمن الوطني زوراً وبهتانا، مع حل المليشيا الإرهابية أيضاً، بوصف أن هذا الثلاثي هو القوة العسكرية والأمنية الضاربة للتمكين، الحامية له والمانعة من أي تحول أو انتقال. فإجراء الهدم هذا ضرورة حتمية لحدوث أي انتقال، وتجربة ما بعد انقلاب القصر والوثيقة الدستورية المعيبة تؤكد ذلك، وتوضح أن الإبقاء على جهاز أمن الإنقاذ ليصبح عين سلطة الانتقال الوهمي، وشراكة الدم مع الجيش المختطف بدلا من إعادة هيكلته بعد إخضاعه لسيطرة قوى الثورة، وإدخال المليشيا المصنوعة لقتل المواطنين في الشراكة، لن يؤدي لأي انتقال بل سيقود إلى احتواء الثورة ومنع الانتقال توطئة لتصفية الثورة وتثبيت التمكين لا إعادته كما يتردد. لذلك أي مبادرة تشتمل على وجود أي جسم عسكري في السلطة، هي مبادرة لمنع الانتقال لا لصنعه. والتلويح بأن الانتخابات من الممكن أن تصبح أداة للانتقال قبل تفكيك كامل للنظام بإرادة ثورية انتقالية تصنع عدالتها وفقا لشروطها، هو دفاع كامل عن التمكين قولا واحداً. فالانتخابات لا تصبح وسيلة انتقال أو تحول إلى دولة ديمقراطية في ظل دولة يشارك في إدارتها عسكر التمكين، وجهاز أمن التمكين، ومليشيا التمكين، ولا يمكن أن تقود لانتقال ومن يديرها هو أجهزة التمكين من الخدمة المدنية المختطفة والأجهزة العدلية المسيسة والمسيطر عليها من قبل المنظمة الإرهابية. فقبل قيام أي انتخابات، لا بد من إخراج الجيش من السياسة وإعادة هيكلته، وإخراجه مع جهاز الأمن من دائرة النشاط الاقتصادي، وإعادة جميع شركاتهما إلى وزارة المالية لحكومة مدنية خالصة، واستعادة الأموال التي تحت حوزتهما لخزينة الدولة، وحل مليشيا الجنجويد الإرهابية واستعادة الأموال التي تحت إيديها أيضاً، حتى لا تتحول الأموال لأموال انتخابية لشراء الأصوات، ولا تتحول السيطرة على الأجهزة العسكرية والأمنية والخدمة المدنية لأداة في يد المنظمة الإرهابية أمريكياً وواجهاتها وتوابعها والقوى المنقسمة عنها للوثوب إلى السلطة وإعادة تدوير التمكين بوجوه جديدة. فاستعادة الأموال المنهوبة وتهديم الاقتصاد الموازي الذي بنته المنظمة المذكورة وتفكيك شبكاته المحمية أمنياً وعسكرياً، شرط أولى لنجاح أي تحول ديمقراطي عبر الانتخابات، والتلويح بالانتخابات قبل تحقيقه، يعني دعوى للانتخابات في ظل
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة