منذ فجر الاستقلال المفتَرَى عليه، لم يكن السودان فقيراً في رجاله الحكماء، ولا معدماً بأصحاب الرؤى الوطنية العميقة، بل كان مليئاً بأصواتٍ رأت الخطر مبكراً، وحاولت أن تضع البلاد على طريق العدالة والوحدة الحقيقية. غير أن المأساة الكبرى تمثلت في أن الذين استأثروا بالسلطة منذ البدايات، كانوا قد أقسموا – ضمناً أو صراحة – أن السودان بلدهم وحدهم، وأن “جنة” الحكم والثروة والنفوذ لا يجوز أن يدخلها أحد غيرهم.
ولذلك، لم يكن غريباً أن تُهمل النصائح، وأن تُقصى المبادرات الوطنية، وأن يُنظر لكل دعوة للاعتراف بالتنوع السوداني باعتبارها تهديداً لا فرصة لبناء وطن يتسع للجميع.
لقد كان حسن الطاهر زروق من أوائل الذين استشرفوا الخطر، حين تقدم داخل أول برلمان سوداني عقب إعلان الاستقلال باقتراح يطالب بمنح جنوب السودان حكماً ذاتياً، إدراكاً منه بأن وحدة السودان لا يمكن أن تقوم على القهر أو المركزية المطلقة، بل على الاعتراف بالخصوصيات والحقوق.
كما طالب كل من ستانسلاوس بياساما وبنيامين الوكي وبوث ديو بالنظام الفيدرالي، باعتباره الصيغة الأنسب لإدارة بلد متعدد الأعراق والثقافات والأديان مثل السودان. لم تكن مطالبهم دعوة للانفصال، وإنما كانت محاولة لإنقاذ الوحدة عبر العدالة السياسية وتقاسم السلطة.
ثم جاء الأستاذ محمود محمد طه ليقدم مشروع “دستور السودان الفيدرالي” عام 1955، وهو مشروع متقدم سبق زمانه، وكان يمكن أن يؤسس لدولة المواطنة والحريات والشراكة المتوازنة بين مكونات السودان المختلفة. لكن ذلك المشروع وُضع جانباً، كما وُضعت غيره من المبادرات التي لم توافق هوى النخب المسيطرة.
ولم يكن الإمام عبدالرحمن المهدي بعيداً عن هذا الإدراك، فقد طالب كلّاً من إسماعيل الأزهري وعبدالله خليل والصديق المهدي، الذين كانوا يمثلون الحكومة القومية آنذاك، بأن يمنحوا الجنوبيين النظام الفيدرالي ما دام مطلبهم يأتي في إطار السودان الواحد. كانت تلك نصيحة رجل أدرك أن التنوع لا يُدار بالاستعلاء، وأن الأوطان لا تُحفظ إلا بالتراضي.
لكن لا حياة لمن تنادي.
ظل أصحاب القرار أسرى عقلية الهيمنة والإقصاء، فكان أن تراكمت المظالم، واتسعت الهوة بين المركز والأطراف، حتى جاء زلزال انفصال الجنوب، الذي لم يكن حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لعقود طويلة من تجاهل أصوات العقل والحكمة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، إذ تبع الزلزال سونامي الخراب الجاري اليوم، حيث يعيش السودان واحدة من أسوأ مراحله السياسية والإنسانية والأمنية. وكأن التاريخ أراد أن يقول لمن ظنوا أن السودان ملك خاص بهم: إن الأوطان التي تُبنى على الإقصاء لا تدوم، وإن الجنة التي تُحتكر للقلّة سرعان ما تصبح كالصريم.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن تجاهل التنوع، ورفض الشراكة، وإقصاء الآخرين من صناعة الوطن، لا يقود إلا إلى الانقسام والحروب والانهيار. كما أثبتت أن كثيراً من الذين وُصفوا بالأحلام أو المثالية كانوا، في الحقيقة، أكثر الناس بصيرةً بمستقبل السودان.
رحم الله أولئك النفر الكرام الذين حاولوا إنقاذ الوطن مبكراً، ولو أُصغي إليهم يومها، ربما كان السودان اليوم وطناً مختلفاً، أقل نزيفاً وأكثر عدلاً وسلاماً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة