في السودان، لم تعد الأزمة مجرد حرب بين طرفين مسلحين، بل أصبحت أزمة دولة تتآكل من الداخل، ومؤسسات تتراجع أمام واقع الفوضى والانقسام، ومواطن يدفع وحده ثمن صراع لم يختره. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: هل دخل السودان فعلاً مرحلة سيطرة الجيوش المتعددة والقيادات المتنازعة؟ وهل أصبحت الخرطوم مهددة بجولة جديدة من الحرب، رغم كل ما عانته من دمار وتشريد وانهيار؟ من المؤسف أن الإجابة تقترب كثيراً من كلمة نعم. لقد أثبتت السنوات الماضية، وبصورة أكثر وضوحاً منذ اندلاع الحرب الأخيرة، أن المؤسسة العسكرية السودانية لم تنجح في بناء دولة مستقرة، بل ظلت جزءاً أصيلاً من أزمة الحكم، بل وربما أصل الأزمة نفسها. فمنذ استقلال السودان، ظل الجيش يتدخل في السياسة أكثر مما ينشغل بحماية الحدود، ويصنع الانقلابات أكثر مما يصنع الاستقرار، ويبحث عن السلطة أكثر مما يبحث عن الوطن. كل حروب السودان الكبرى كانت المؤسسة العسكرية طرفاً مباشراً فيها، أو سبباً غير مباشر لاستمرارها. من الجنوب إلى دارفور، ومن جبال النوبة إلى الخرطوم نفسها، لم يكن السلاح يوماً حلاً، بل كان باباً مفتوحاً لمزيد من الدماء والانقسام. اليوم، وبعد كل هذا الخراب، يجد المواطن السوداني نفسه أمام مشهد بالغ الخطورة: تعدد في القوى المسلحة، وظهور تحالفات عسكرية جديدة، وتحركات لقوات مشتركة، وانتشار نفوذ المليشيات، مقابل عجز واضح للقوات المسلحة عن حسم المعركة أو حتى حماية المدنيين من الانتهاكات اليومية. السؤال المشروع هنا: كيف لمؤسسة ظلت تحكم البلاد لعقود أن تعجز عن حماية العاصمة نفسها؟ وكيف يمكن لجيش يدّعي حماية الوطن أن يترك المواطن بين القصف والنزوح والجوع والخوف؟ إن الحديث عن عجز القوات المسلحة في إخراج المليشيات من الخرطوم ليس مجرد نقد عابر، بل هو توصيف لواقع يراه الجميع. العاصمة التي كانت رمز الدولة أصبحت ساحة مفتوحة للفوضى، والمواطن الذي كان ينتظر الحماية وجد نفسه وحيداً، بلا أمن، بلا خدمات، وبلا أفق واضح للمستقبل. الأخطر من ذلك، أن استمرار هذا المشهد يفتح الباب أمام احتمال اندلاع حرب ثانية داخل الخرطوم، ولكن هذه المرة بين أطراف أكثر تعقيداً، وتحالفات أكثر هشاشة، ومصالح أكثر تشابكاً. وعندما تتحول العاصمة إلى مسرح لصراع الجيوش المتعددة، فإن الدولة نفسها تصبح مهددة بالزوال، لا مجرد الحكومة. إن المسؤولية التاريخية هنا تقع أولاً على المؤسسة العسكرية، التي فشلت في بناء جيش قومي مهني بعيد عن السياسة، وفشلت في حماية المواطن، وفشلت في الحفاظ على وحدة الدولة. لا يمكن الاستمرار في تقديم الجيش باعتباره المنقذ الوحيد، بينما الوقائع تقول إنه كان، في كثير من الأحيان، أحد أكبر أسباب الانهيار. النقد هنا ليس عداءً للوطن، بل دفاع عنه. احترام القوات المسلحة لا يعني الصمت عن أخطائها، بل يعني المطالبة بإصلاحها ومحاسبتها، لأن الجيوش الوطنية تُبنى بالمهنية والانضباط، لا بالشعارات والخطب والانقلابات. السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من البنادق، بل إلى مشروع وطني حقيقي، تُعاد فيه السلطة إلى المدنيين، ويُعاد فيه الجيش إلى ثكناته، ويُعاد فيه المواطن إلى مركز الاهتمام بعد سنوات طويلة من التهميش والاستغلال. فالوطن لا يُحمى بالبيانات العسكرية، بل بالعدالة. ولا يُبنى بالمدافع، بل بالمؤسسات. ولا يستقر بحكم الجنرالات، بل بحكم القانون. وإذا لم تدرك المؤسسة العسكرية هذه الحقيقة الآن، فقد يأتي يوم لا يبقى فيه وطنٌ أصلاً لتدّعي حمايته.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة