حين تتحدث النخبة باسم الوطن من فوقه، قراءة لوثيقة خارطة طريق إعلان المبادئ السوداني من منظور السود

نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل جعفر بشير فى رحمه الله
نعى اليم ...... سودانيز اون لاين دوت كم تحتسب الزميل مامون أحمد إبراهيم فى رحمه الله
أحزان الجمهورريين: مامون أحمد ابراهيم (عضو المنبر) في رحاب الله
مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 06-02-2026, 07:06 PM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
05-28-2026, 08:20 PM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 269

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حين تتحدث النخبة باسم الوطن من فوقه، قراءة لوثيقة خارطة طريق إعلان المبادئ السوداني من منظور السود

    08:20 PM May, 28 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر



    حين تتحدث النخبة باسم الوطن من فوقه، قراءة لوثيقة خارطة طريق إعلان المبادئ السوداني
    من منظور السودان الجديد وميثاق تأسيس

    28/5/2026 ، بوسطن

    تطرح وخارطة الطريق: طريق جديد يستديم الحلول ويستعيد روح الثورة نفسها كخارطة طريق لوقف الحرب وبناء عملية سياسية شاملة تقود إلى "وطن جديد"، عبر ثلاث مسارات مترابطة: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي. كما تدعو إلى دور واسع للوساطة الإقليمية والدولية، وإلى تشكيل جبهة مدنية تدير العملية السياسية، مع التركيز على العدالة الانتقالية، وإعادة بناء الجيش، والمواطنة، والدستور، وإعادة الإعمار. غير أن الوثيقة، رغم لغتها المتقدمة نسبيًا مقارنة بخطابات النخب التقليدية، لا تزال تتحرك داخل أفق إصلاحي انتقالي يراهن على إدارة الأزمة أكثر من إعادة تأسيس الدولة جذريًا.
    المشكلة الأساسية في وثيقة "إعلان المبادئ السوداني: نحو بناء وطن جديد" وخارطة طريقها ليست في حديثها عن السلام، أو وقف الحرب، أو العدالة الانتقالية، أو الممرات الإنسانية؛ فهذه قضايا لا يختلف حول ضرورتها أي مشروع وطني جاد. الإشكال الحقيقي يكمن في العقل السياسي الذي يحكم الوثيقة نفسها: عقل لا يزال يتعامل مع السودان بوصفه بلداً يمكن إعادة ترتيبه من أعلى، عبر المنابر، والوساطات الدولية، والتفاهمات الفوقية، وكأن الشرعية تُصنع بالاعتراف الخارجي والضمانات السياسية والتمويل، لا بالتحولات الاجتماعية والسياسية الفعلية على الأرض.
    هذا التصور يتجاهل حقيقة أن الحرب لم تعد مجرد أزمة حكم، بل كشفت أزمة الدولة السودانية نفسها. لقد انهار المركز القديم عملياً، وتراجعت قدرته على احتكار السلطة والشرعية، بينما صعدت سلطات أمر واقع ومجتمعات بدأت تعيد تنظيم نفسها خارج وصاية الخرطوم التاريخية. الهامش لم يعد مجرد تابع ينتظر "الحل" من النخب المركزية أو الوسطاء الدوليين، بل أصبح فاعلاً سياسياً وتاريخياً يشارك في إعادة تعريف الدولة والسلطة والمواطنة.
    ومن هنا، فإن جدية أي وثيقة لا تُقاس بعدد المرات التي تكرر فيها مفردات مثل "السلام"، "الديمقراطية"، "العدالة"، و"المواطنة"، بل بمدى استعدادها لمواجهة البنية التي صنعت الحرب أصلاً: دولة المركز، والدولة الدينية، والامتياز الإثني والثقافي، والجيش العقائدي، واقتصاد النهب، والمؤسسات التي أدارت السودان كغنيمة تاريخية لا كوطن متساوٍ لجميع سكانه
    ولهذا تبدو الوثيقة، رغم لغتها المدنية "الرفيعة"، أقرب إلى محاولة لإعادة ترميم السودان القديم بصيغة أكثر حداثة ونعومة، لا إلى مشروع تأسيسي يعلن قطيعة حقيقية مع منطق الهيمنة الذي قاد البلاد إلى الحرب والانهيار.

    أول مظاهر الخلل أن الوثيقة تضع نفسها في موقع فوقي، كأنها الجهة المفوضة والمؤهلة لتصميم العملية السياسية، وتحديد أطرافها، وضبط نسب المشاركة فيها، وترتيب العلاقة بين القوى المدنية والعسكرية، ثم تقديم ذلك للمجتمع الدولي بوصفه الطريق العقلاني الوحيد لإنقاذ السودان. هذا التصور يعيد إنتاج تقليد قديم في السياسة السودانية: تقليد النخب التي تفترض أن الشرعية تُصنع بالبيانات، والمؤتمرات، والعلاقات الخارجية، لا بالانخراط العضوي في صراع المجتمعات نفسها من أجل الأرض، والكرامة، والحكم الذاتي، والعدالة التاريخية.
    لكن الواقع على الأرض تجاوز منذ زمن الفرضية التي تتحرك داخلها قوى "إعلان المبادئ السوداني" وبعض المجموعات المدنية المرتبطة بمنصات الوساطة الإقليمية والدولية، حتى وإن حاولت هذه القوى التعامل مع التحولات الجارية باعتبارها مجرد أوضاع مؤقتة يمكن احتواؤها لاحقاً داخل تسوية مركزية جديدة. فالتاريخ لا ينتظر اعتراف النخب، والوقائع لا تختفي لمجرد تجاهلها في بيانات المؤتمرات.

    إن جزءاً كبيراً من أزمة هذه المجموعة يكمن في أنها لا تزال تنظر إلى السودان بعين المركز القديم: مركز يتصور أن الشرعية تُمنح عبر الاعتراف الدولي، وأن الخرائط السياسية تُرسم بين النخب في قاعات المؤتمرات والتفاوض، وأن المجتمعات الواقعة خارج الهيمنة التقليدية للمركز يمكن إعادتها بسهولة إلى بيت الطاعة السياسي بمجرد الوصول إلى "اتفاق شامل" بينهم مع بعض الممثلين رمزيا للهامش.
    لكن السودان اليوم لم يعد الدولة نفسها التي عرفتها هذه النخب. الحرب فجّرت البنية القديمة، وأسقطت احتكار الخرطوم للسلطة، وكشفت الانهيار الكامل لفكرة الجيش بوصفه مؤسسة قومية محايدة. وفي المقابل، تشكل واقع جديد لا يمكن محوه بالإنكار أو تجاوزه بالبلاغة السياسية او تقنيات الاحتيال القديم.
    فهناك اليوم مناطق تقع تحت سلطة حكومة "تأسيس"، لها قوانينها، وإداراتها المدنية، ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، ومجتمعاتها المحلية، وآلياتها في إدارة النزوح والإغاثة والحياة اليومية. وهناك تنظيمات شبابية ونسوية ومبادرات مجتمعية بدأت تبني أشكالاً جديدة من الفعل السياسي والاجتماعي خارج وصاية المركز التاريخي وبرؤي تناسبها. كما توجد قطاعات واسعة من السكان خاضت، لأول مرة، تجربة إدارة شؤونها بعيداً عن الدولة المركزية التي لم تعرف منها تاريخياً سوى القصف، والإقصاء، ونهب الموارد، والتعالي الثقافي...
    وهنا يصبح السؤال الذي تتهرب منه هذه الوثيقة سؤالاً مصيرياً: ما الذي يدفع المجتمعات التي دفعت كل هذه التضحيات للتحرر من هيمنة المركز إلى العودة طوعاً إلى المنظومة نفسها التي همّشتها لعقود؟ وما الذي يجعل من بدأوا فعلياً في اختبار إمكانيات بناء سلطة بديلة، ورؤية جديدة للدولة، يسلمون رقابهم مرة أخرى لنخبة مدنية فوقية تراهن أساساً على الوسطاء الدوليين والاعتراف الخارجي أكثر من رهانها على التحولات الحقيقية داخل السودان نفسه؟
    إن قوى "إعلان المبادئ السوداني" تتحدث كثيراً عن "الوطن الجديد"، لكنها لا تزال تخشى الاعتراف الكامل بولادة واقع جديد خارج الخرطوم القديمة. ولهذا تبدو محاولتها أقرب إلى إعادة ترتيب السودان القديم بصورة أكثر تهذيباً، لا إلى مشروع تأسيسي يعترف بأن الهامش لم يعد مجرد ضحية تنتظر الشفقة، بل أصبح فاعلاً تاريخياً يشارك في إعادة تعريف الدولة والسلطة والشرعية نفسها.
    لذلك فإن أي عملية سياسية تتجاوز هذه الوقائع، أو تحاول القفز فوقها باسم "الوحدة الوطنية" أو "الحل الشامل"، ستظل عملية معلقة في الهواء، لأنها تتحدث عن مستقبل السودان بينما تفكر بعقل الدولة التي انهارت بالفعل.
    من هنا يظهر الفرق الجوهري بين منطق هذه الوثيقة ومنطق تحالف تأسيس. فميثاق تأسيس لا يتعامل مع الأزمة السودانية بوصفها أزمة حرب فقط، بل بوصفها أزمة تأسيس دولة. لا يكفي وقف إطلاق النار إذا كانت الدولة التي ستعود بعده هي الدولة نفسها التي أنتجت الحروب. ولا يكفي الحديث عن “جيش وطني واحد” إذا لم تُطرح الأسئلة الصعبة: أي عقيدة؟ أي تاريخ؟ أي بنية؟ أي علاقة بالمركز والهامش؟ أي محاسبة على الإبادة، والتهجير، والقصف، والتطهير الثقافي، وتجريف الريف؟ إن الدعوة إلى جيش واحد، دون تفكيك الجيش القديم كمنظومة أيديولوجية واقتصادية وطبقية، ليست مشروع سلام، بل إعادة تدوير للعنف في زي مؤسسي.

    أما المبادئ فوق الدستورية، كما يطرحها مشروع السودان الجديد، فهي ليست زينة قانونية أو مواد تجميلية تُضاف إلى الوثائق السياسية لإرضاء الخطاب الحداثي، بل هي جوهر العقد التأسيسي نفسه؛ الضمانة التي تمنع عودة الدولة المختطفة باسم الدين، أو العرق، أو المركز، أو الأغلبية العددية الميكانيكية. ولهذا تقوم هذه المبادئ على مرتكزات واضحة غير قابلة للمساومة: العلمانية، والمواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعدد، واللامركزية الجذرية، وحق تقرير المصير باعتباره ضمانة أخيرة ضد الإكراه التاريخي وإعادة إنتاج الهيمنة.
    ومن هنا تحديداً يظهر الخلل العميق في وثيقة "إعلان المبادئ السوداني"، وفي المنهج الذي انزلق إليه عبد الواحد محمد نور نفسه. فالوثيقة تتعامل مع علاقة الدين بالدولة بوصفها "قضية حوار" قابلة للأخذ والرد والتفاوض، لا باعتبارها حقاً تأسيسياً يتعلق بالمواطنة المتساوية وحق الإنسان في الحياة والكرامة دون تمييز.
    وهذا ليس تفصيلاً تقنياً، بل جوهر الأزمة السودانية نفسها.
    فلا يمكن، من حيث المبدأ، إخضاع الحقوق الأساسية للتفاوض السياسي المؤقت أو للمساومات بين النخب أو لموازين القوة العابرة. لا يمكن أن يصبح حق الإنسان في الحياة، أو حقه في أن يكون مواطناً كاملاً دون تمييز ديني أو ثقافي أو عرقي، موضوعاً لـ“الحوار” وكأنه بند إداري أو ترتيبات إجرائية. لأن وظيفة الدولة أصلاً هي حماية هذه الحقوق، لا تحويلها إلى ملف تفاوضي مفتوح.
    إن تحويل العلمانية إلى "قضية حوار" يعني عملياً تحويل المواطنة نفسها إلى قضية تفاوض. وتحويل حق الناس في الحياة المتساوية إلى موضوع قابل للمساومة. وهذا بالضبط هو جوهر احتيال السودان القديم المتواطئ مع الهوس الديني: المناورة المستمرة حول الحقوق الأساسية، وترحيل القضايا الجوهرية إلى مؤتمرات ولجان ومنابر وحوارات لا تنتهي، حتى تبقى بنية الهيمنة القديمة قائمة مهما تغيّرت الشعارات.

    لقد احترق السودان لعقود لأن النخب المركزية رفضت الاعتراف بأن الدولة لا يمكن أن تكون دينية ومتعددة في الوقت نفسه. وكانت النتيجة واضحة: حروب، وإبادات، وتهجير، وفصل الجنوب، وتحويل الهوية إلى أداة قتل سياسي وثقافي. ولذلك فإن أي مشروع لا يحسم هذه المسألة بصورة فوق دستورية إنما يعيد إنتاج الأزمة نفسها ولو بلغة أكثر نعومة.
    ومن المؤسف أن عبد الواحد محمد نور، الذي طرح لسنوات قضية العلمانية بوصفها شرطاً للسلام الحقيقي، انتهى اليوم إلى الانخراط في المنهج ذاته الذي مارسته نخب السودان القديم لعقود: ترحيل القضايا التأسيسية إلى "الحوار"، وتسليم الحقوق الأساسية إلى مجموعات سياسية مشوشة، متناقضة، ومتواطئة بل وفاشلة لتقرر فيها وفق الحسابات الظرفية والتوازنات السياسية! ماهذا!؟
    وهنا تظهر المفارقة القاسية: الرجل الذي كان يقدّم نفسه بوصفه رافضاً لمنهج الخرطوم القديم، انتهى عملياً إلى إعادة إنتاج منطقه نفسه، بل إلى التحرك داخل هندسته السياسية ذاتها، حيث تُؤجَّل الأسئلة الحاسمة باسم "الوحدة"، و"التوافق"، و"المرحلة الانتقالية"، بينما تُترك البنية العميقة للهيمنة دون مساس.

    إن أخطر ما فعلته قوى السودان القديم ليس الحرب العسكرية فقط، بل قدرتها التاريخية على اختراق خصومها فكرياً وتحويلهم، بالتدريج، إلى نسخ مخففة منها. وهذا ما يبدو واضحاً في حالة عبد الواحد اليوم. فبدلاً من أن يفرض أجندة السودان الجديد بوصفها شروطاً تأسيسية غير قابلة للمساومة، أصبح يتحرك داخل منطق المنابر والوساطات والمجموعات الهلامية التي تُعيد تعريف الحقوق الأساسية باعتبارها مجرد “قضايا خلافية” تحتاج إلى مزيد من النقاش.
    لكن الحقوق الأساسية لا تُناقَش بهذا المعنى، بل تُؤسَّس وتُحمى. لا يُستفتى الناس على إنسانيتهم، ولا يُترك حقهم في المواطنة المتساوية رهينة لمزاج النخب أو لتوازنات المراحل الانتقالية. فالعلمانية ليست رأياً ثقافياً داخل السودان المتعدد، بل شرطاً لبقاء الدولة نفسها. والمواطنة ليست امتيازاً تمنحه الأغلبية، بل حقاً أصيلاً يسبق الدولة والأغلبية معاً
    ولهذا فإن المدنية، في مشروع السودان الجديد، لا تعني غياب الزي العسكري فقط أو وجود حكومة مدنية شكلية، بل تعني تفكيك البنية التي تجعل المدني تابعاً للعسكر، والهامش تابعاً للمركز، والريف تابعاً للمدينة، والدين أداة للسلطة، والحقوق الأساسية موضوعاً للمساومة السياسية.
    فالمدنية ليست مؤتمراً، ولا منصة تفاوض، ولا بياناً دبلوماسياً. المدنية الحقيقية هي إعادة بناء السلطة من أسفل، وتحرير المجتمع من الخوف، والاعتراف الكامل بحق المجتمعات في إدارة أرضها ومواردها وهويتها ومصيرها، دون وصاية من مركز قديم أو نخبة جديدة تتحدث باسمه بلغة مختلفة.

    كما أن رهان الوثيقة الكامل على الرباعية والخماسية والضمانات الدولية يكشف وهماً سياسياً عميقاً. المجتمع الدولي قد يسهّل، يضغط، يمول، أو يراقب، لكنه لا يبني وطناً نيابة عن شعبه. بل إن تجارب السودان السابقة أثبتت أن الخارج غالباً ما يبحث عن الاستقرار لا العدالة، وعن الشريك القابل للتعامل لا المشروع القادر على التغيير. لذلك فإن التعويل على الخارج لتمكين نخبة مدنية من "تسيير السودان" يعيد إنتاج أزمة الوصاية نفسها: وصاية المركز على الهامش، ثم وصاية الخارج على الداخل، ثم وصاية النخبة على الشعب.
    ومن ناحية أخرى، فإن تقسيم الوثيقة للقوى إلى مناهضة للحرب، ومصطفة مع الجيش، ومصطفة مع الدعم السريع، يبدو في ظاهره محاولة تنظيمية، لكنه في العمق يتجنب السؤال السياسي الحاسم: ما هو المشروع؟ فليست المشكلة في الاصطفاف العسكري فقط، بل في الموقف من السودان القديم برمته. قد تكون قوة ما ضد الحرب لكنها مع الدولة المركزية. وقد تعارض الإسلاميين لكنها ترفض العلمانية. وقد تتحدث عن الديمقراطية لكنها تتهرب من حق تقرير المصير. وقد ترفع شعار السلام لكنها تريد إعادة الجيش القديم بطلاء جديد. لذلك فإن معيار المشاركة لا ينبغي أن يكون "من ضد الحرب؟" فقط، بل: من ضد البنية التي صنعت الحرب؟

    هنا تكمن قوة مشروع السودان الجديد وتحالف تأسيس: أنهما لا يطلبان العودة إلى ما قبل 15 أبريل، ولا إلى ما قبل انقلاب 25 أكتوبر، ولا حتى إلى رومانسية ديسمبر كما صادرتها النخب. إنهما يطرحان سؤالاً أعمق: كيف نؤسس دولة لا تعود فيها الحرب ممكنة بوصفها أداة لإدارة التعدد؟ كيف نمنع المركز من إعادة إنتاج نفسه؟ كيف نجعل العلمانية، والمواطنة، والعدالة التاريخية، واللامركزية، وحقوق الشعوب، جزءاً من بنية الدولة لا مجرد بنود تفاوضية؟
    إن الوثيقة، رغم إدراكها لحجم الكارثة الإنسانية، لا تزال أسيرة عقل انتقالي لا عقل تأسيسي. فهي تريد "عملية سياسية" تنتهي إلى ترتيبات انتقالية، بينما يتطلب السودان اليوم عملية تأسيسية تنتهي إلى عقد اجتماعي جديد. الفرق بين الانتقال والتأسيس هو الفرق بين إصلاح بيت متصدع، وبناء بيت جديد على أرض معترف بها وعدالة واضحة. الانتقال يسأل: من يحكم بعد الحرب؟ أما التأسيس فيسأل: ما الدولة التي تستحق أن تُحكم أصلاً؟

    ولهذا، فإن الرد العلمي على هذه الوثيقة لا ينبغي أن يكتفي برفضها، بل يجب أن يكشف حدودها، نفس طريقة تفكير السودان الإصلاحي القديم. فهي وثيقة تُحسن وصف الألم، لكنها لا تذهب بعيداً في تشخيص المرض. تُدين الحرب، لكنها لا تضع يدها بصرامة كافية على الدولة التي جعلت الحرب أسلوب حكم. تتحدث عن العدالة، لكنها تتركها في إطار الانتقال لا العدالة التاريخية. تذكر المواطنة، لكنها لا تجعل العلمانية شرطاً فوق دستورياً. تتحدث عن وحدة السودان، لكنها لا تسأل: أي وحدة؟ وحدة الإكراه القديمة أم وحدة التعاقد الحر؟
    إن وحدة السودان، من منظور السودان الجديد، لا تُحمى بالشعارات، بل بإزالة أسباب الانفصال النفسي والسياسي والثقافي. الوحدة الحقيقية لا تُفرض على جبال النوبة، ودارفور، والنيل الأزرق، والشرق، والجنوب الجديد باسم الخرائط القديمة، بل تُبنى بالاعتراف، والعدالة، وتقاسم السلطة والثروة، وحق المجتمعات في تقرير موقعها داخل الدولة. أما الوحدة التي تخاف من حق تقرير المصير فهي في الحقيقة تخاف من الاعتراف بالحقيقة التاريخية.

    في الخلاصة، تمثل هذه الوثيقة محاولة جديدة لإنتاج مركز مدني بديل عن المركز العسكري، لا لتفكيك المركز نفسه. وهي بذلك تقف في منتصف الطريق: تعارض الحرب، لكنها لا تكسر منطق الدولة التي صنعت الحرب؛ تطلب السلام، لكنها لا تؤسس لشروطه الجذرية؛ تستدعي المجتمع الدولي، لكنها لا تعترف بما يكفي بالتحولات الفعلية على الأرض؛ تتحدث باسم الوطن الجديد، لكنها لم تغادر تماماً خيال السودان القديم.
    أما مشروع السودان الجديد، وميثاق تحالف تأسيس، والمبادئ فوق الدستورية، فتطرح أفقاً أكثر وضوحاً وشجاعة: لا سلام بلا إعادة تأسيس، لا ديمقراطية بلا علمانية، لا وحدة بلا عدالة تاريخية، لا جيش قومي بلا تفكيك الجيش القديم، لا مواطنة بلا مساواة جذرية، ولا عملية سياسية ذات معنى إن لم تبدأ من واقع الأرض لا من هندسة المنابر.
    السودان لا يحتاج إلى نخبة جديدة تجلس فوق الخراب لتوزع الأدوار باسم العقلانية. يحتاج إلى شجاعة تأسيسية تعترف بأن الدولة القديمة ماتت أخلاقياً وسياسياً، وأن ما يجري الآن ليس مجرد صراع على السلطة، بل ولادة مؤلمة لسؤال الدولة نفسها. ومن لا يرى هذه الولادة سيظل يكتب خرائط طريق جميلة، لكنها لا تصل إلى الطريق.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de