على امتداد التاريخ، ظلّ شعب البجا واحداً من أعرق شعوب المنطقة وأكثرها تجذراً في الأرض والهوية والثقافة. من سواحل البحر الأحمر إلى عمق الصحراء والجبال، حافظ البجا على لغتهم وعاداتهم وكرامتهم رغم العواصف السياسية التي ضربت السودان وإريتريا لعقود طويلة. لكن هذه الشعوب، التي كانت حارسةً للحدود والتاريخ والممرات البحرية، دفعت ثمناً باهظاً تحت أنظمة الاستبداد في البلدين .
لقد عاش البجا سنوات طويلة من التهميش المنهجي، كسياسة متعمدة هدفت إلى إضعاف الإنسان البجاوي وتجريده من أدوات القوة والتأثير . ففي السودان وإريتريا، تناوبت السلطات على حرمان مناطق البجا من التنمية الحقيقية، حتى أصبحت مناطقهم من أكثر المناطق فقراً وحرماناً رغم ما تختزنه من ثروات ومواقع استراتيجية .
بجانب التهميش اقتصاديا امتد ليصبح حرباً على الهوية نفسها . جرى تغييب تاريخ البجا من المناهج، وتهميش لغاتهم وثقافتهم، ومحاولة تقديمهم كشعوب هامشية بلا دور ولا عمق حضاري، بينما الحقيقة أن البجا من أقدم شعوب إفريقيا والبحر الأحمر وأكثرها ارتباطاً بالأرض والتاريخ .
سياسياً، أُبعد أبناء البجا عن مراكز القرار، وتم تقديم شخصيات ضعيفة ومصنوعة بعناية لتكون واجهات شكلية لا تعبّر عن تطلعات الجماهير، بينما جرى التضييق على القيادات الحقيقية القادرة على الدفاع عن قضايا أهل الشرق وحقوقهم المشروعة. لقد سعت أنظمة الاستبداد إلى تفكيك وحدة البجا عبر زرع الانقسامات القبلية والمناطقية، لأن السلطة تدرك جيداً أن وحدة البجا تمثل قوة حقيقية يصعب كسرها .
أما الإدارات الأهلية، التي كانت تاريخياً صمام أمان للمجتمع البجاوي، فقد تعرضت بدورها لمحاولات إضعاف وإفراغ من مضمونها، حتى تفقد قدرتها على حماية النسيج الاجتماعي وقيادة المجتمع نحو الاستقرار والتنمية. كما لعبت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البلدين أدواراً خطيرة في تغذية الخلافات ومراقبة النخب والناشطين، وتحويل مناطق البجا إلى ساحات للسيطرة الأمنية بدلاً من أن تكون فضاءات للنهضة والكرامة .
إن اللحظة الراهنة تفرض على البجا في السودان وإريتريا تجاوز الخلافات الصغيرة والاصطفاف خلف مشروع تاريخي جامع يعيد الاعتبار لإنسان البجا وحقوقه السياسية والاقتصادية والثقافية. فالوحدة ضرورة وجودية في مواجهة عقود الإقصاء والتهميش .
وحدة البجا لا تعني العداء لأحد، ولكنها تعني الدفاع المشروع عن الحقوق، والمطالبة بتنمية عادلة، وتمثيل سياسي حقيقي، واحترام الهوية والثقافة، وبناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة . إن الشعوب التي لا تتوحد حول قضاياها الكبرى تظل فريسة سهلة للاستبداد والتفكيك .
لقد آن الأوان لأن يدرك أبناء البجا أن قوتهم في وحدتهم، وأن مستقبلهم لن يصنعه الآخرون نيابة عنهم. فالتاريخ لا يرحم المتفرقين، بينما تخلّد الأمم التي تعرف كيف تدافع عن كرامتها ووجودها.
إن معركة البجا اليوم ضد محاولات اقتلاع الوعي والهوية . وهي معركة لا تُحسم بالسلاح وحده، وإنما بالوعي والتنظيم والتكاتف والإيمان العميق بعدالة القضية .
فليكن هذا النداء بداية مرحلة جديدة ، مرحلة يستعيد فيها شعب البجا صوته ومكانته ودوره الطبيعي في صناعة مستقبل السودان وإريتريا، بعيداً عن الخوف والتهميش والاستبداد .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة