تأثرت العقود بالفلسفات والسرديات الكبرى، وذلك لأن القوانين التي تقر هذه العقود تتأثر بدورها بتلك التغيرات الفلسفية الكبرى. كان للماركسية تأثير كبير على القوانين ومن ثم العقود، وذلك لأنها جاءت كرد فعل على سيطرة البرجوازية على العالم بعد هزيمة الكنيسة والطبقة الاقطاعية المتحالفة معها، وعملت البرجوازية على تقليم أظافر الطبقة الاقطاعية بتحرير العبيد. فتحرير العبيد لم يكن رحمة بهم بل كان سلاحاً للبرجوازية لنزع أدوات الانتاج من الإقطاعيين، وعندما نجحت في ذلك، ارتفعت كميات العمال الذين بلا عمل، ولم تتغير القوانين لتحميهم بل أخضعتهم لمبدأ أساسي كان يخدم ويحمي مصالح البرجوازيين (أصحاب العمل) وهو مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين-سلطان الإرادة). كان هذا المبدأ هو السلاح الثاني الذي استخدمته البرجوازية للسيطرة على العبيد الجدد (العمال)، وكانت المحاكم (الخاضعة لسيطرة البرجوازية) تستخدم هذا المبدأ للإقرار بالشروط المتعسفة ضد العمال؛ فعلى سبيل المثال كان العامل لا يتقاضى أجره نقوداً بل سلعة، فالعامل في مصنع المعكرونة كانت أجرته في آخر الشهر بضعة أكياس من المعكرونة وكذلك العامل في مصنع الكبريت وخلافه. لقد حاول العمال ايجاد حل لهم عبر الجمعيات التعاونية حيث يتم تبادل احتياجاتهم من السلع عبر تلك الجمعيات الصغيرة. كما أن من الشروط التعسفية أيضاً ساعات العمل، فكان العامل يجبر على توقيع عقد عمل يعمل فيه العامل أكثر من ست عشرة ساعة، وكانت الأجور زهيدة لا تسد رمق أسرهم، وهكذا ضاق الحال بالعمال نتيجة سيطرة البرجوازية، فجاء كارل ماركس وانجلز واختلقا طريقاً ثالثاً (بين الاقطاعية والبرجوازية) وهو رفع طبقة العمال الكادحين أو ما تم تسميتهم بالبلوريتاريا والتي معناها (الأشخاص المنتجين للذراري) اي الذين خلقهم الله فقط من أجل انجاب عمال. ونتيجة للماركسية اشتعلت ثورات العمال، وامتدت من أوروبا حتى أمريكا. وبالرغم من ان هذه الثورات حققت بعض أهدافها إلا أنها كانت تواجه بمبدأ قانوني راسخ وهو مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين). نتيجة لهذه الثورات تشكلت النقابات العمالية، والتي بدأت تطالب بحقوق العمال، فشنت البرجوازية (المنتصرة على الاقطاعية) حربها الشعواء على تلك النقابات، ومن هنا ظهر ما يسمى ب(عقد الكلب الأصفر)، فالكلب الأصفر كانت تعني في الثقافة الأمريكية ذلك العامل الجبان الذي يقبل توقيع عقد عمل يقبل فيه عدم الانضمام الى النقابات العمالية. فكلمة كلب أصفر كانت تعني الجبان. وكان هذا العقد ملزماً بحيث ترفض المحاكم أي حياد عن شرطه مستندة إلى مبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين. بعد عقود من النضال، تم اصدار قوانين تمنع مثل تلك الشروط وتقيد مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين) بقيود تمنع أي شروط تعسفية فيه. وامتد ذلك المنع ليشمل كل العقود سواء كانت عقود عمل أو غيرها. وظهرت مبادئ أخرى تقيد من مبدأ العقد شريعة المتعاقدين وتعمل على خلق توازن في الالتزامان المتبادلة بين أطراف العقد. لكن السؤال، هل انتهى بذلك عصر العقود المتعسفة؟ هذا ما سنجيب عنه في منشور آخر (بحسب المزاج)
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة