تستفزني كثيرٌ من الظواهر الغريبة علينا، وحالة التقليد الأعمى الذي يمارسه البعض في بلدٍ كان مواطنه – حتى قبل هذه الحرب العبثية – يعاني من انعدام أبسط مقومات الحياة الآدمية.
لكن، لأن التسطيح بات من الثوابت خلال العقود الأخيرة، ولأن لدينا إعلاماً اعتاد أن يتخلى عن دوره التوعوي، واستعاض عنه بالتطبيل لهذا وتكبير كوم ذاك، كان طبيعياً أن تتعاظم هذه الظواهر، وأن نصحو كل صباح لنشهد ما هو (أعبط) منها.
خذوا، على سبيل المثال، ظاهرة دخول أي مطرب أو مطربة لحفل عام وهو محاط بمجموعة من الرجال الأشداء (جسدياً) بوصفهم حراساً شخصيين.
قد يقول قائل – من غير المتابعين – إن البلد في حالة حرب. لكن نرد على هؤلاء بأن هذه الظاهرة سبقت نشوب الحرب اللعينة. وثانياً، طالما أن البلد في حالة حرب، أفليس الأولى بنا أن نتوقف عن هذه الفارغة ولو إلى حين؟
عموماً، فإن المشهد المتكرر والمستفز نتابعه في بلدان عديدة نزح إليها هؤلاء المطربون والمطربات، وهي بلدان حباها الله نعمة الأمن، وعرفت شعوبها كيف تحافظ على هذه النعمة. فما الذي يدفعكم لمثل هذه التصرفات، يا مطربي ومطربات هذا الزمن الأغبر؟ أليس هو التقليد الأعمى، والتصرف بلا فهم؟
تحرسون أنفسكم ممن؟! فمن يتكبد مشاق الحضور لأحد مواقع حفلاتكم يأتي ممنياً النفس بالطرب، لا لمشاهدة مثل هذه التصرفات الدخيلة علينا ، ومن يظن فيكم أنها تمنحه "بريستيجاً" فهو واهم جداً، والعكس هو الصحيح، فهي تصرفات تنم عن خواءٍ فكري وسطحية تُحسدون عليها.
ومن يتوهم أنه يُكمل إبداعه المنقوص بمثل هذه التصرفات، فدعوني أصارحه بأنها تضعفكم أكثر، وتخصم منكم المزيد. فأرجو أن توفروا وقتكم ومالكم لاستثمارهما في تجويد عملكم إن كان هناك مجالٌ للتجويد.
الجيل الحالي من المطربين والمطربات أمره يحيرني حقيقة، خاصة المطربات؛ فبالإضافة لظاهرة الحراس الشخصيين نراهن في حالة تباهِ مستمر بهواتفهن الحديثة، إذ لا تدخل الواحدة إلى مكان الحفل وإلا وهي تحمل هاتفها في يد مثقلة بالحلي الذهبية، إلى درجةٍ فقد معها الذهب بريقه كزينة للمرأة، وصار مجرد سلعة للاستعراض والتفاخر.
أكثر ما نعانيه في هذا السودان هو انقطاع التواصل بين الأجيال؛ فلو تأسى الجيل الجديد من المطربين واقتدى بعمالقة مثل مصطفى سيد أحمد، الكابلي، محمد الأمين، زيدان، وعثمان حسين (رحمهم الله) وغيرهم، لما احتاجوا إلى ملء الفراغ بمثل هذه التصرفات المُستفزة. فأولئك العمالقة كان يحرسهم فنهم وحب الناس، وما كانوا يهدرون وقتهم في اللهث وراء (البريستيج) عبر تصرفاتٍ صبيانية.
والمفارقة العجيبة أن هؤلاء المطربين والمطربات ليسوا احترافيين بالمعنى الحقيقي في أداء عملهم، وبعيداً عن المسارح تجد الواحد منهم يتصرف كأي شخصٍ عادي ينقصه الكثير، فلا التزام بالزي المحترم، ولا محافظة على سلوكيات النجوم، ولا احترام بقية زملائه، لكن ما إن يتوجه أحدهم إلى مكان حفل عام ينتفخ، ويظن انه صار ترافولتا زمانه. فكفوا عن هذا يرحمكم الله، لأن شعبكم ما ناقص أوجاعاً.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة