جبل مرة حين يفضح الوباء الدولة - لماذا لن تنتهي الأوبئة في السودان ما لم تنتهِ بنية التهميش نفسها؟

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل جعفر بشير فى رحمه الله
نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل مامون أحمد إبراهيم فى رحمه الله
أحزان الجمهورريين: مامون أحمد ابراهيم (عضو المنبر) في رحاب الله
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-02-2026, 07:06 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-29-2026, 05:36 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 269

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
جبل مرة حين يفضح الوباء الدولة - لماذا لن تنتهي الأوبئة في السودان ما لم تنتهِ بنية التهميش نفسها؟

    05:36 PM May, 29 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر







    29/5/2025 خالد كودي، بوسطن

    حين أعلنت السلطات المحلية في جبل مرة وصول حالات الإصابة المؤكدة بمرض إمبوكس (جدري القرود) إلى 347 حالة، معظمها وسط النساء والأطفال، لم يكن الخبر مجرد إنذار صحي جديد في منطقة أنهكتها الحرب. كان، في جوهره، شهادة سياسية وأخلاقية على استمرار فشل الدولة السودانية في أداء أبسط وظائفها، وشهادة إضافية على عجز النخب السياسية—سلطةً ومعارضةً—عن تقديم مشروع يعالج جذور التهميش الذي أنتج الحرب والفقر والمرض معاً.
    فالمرض لم يظهر في فراغ، ولم يكن حادثة طبيعية معزولة. إنه نتيجة مباشرة لمسار تاريخي طويل تأسست خلاله الدولة السودانية على التفاوت لا على المواطنة، وعلى الامتياز لا على العدالة، وعلى إدارة الأطراف والسيطرة عليها لا على دمجها كشركاء متساوين في الوطن والتنمية. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه وباء جبل مرة ليس سؤالاً طبياً: كيف نحتوي المرض؟ بل سؤالاً سياسياً وأخلاقياً أعمق: لماذا ما زالت هناك مناطق في السودان، بعد أكثر من ستين عاماً من الاستقلال، تفتقر إلى الحد الأدنى من مستحقات المواطنة التي تجعل من انتشار مرض قابل للاحتواء كارثة إنسانية؟

    إن ما يكشفه جبل مرة اليوم ليس فشل النظام الصحي فقط، بل فشل مفهوم الدولة كما عرفه السودان منذ الاستقلال. فالمواطنة ليست بطاقة هوية ولا حقاً في التصويت فحسب؛ إنها حق المواطن في أن يجد طريقاً معبداً ومركزاً صحياً وطبيباً ودواءً ومدرسة ومياهاً نظيفة وحماية قانونية، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو موقعه الجغرافي. وعندما يصبح الوصول إلى هذه الحقوق رهيناً بالموقع الجغرافي أو الانتماء الاجتماعي، فإننا لا نكون أمام أزمة خدمات وحسب، بل أمام أزمة بنية دولة.
    ومن هنا فإن جبل مرة لا تفضح السلطة وحدها، بل تفضح أيضاً حدود الخيال السياسي السائد داخل جزء كبير من المعارضة السودانية. فخلال عقود طويلة، رفعت حركات الهامش شعارات التغيير الجذري وإعادة تأسيس الدولة، لكنها كثيراً ما انتهت إلى المصير نفسه: الاستيعاب داخل مشاريع إصلاحية لا تمس جوهر الأزمة. وفي كل مرة يُعاد إنتاج المشهد ذاته؛ يتم استدعاء قادة الهامش بوصفهم رموزاً للتغيير، ثم تُفرغ مطالبهم من مضمونها، وتُختزل القضية في تسويات سياسية تعيد تدوير المركز نفسه الذي أنتج التهميش منذ البداية.
    لقد حدث ذلك بدرجات مختلفة في تجارب عديدة، حيث تحولت قضايا العدالة التاريخية وإعادة توزيع السلطة والثروة والعلمانية والمواطنة المتساوية إلى ملفات مؤجلة، بينما تقدمت شعارات التوافق والإصلاح التدريجي إلى الواجهة. وهكذا يصبح ممثلو الهامش جزءاً من مشهد يمنح شرعية أخلاقية لعملية سياسية لا تعالج جذور الأزمة التي حملوا السلاح أو ناضلوا بسببها في الأصل.

    وفي هذا السياق تبرز المفارقة المؤسفة في تجربة عبد الواحد محمد أحمد النور الحالية. فالكمرد الذي ظل لعقود يطرح نفسه بوصفه مدافعاً عن مشروع تغيير جذري للدولة السودانية، وقائداً يرفض التسويات الجزئية، وجد نفسه اليوم داخل تحالفات ومنابر سياسية لا تبدو فيها قضايا العلمانية والعدالة التاريخية وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة هي الأجندة المركزية. والأكثر إثارة للأسئلة أن الاجتماع الأخير لمجموعة "إعلان المبادئ السودانية" انعقد بينما كانت مناطق جبل مرة التي تقع تحت نفوذ حركته تواجه واحدة من أخطر الأزمات الصحية في السنوات الأخيرة، ومع ذلك لم يتردد إلى الرأي العام أن هذا الوباء الكارثي كان موضوعاً رئيسياً او فرعيا للنقاش أو حتى إشارة عابرة من باب التضامن السياسي أو الأخلاقي!
    وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كانت مأساة تمس مئات النساء والأطفال في إحدى أكثر مناطق السودان تهميشاً لا تجد مكاناً متقدماً في جدول أعمال القوى التي تدّعي معالجة أزمة السودان، فما الذي يشغل هذه القوى إذن؟ وإذا كانت قضية التهميش لا تظهر إلا كشعار عام، بينما تُستبعد تجلياتها المادية الملموسة—كالمرض والفقر وانعدام الخدمات—من النقاش السياسي، فهل نحن أمام مشروع لتفكيك السودان القديم أم أمام نسخة جديدة من إدارته بلغة أكثر حداثة وأكثر احتيالا؟
    إن وباء جبل مرة يذكّرنا بحقيقة أساسية كثيراً ما يجري الالتفاف حولها: لا يمكن القضاء على الأوبئة دون القضاء على البيئة السياسية التي تنتجها. فالحرب، والفقر، وانعدام البنية التحتية، وغياب العدالة في توزيع الموارد، ليست مشكلات منفصلة عن الصحة العامة، بل هي من أهم محدداتها. ولذلك فإن الحديث عن إنهاء التهميش لا يمكن أن يظل خطاباً أخلاقياً عاماً أو شعاراً "انتخابياً"، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تأسيسي واضح يعيد بناء الدولة السودانية من جذورها.
    فالأوبئة لا تنتشر لأن الفيروسات موجودة فقط، بل لأنها تجد دولة غائبة، ومواطنة منقوصة، وتنمية غير متوازنة، ومجتمعات تُركت لعقود خارج حسابات السلطة. ولهذا فإن "إمبوكس" في جبل مرة ليس مجرد مرض؛ إنه دليل حي على أن السودان القديم ما زال قائماً، وأن أي مشروع سياسي لا يضع تفكيك هذه البنية في مركز أجندته سيظل يدور داخل الأزمة لا خارجها.

    ولهذه الاسباب فإن خريطة الأوبئة في السودان تكاد تتطابق مع خريطة التهميش!
    فحيث توجد الحرب توجد الأمراض.
    وحيث يوجد الإقصاء توجد الكارثة الصحية.
    وحيث تغيب الدولة تظهر الأوبئة.
    إن مأساة جبل مرة اليوم ليست مجرد 347 إصابة.
    بل هي رقم صغير داخل مأساة أكبر بكثير.

    فالقارة الإفريقية نفسها تشهد منذ سنوات واحدة من أكبر موجات تفشي إمبوكس في التاريخ الحديث. ووفق بيانات المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض ومنظمة الصحة العالمية، سُجلت في إفريقيا بين يناير 2024 ومنتصف عام 2025 أكثر من 148 ألف حالة مشتبه بها، وأكثر من 40 ألف حالة مؤكدة، مع مئات الوفيات المؤكدة وآلاف الوفيات المشتبه بها في 26 دولة إفريقية، وهناك مايربط وبدرجات مختلفة بين جبل مرة اليوم وغيرها من مناطق تفشي الوباء.
    (PMC)
    كما أظهرت دراسات وبائية منشورة أن القارة سجلت ما بين عامي 2022 و2024 أكثر من 45 ألف إصابة وقرابة 1500 وفاة مرتبطة بالمرض، مع زيادة متسارعة في معدلات الانتشار خلال السنوات الأخيرة.
    (New England Journal of Medicine)
    لكن السؤال السوداني ليس: كم عدد الإصابات وحسب؟
    السؤال الحقيقي هو:
    لماذا تتحول الإصابة الواحدة في مناطق مثل جبل مرة إلى تهديد جماعي؟
    ولماذا يصبح المرض في الهامش كارثة بينما يمكن احتواؤه في مناطق أخرى؟
    الإجابة تكمن في بنية الدولة نفسها.
    ففي الوقت الذي استطاع فيه العالم استئصال الجدري البشري نهائياً عام 1980 بعد أكبر حملة تطعيم عالمية في التاريخ، ما زالت مناطق واسعة من السودان تكافح للوصول إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية
    (WHO | Regional Office for Africa)
    لقد نال السودان استقلاله قبل أكثر من ستة عقود.
    ومع ذلك ما زالت هناك مناطق كاملة يعيش سكانها بعيداً عن المستشفيات والطرق المعبدة وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الصحية الأساسية.
    إن ما يقتل الناس في جبل مرة ليس الفيروس وحده، إن ما يقتلهم هو الطريق المقطوع إلى المستشفى، والمستشفى الغائب
    والدواء غير الموجود. والكوادر الطبية غير المتوفرة. والدولة التي لم تصل أصلاً...
    ولهذا فإن الحديث عن مكافحة "إمبوكس" دون الحديث عن التهميش يشبه الحديث عن إطفاء النار مع الإصرار على إبقاء مصدر الوقود مشتعلاً.
    فالحرب نفسها ليست سبباً منفصلاً عن المرض، بل الحرب هي جزء من البيئة التي تُنتج المرض
    فحين تُقصف القرى، وتُدمر المراكز الصحية، ويُهجَّر السكان، وتُقطع طرق الإمداد، وتنهار شبكات المياه ان وجدت، يصبح انتشار الأوبئة نتيجة منطقية لا استثناءً.
    ولهذا فإن "إمبوكس" في جبل مرة ليس حادثة صحية وحسب، بل وثيقة اتهام سياسية، وثيقة تقول إن السودان القديم ما زال يعمل بكامل طاقته:
    - الدولة نفسها
    - و معارضة النخب نفسها
    - والمنطق نفسه
    - والتمييز نفسه
    - والنتائج نفسها
    لقد أمضت الحكومات السودانية المتعاقبة عقوداً طويلة تتحدث عن السلام دون أن تقترب من العدالة، وعن الوحدة دون أن تؤسس للمساواة، وعن التنمية دون أن تقترب من إعادة توزيع السلطة والثروة التي أنتج غيابها الحروب نفسها. وكانت النتيجة الطبيعية لذلك أن تحولت مناطق واسعة من السودان إلى ما يشبه "المناطق المؤجلة" خارج التخطيط الوطني وخارج الاستثمار العام وخارج شبكات الحماية والخدمات الأساسية، بينما ظلت في الوقت نفسه خزانات مفتوحة للموارد الطبيعية والبشرية التي تغذي المركز دون أن تعود فوائدها على أهلها.
    ولهذا فإن تفشي وباء "إمبوكس" في جبل مرة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثة صحية منفصلة، بل بوصفه نتيجة مباشرة لهذا التاريخ الطويل من التهميش البنيوي. فالأوبئة لا تنتشر لأن الفيروسات موجودة فقط، وإنما لأنها تجد بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية تسمح لها بالانتشار: غياب المستشفيات، ضعف البنية التحتية، الفقر، النزوح، والحرب. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نعالج مئات المصابين اليوم وحسب، بل كيف نمنع إنتاج البيئة التي تجعل ظهور مئات المصابين أمراً متوقعاً في كل مرة.
    وهنا تظهر القضية التي ظلت معظم المشاريع السياسية السودانية تراوغ حولها منذ الاستقلال: قضية إعادة تأسيس الدولة نفسها. فالأزمة ليست أزمة وزارة صحة، ولا أزمة دواء، ولا أزمة مساعدات إنسانية عاجلة، رغم أهمية كل ذلك. إنها أزمة دولة صُممت تاريخياً لتتركز فيها السلطة والثروة والخدمات في المركز، بينما تتحمل الأطراف كلفة الحرب والفقر والمرض والتخلف التنموي.

    ومن هذه الزاوية، فإن مأساة جبل مرة لا تطرح سؤالاً صحياً فحسب، بل تطرح سؤالاً سياسياً وأخلاقياً وفلسفياً لا يمكن الهروب منه، خصوصاً على عبد الواحد محمد أحمد النور ومن معه. فالكمرد ظل لعقود يقدم نفسه بوصفه أحد المدافعين عن التغيير الجذري وعن ضرورة معالجة جذور الأزمة السودانية لا أعراضها، وعن مشروع يتجاوز إصلاح الدولة إلى إعادة تأسيسها. غير أن المفارقة المؤلمة أن المناطق التي تخضع لنفوذ حركته تواجه اليوم واحدة من أخطر الأزمات الصحية والإنسانية، بينما اختار، وبمحض إرادته، أن يكون جزءاً من منبر سياسي جديد لا تبدو أجندته مختلفة جذرياً عن كثير من المبادرات التي سبقته في تاريخ السودان الحديث.
    والسؤال هنا ليس لماذا تفشى الوباء، فالإجابة معروفة: التهميش، والحرب، والفقر، وانهيار الخدمات. السؤال الحقيقي هو: ما المشروع السياسي القادر على منع تكرار هذه الكارثة بعد خمس سنوات أو عشر أو خمسين سنة؟
    هنا تحديداً تظهر أهمية مفهوم العدالة التاريخية، وتظهر في المقابل حدود الخطاب الذي تطرحه مجموعة إعلان مبادئ نيروبي عندما تستبدل هذا المفهوم الجذري بمفهوم العدالة الانتقالية من باب الاحتيال السائد.
    فالعدالة الانتقالية، في تعريفها الكلاسيكي، هي مجموعة آليات قانونية وسياسية تُستخدم لمعالجة انتهاكات الماضي أثناء الانتقال من الحرب أو الاستبداد إلى السلام أو الديمقراطية. وتشمل المحاكمات، لجان الحقيقة، جبر الضرر، الإصلاح المؤسسي، والمحاسبة على الجرائم. وهي مهمة وضرورية، لكنها تظل في جوهرها معنية بنتائج الأزمة أكثر من أسبابها.
    أما العدالة التاريخية فهي أوسع وأعمق بكثير.
    إنها لا تسأل فقط: من ارتكب الجريمة؟
    بل تسأل: ما هي البنية التي جعلت الجريمة ممكنة أصلاً؟
    لا تسأل فقط: كيف نعوض الضحايا؟
    بل تسأل: لماذا أصبح هؤلاء ضحايا جيلاً بعد جيل؟
    لا تسأل فقط: كيف نحاسب الجناة؟
    بل تسأل: كيف نعيد بناء الدولة بحيث لا تنتج جناة وضحايا جدد في المستقبل؟
    ولهذا فإن العدالة التاريخية تشمل العدالة الانتقالية وتستوعبها، لكنها تتجاوزها نحو معالجة جذور الاختلال في توزيع السلطة والثروة والفرص والاعتراف والتمثيل. إنها مشروع لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها، لا مجرد مشروع لمعالجة آثار الحرب بعد وقوعها.
    ومن هذا المنظور، فإن وباء إمبوكس في جبل مرة ليس قضية صحية منفصلة عن العدالة التاريخية. فغياب المستشفيات، وندرة الأطباء، وانعدام الطرق، وتكرار الحروب، كلها ليست حوادث منفصلة، بل نتائج مباشرة لتاريخ طويل من التهميش البنيوي. ولذلك فإن العدالة الحقيقية لسكان جبل مرة لا تبدأ فقط بمحاكمة من ارتكب الجرائم ضدهم، بل تبدأ أيضاً بإعادة توزيع السلطة والثروة والموارد العامة بصورة تجعل من المستحيل أن تتحول مناطقهم مرة أخرى إلى هامش منسي خارج التنمية والحماية والخدمات.
    وهنا يجب ان تكرر لماذا تهرب النخب السياسية السودانية بيمينها ويسارها ووسطها ومدنيينها وعسكرييها من مفهوم العدالة التاريخية، ولماذا تفضّل الحديث عن العدالة الانتقالية. فالعدالة الانتقالية يمكن استيعابها داخل بنية السودان القديم أما العدالة التاريخية فإنها تطرح سؤالاً أكثر خطورة: من يملك السلطة؟ ومن يملك الأرض؟ ومن يسيطر على الموارد؟ ومن يقرر شكل الدولة؟ ومن استفاد من التهميش طوال العقود الماضية؟
    إنها أسئلة لا تهدد أفراداً بعينهم فقط، بل تهدد البنية التي قامت عليها امتيازات المركز كله.
    ولهذا تظل معظم المبادرات السياسية السودانية تتحدث عن السلام والمصالحة والعدالة الانتقالية، بينما تتجنب العدالة التاريخية. فالأولى تعالج نتائج الأزمة، أما الثانية فتواجه أسبابها: التهميش، واختلال توزيع السلطة والثروة، وبنية الدولة التي أعادت إنتاج الحرب والفقر والمرض جيلاً بعد جيل.
    ومن هنا تبرز مفارقة عبد الواحد محمد أحمد النور اليوم. فالرجل الذي ظل يدعو إلى معالجة جذور الأزمة السودانية يجد نفسه داخل منبر سياسي لا تبدو فيه قضايا العدالة التاريخية وإعادة تأسيس الدولة في صدارة الأجندة. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً: هل ما زال مشروع التأسيس الجذري هو البوصلة، أم أن منطق الإصلاح والتسويات بدأ يستوعب أحد أبرز الأصوات التي طالما نادت بتجاوز السودان القديم لا إصلاحه؟
    فمأساة جبل مرة لا تحتاج إلى التعاطف فقط، بل إلى إجابة سياسية واضحة. لأن المرض ليس مجرد فيروس، بل نتيجة عقود من التهميش. والفرق بين العدالة الانتقالية والعدالة التاريخية هو الفرق بين معالجة آثار الجرح، وبين إزالة النظام الذي ظل ينتج الجرح نفسه مرة بعد أخرى.

    فوثيقة ما يسمى "إعلان المبادئ السودانية" وخارطة الطريق المنبثقة عنها، رغم ما تحمله من لغة سياسية متحمسة، لا تضع في مركزها القضايا التي ظلت تشكل جوهر مشروع التأسيس الحقيقي: إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، حسم علاقة الدين بالدولة، إعادة توزيع السلطة والثروة، معالجة المظالم التاريخية، وإعادة هيكلة مؤسسات القوة التي أعادت إنتاج الحروب جيلاً بعد جيل. بل إن كثيراً من مقترحاتها تبقى ضمن أفق الإصلاح السياسي الذي يسعى إلى إدارة الأزمة أكثر من تفكيك أسبابها
    وهنا تكمن خطورة اللحظة. فالتجربة السودانية علمتنا أن كثيراً من ثورات الهامش انتهت ناقصة، ليس بسبب ضعف شعاراتها، بل بسبب استيعاب قياداتها داخل مشاريع إصلاحية أكبر منها. مشاريع تمنحها موقعاً رمزياً داخل المشهد السياسي، بينما يتم تأجيل أو تجاوز القضايا التي خرجت من أجلها تلك الحركات أصلاً. وهكذا يتحول قادة الهامش، من حيث أرادوا أو لم يريدوا، إلى أدوات تمنح شرعية أخلاقية لمشاريع لا تفكك السودان القديم، بل تعيد إنتاجه بصيغ أكثر نعومة.
    ولعل أكثر ما يثير الأسئلة أن الاجتماع الأخير لهذه المجموعة انعقد بينما كانت مناطق جبل مرة تواجه هذه الكارثة الإنسانية، ومع ذلك لم يظهر أن هذه المأساة كانت حاضرة بوصفها قضية مركزية تستدعي موقفاً سياسياً وأخلاقياً واضحاً. وكأن مئات المرضى من النساء والأطفال في واحدة من أكثر مناطق السودان تهميشاً لا يكفون لفرض قضية التهميش على جدول الأعمال. وكأن الأزمة التي أنتجت هذا الوباء ليست جزءاً من الأزمة الوطنية التي يدّعي المجتمعون أنهم يسعون لحلها.
    إن القضاء على الأوبئة في السودان لن يتحقق عبر حملات الطوارئ وحدها، ولا عبر المؤتمرات، ولا عبر البيانات، ولا عبر الاتفاقات الإصلاحية التي تؤجل الأسئلة الكبرى. فهذه الأدوات قد تخفف آثار الكارثة، لكنها لا تمنع تكرارها. أما منع تكرارها فيتطلب مشروعاً تأسيسياً حقيقياً يعترف بأن التهميش ليس عرضاً جانبياً للأزمة السودانية، بل هو جوهرها.

    وهنا يبدأ المعنى الحقيقي للسودان الجديد ليس بوصفه شعاراً سياسياً أو عنواناً لتحالف عابر، بل باعتباره مشروعاً لإعادة بناء الدولة من جذورها. دولة تربط الصحة بالعدالة، والتنمية بالمواطنة، والسلام بإعادة توزيع السلطة والثروة. دولة يصبح فيها وصول الطبيب إلى جبل مرة أمراً عادياً، لا حدثاً استثنائياً. ويصبح المستشفى حقاً من حقوق المواطنة، لا منحة من السلطة. ويصبح الدواء جزءاً من العقد الاجتماعي، لا امتيازاً تمنحه الجغرافيا أو القرب من المركز.
    ففي النهاية، لا يُهزم الوباء في غرف العزل وحدها. بل يُهزم أيضاً في الدستور، وفي الموازنة العامة، وفي شكل الدولة نفسها. ويُهزم حين يتوقف السودان عن إنتاج الهامش باعتباره منطقة يمكن التضحية بها
    ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه جبل مرة اليوم ليس كيف نعالج 347 مصاباً فقط، بل كيف نمنع إنتاج 347 مأساة جديدة بعد عام أو عشرة أعوام أو جيل كامل. وهذا السؤال لا تملك الإجابة عليه مشروعات الإصلاح التي تدور داخل بنية السودان القديم، وإنما يملكها فقط مشروع تأسيسي جذري يعيد بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية والعدالة التاريخية والتنمية المتوازنة.
    عندها فقط لن يصل الوباء إلى المواطن قبل أن تصل إليه حقوقه.

    كامل التضامن مع أهلنا في جبل مرة.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de