كانت الخرطوم بالنسبة لي مدينةً لا تشبه المدن، كأنها تُطلّ من زمنٍ آخر وتستقرّ في الحاضر بهدوءٍ واثق. تاجُ العواصم وملتقى النيلين، دخلناها صغارًا نحمل في صدورنا ارتباك البدايات، ونمشي في شوارعها كمن يكتشف العالم لأول مرة.
كنتُ أراها مدينةً مكتملة الملامح؛ نظامٌ يسبق الخطوة، وأسعارٌ ثابتة كأنها لا تعرف التبدّل، وجنيهٌ يقف في السوق كأنه حقيقة لا تُناقش. كل شيء فيها كان يوحي بالاتزان: الناس مطمئنون، الشوارع منظمة، والحياة تمضي بإيقاعٍ لا يختلّ.
كنا نعبر من أحياء المدينة بانسيابٍ مدهش؛ من أبو حمامة إلى السوق العربي في دقائق، ومن هناك إلى الصحافة أو الديوم دون عناء. “بصات أبو رجيلة، التي كانت تعمل في دقةٍ متناهية وفق جداول زمنية صارمة وبانضباطٍ عالٍ، تمر في خطوطها المحددة كأنها جزء من هندسة المدينة لا من حركتها".
وكانت القطارات تشق الأرض بهدوءٍ أنيق، تحمل في عرباتها مسافرين وحقائب وأحلامًا تمتد، وكانت منها القطارات المحلية والمشتركة والفاخرة، تربط العاصمة بالمدن الأخرى، في شبكة نقلٍ تعكس اتساع البلاد وتنوعها.
في تلك السنوات ( في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ) كانت الخرطوم نافذةً مفتوحة على العالم. السفر إلى لندن وأثينا وأوروبا أمرٌ مألوف للميسورين، بينما يتجه غيرهم إلى القاهرة أو الشام أو العراق، والى السعودية حيث امتزجت العبادة بالرزق في رحلات الحج والعمرة، فكانت المقاصد فيها لا تنفصل بين روحٍ تشتاق إلى البيت العتيق، وأيدٍ تبحث عن سعةٍ في الرزق وفرصٍ للحياة. وكانت المدينة تستقبل الجميع دون قلق؛ أجانب يعملون في التعليم والفنادق، وسياح يذوبون في إيقاعها الهادئ، وكأنها تتسع لكل العابرين.
لم تكن الحياة فيها مجرد حركة، بل كانت نسيجًا اجتماعيًا حيًّا. الأندية تمتلئ مساءً؛ الأسرة، الأهلي، النيل، مركز شباب السجانة، أندية الديوم، الكشافة، والملاعب الشعبية ( الليق والساحة الشعبية)حيث تتقاطع أصوات المشجعين مع غبار الكرة.
وفي المساء، كانت الحدائق تفتح صدرها للعائلات: القرشي، المقرن، وحديقة الحيوان، وقاعة الصداقة، بينما تضيء دور السينما (النيل الأزرق، الخرطوم غرب، كلزيوم، الخرطوم جنوب، النيلين، وقاعة الصداقة) شاشاتها بأفلامٍ تأتي من القاهرة وبومباي، وأحيانًا بما كان يُعرض من أحدث الأفلام العالمية حديثة الصدور، فتمنح المدينة حلمًا آخر داخل الحلم.
وليل الخميس كان طقسًا خاصًا لا يشبه غيره؛ الأندية الليلية تمتلئ بالأصوات والضحكات والموسيقى: السكة حديد، النيل الأزرق، النادي السوري، الكاثوليكي، وصالات الديسكو والرقص الليلية في الفنادق .
كانت الخرطوم في تلك الليالي تبدو كأنها لا تنام، بل تكتفي بالاستراحة بين نهارٍ نابض وآخرَ يولدُ من ضجيج الليل.
حتى المقاهي كانت تحمل طابعًا لا يُنسى؛ قهوة الزئبق في السوق العربي، وقهاوي البحيري والسجانة العريقة، حيث يمتزج البن برائحة المدينة القديمة، بطقوسها الخاصة ونكهتها التي لا تُنسى، إلى جانب الفنادق والمقاهي الراقية (المريديان، الفندق الكبير، الصحاري، والعمارة الكويتية) التي كانت تُزار على فتراتٍ لارتفاع أسعارها، كأنها مناسباتٌ استثنائية.
كانت الخرطوم نظيفة، تُغسل شوارعها فجرًا، وتستيقظ كل يوم كأنها تُولد من جديد. البلدية حاضرة في كل زاوية، والنظام جزء من تفاصيلها الصغيرة قبل الكبيرة.
لكن الزمن، كما يفعل دائمًا، بدأ يغيّر ملامحها بهدوءٍ أول الأمر، ثم بوضوحٍ لاحق. اتسعت المدينة، وتكاثرت الهجرات، وجاءت موجات من الداخل والخارج، فتداخلت الأحياء وتبدلت الخرائط. ظهرت امتدادات جديدة في أطرافها، وبدأ التوازن القديم يتراجع شيئًا فشيئًا أمام واقعٍ أكثر ازدحامًا وتعقيدًا.
كنتُ أعود إليها فأجدها هي… وليست هي. الطرقاتُ نفسها، لكن الإيقاع مختلف، والمسافاتُ أطول، والوجوهُ أكثر تعبًا؛ غير أنّ شيئًا واحدًا لم يتبدّل: ذلك الحنينُ العنيد.
وظلّ ذلك الشعور القديم يرافقني: أن الخرطوم ليست مدينةً فحسب، بل زمنٌ كاملٌ سكننا يومًا… وما زال يسكننا.
،،،، تلك ذكريات، ولكن حكايةٌ أخرى مأساويةٌ في المشهد أتت…!!!!!!
وما أعقب ذلك من تحولاتٍ قاسيةٍ، وما مرّت به البلاد من أزماتٍ وصراعاتٍ وجرحٍ عميقٍ طال الجغرافيا والإنسان، هو من أعقد فصول الذاكرة وأثقلها على الروح.
وما أعقب ذلك من مصائبَ ونائباتٍ لحقت بالبلاد، حروبٌ ودمارٌ واضطرابٌ عميق، طوى كثيرًا من ملامح الحياة، وغيّر وجه المدن والناس، حتى غدت التفاصيل أكثر تشظّيًا، والذاكرة أكثر وجعًا.
صفحاتٌ لم تعد اللغة قادرةً على احتوائها كما ينبغي، لما فيها من مرارةٍ ممتدةٍ وندوبٍ لا تخبو، وما زال الناس في عبورٍ دائمٍ بين ألمٍ قديمٍ ورجاءٍ جديد، يبحثون عن لحظة استقرارٍ تُعيد للمدن شيئًا من روحها، وللحياة بعضًا من اتزانها، وللأمن معنىً يُستعاد.
لكن رغم كل شيء، تبقى الخرطوم في داخلي كما كانت أول مرة: مدينةً تمشي بين الحلم واليقظة، بين النيلين، وبين قلبٍ لا يزال يحنّ.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة