في اللحظة التي تشرع فيها الحروب الأهلية بالتهام الأخضر واليابس، يتطلع المحزونون والمكلومون إلى ميزان الدولة كآخر ملاذٍ للحق والعدل. لكن حين تنحرف كفتا هذا الميزان لترتفع جهة السلاح وتهبط جهة العزّل، تقع الفاجعة الكبرى في وعي الأمة. إن المشهد السريالي الذي تجسّد مؤخراً برعاية الكاهن البرهان ، وهو يستقبل بترحاب حار قادة ومنسوبين قوات الدعم السريع" لدمجهم في صفوف الجيش، في مقابل إصراره الصارم على ملاحقة وتشديد العقاب على المدنيين والسياسيين بتهم "التعاون الفكري أو الحزبي"، يمثل محاكمة حقيقية لمفهوم "الدولة" والعدالة وحقوق الإنسان. المفارقة المأساوية: استقبال الجلاد وملاحقة الضحية. إنها التراجيديا التي تعيد كتابة القوانين بمداد الغبن: أمير الحرب والعائد بالبندقية: الذي أذاق مدناً بأكملها ويلات النزوح والنهب، والاغتصاب يُستقبل بالأحضان والتحايا العسكرية العالية، وتُغسل خطاياه بجرّة تكتيك عسكري يُسمى "الاندماج"، وكأن الدماء التي سُفكت والمستشفيات التي دُمّرت ومنازل المواطنين ومؤسسات الدولة التي سحقت كانت مجرد سوء تفاهم عابر! المدني والسياسي العائد: الذي لاد بالفرار، أو أجبرته ظروف النجاة على البقاء في مناطق السيطرة الأخرى، أو عبّر عن موقف سياسي يطالب بوقف الحرب، يُستقبل بلوائح الاتهام بالخيانة والعمالة، وتُرفع في وجهه سياط العقاب بلا رأفة ولا مراجعة."أيُّ منطق قانوني هذا الذي يجعل 'مُطلق الرصاصة الأول' شريكاً في الوطن، ويجعل 'الصارخ من وجع الرصاصة' خائناً يستحق التنكيل والقتل؟" هذا هو الاختلال القانوني والانتهاك الإنساني إن هذا المسلك لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو هدم صريح للقانون الدولي الإنساني ولأبسط قواعد حقوق الإنسان. فالتشريعات الوطنية والدولية قامت على مبدأ "التناسب" و"المساواة أمام القانون". عندما يُعفى عن العسكري المتمرد الذي قاد العمليات التدميرية، بينما يُحاكم المدني بتهمة "التعاون" المفترضة أو الانتماء الحزبي، فإن السلطة هنا تسقط في فخ التمييز؛ حيث يصبح السلاح هو الحصانة الوحيدة من العقاب، وتصبح المدنية والسلمية هما الجريمة التي لا تغتفر. هذا النهج يرسخ مبدأً خطيراً: أن القوة تمنح الشرعية وتغفر الخطايا، بينما الضعف والمدنية هما بوابتا الإدانة والهلاك. شرخ الوجدان الوطني ومستقبل السلام كيف يمكن لبناء وطني أن ينهض مجدداً والمواطن البسيط يرى بعينيه قادة المليشيات الذين هجروه من بيته وجردوه من أمانه يتحولون فجأة إلى "حماة للوطن" بترحيب رسمي، في حين يُعامل هو—المواطن المكلوم أو السياسي الأعزل—كريبة أمنية وجسم غريب يجب اجتثاثه؟ إن هذا التباين الحاد يبعث برسالة يائسة ومخيفة إلى جيل المستقبل: أن طريق النجاة والكرامة يمر عبر فوهات البنادق، لا عبر صناديق الاقتراع، ولا عبر أروقة الفكر والسياسة والقانون. خاتمة: عدالة السيف لا تصنع وطناً إن عودة قيادات الدعم السريع إلى صفوف الجيش تحت لافتة "الاندماج والمصلحة" قد تُفسر عسكرياً بأنها تكتيك لإضعاف الخصم، ولكنها أخلاقياً وقانونياً وإنسانياً تظل طعنة في خاصرة العدالة طالما اقترنت بالتشديد والغلظة ضد المدنيين والسياسيين. إن الأوطان لا تُشفى من جراح الحروب بالانتقائية في تطبيق القانون، ولا بالترحيب بالجلادين وقمع المفكرين والعُزّل. إن استعادة شرعية الدولة الحقيقية تبدأ من ميزان واحد لا يطفف: يُحاسب فيه من حمل السلاح لترويع الآمنين، ويُحمى فيه المدني باعتباره أصل وجود الدولة وعلّة بقائها. وما دون ذلك، ليس إلا تأجيلاً لإنفجارات قادمة، .
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة