سبعة أعوام مرت على فض اعتصام القيادة العامة الدم لا يشيخ والعدالة لا تسقط بالتقادم سبعة أعوام مرت منذ ذلك الصباح الأسود الذي استيقظ فيه السودانيون على واحدة من أكثر الصفحات إيلاماً في تاريخهم الحديث. سبعة أعوام مرت، لكن الدم لم يجف في الذاكرة، والصور لم تغادر الوجدان، والجرح لم يلتئم، لأن الأوطان لا تنسى أبناءها الذين سقطوا وهم يحلمون بالحرية والسلام والعدالة.
لقد ظل الجدل يدور طويلاً حول سؤال: من الذي نفذ عملية فض الاعتصام؟ لكن السؤال الأعمق والأخطر ظل معلقاً فوق رؤوس الجميع: من الذي أصدر الأمر؟ من الذي قرر أن تواجه أحلام الشباب بالقوة؟ من الذي فتح الباب أمام المأساة ثم ظن أن الزمن كفيل بإغلاق الملف؟
إن القانون لا يحاسب الأصابع التي تضغط على الزناد وحدها، بل يحاسب أيضاً العقول التي خططت، والسلطات التي أمرت، والقيادات التي سمحت أو قصّرت أو غضّت الطرف. فالمسؤولية لا تتوقف عند المنفذ، بل تمتد إلى كل من كان في موقع يتيح له المنع فلم يمنع، أو المحاسبة فلم يحاسب. لقد أورثك حلم أبيك أن تكون حاكماً؛ وللحكم تبعاته ومسؤولياته، وتبقى مجزرة الاعتصام أثقلها وأعظمها. فإن كنت قد قبلت إرث السلطة، فعليك أن تتحمل كذلك مسؤولية ما أُريق فيها من دماء.
في ذكرى فض اعتصام القيادة العامة، لا نتحدث عن حادثة عابرة في سجل السياسة السودانية، بل عن اتهامات بانتهاكات جسيمة هزت ضمير الأمة: قتلى سقطوا بلا ذنب سوى أنهم طالبوا بوطن أفضل، ومفقودون ما زالت أسرهم تبحث عن إجابات، وادعاءات عنف جنسي وانتهاكات مروعة للكرامة الإنسانية، وآلام ما زالت تسكن قلوب آلاف السودانيين الذين شاهدوا الحلم الوطني يُستهدف في أكثر لحظاته نقاءً.
لقد ظن البعض أن الرصاص قد يقتل الشهود، وأن الخوف قد يخرس الناجين، وأن السنوات كفيلة بإرهاق المطالبين بالعدالة. لكن ما لم يدركوه هو أن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى. وأن الذاكرة الوطنية لا تُغرق في الأنهار، ولا تُدفن تحت ركام الصمت، ولا تُمحى بمرور الزمن.
سبعة أعوام كاملة، وما زال السؤال نفسه يطارد الضمائر: من يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن تلك المأساة؟ ومن يملك الشجاعة للإجابة أمام الشعب وأمام التاريخ؟
إن الجرائم الجسيمة ضد حقوق الإنسان ليست أحداثاً موسمية تنتهي بانتهاء نشرات الأخبار. إنها جراح مفتوحة تظل تنزف حتى تتحقق الحقيقة. ولهذا فإن مبدأ عدم الإفلات من العقاب ليس ترفاً قانونياً، بل هو حجر الأساس لأي دولة تحترم نفسها وتحترم مواطنيها. فلا استقرار بلا عدالة، ولا مصالحة بلا حقيقة، ولا مستقبل آمناً فوق مقابر الأسئلة المؤجلة.
إن الذين ينتظرون من أسر الضحايا أن تنسى، يطلبون المستحيل. والذين يراهنون على أن العدالة يقتلها الزمن يراهنون على وهم. فالحقوق لا تموت بالتقادم، والدماء لا تصبح مباحة بمرور السنوات، والذاكرة لا تخضع لمراسيم النسيان.
في الذكرى السابعة لفض اعتصام القيادة العامة، لا ينبغي أن يكون الموقف هو الحزن فقط، بل الإصرار. الإصرار على كشف الحقيقة كاملة غير منقوصة. الإصرار على محاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون. الإصرار على أن تكون كرامة الإنسان السوداني خطاً أحمر لا يجرؤ أحد على تجاوزه مرة أخرى.
فالتاريخ يراقب. والضحايا حاضرون في ضمير الوطن. والعدالة، مهما تأخرت، تظل أقرب من النسيان.
سبعة أعوام مرت…
لكن الدم لا يشيخ.
والحقيقة لا تغرق.
والعدالة لن يشملها التقادم المسقط للجرائم.
ولا يزال صدى أصوات الضحايا يسكن المكان، والأحياء لم ينسوا ما جرى؛ فالذاكرة ما زالت يقظة فيهم، أما الجلاد فقد سقط في خيبته إلى الأبد.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة