حين يدافع المهمَّش عن جلاده: أردول، كبرون، كباشي طيار واخرون ومفارقة الولاء للدولة كتبه خالد كودي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-26-2026, 08:18 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-22-2026, 11:28 AM

خالد كودي
<aخالد كودي
تاريخ التسجيل: 01-01-2022
مجموع المشاركات: 251

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
حين يدافع المهمَّش عن جلاده: أردول، كبرون، كباشي طيار واخرون ومفارقة الولاء للدولة كتبه خالد كودي

    11:28 AM April, 22 2026

    سودانيز اون لاين
    خالد كودي-USA
    مكتبتى
    رابط مختصر




    21/8/2026 ، بوسطن

    ليست المعضلة السودانية في وجود الدولة بمؤسساتها من حيث المبدأ، بل في الإخفاق المستمر في إدراك ماهية هذه الدولة وبنيتها التاريخية المركبة: كيف تشكّلت، ومن أحكم السيطرة عليها، ولأي مصالح وُجِّهت أدواتها. فالدولة ليست جوهرًا مقدسًا قائمًا فوق المجتمع، ولا جهازًا محايدًا يعمل بصورة تلقائية لتحقيق الخير العام. في سياقنا السوداني، إنها، وفق ما تقرره دراسات علم الاجتماع السياسي، نتاج تاريخي تشكّل داخل علاقات القوة، وترسّبت في مؤسساته آثار الحقبة الاستعمارية، ثم استُخدم لاحقًا بوصفه وسيطًا تعيد من خلاله النخب المهيمنة إنتاج نفوذها وامتيازاتها بصيغ جديدة.

    عُرّفت الدولة الحديثة بانها الجهة التي تحتكر العنف المشروع داخل إقليم معين. غير ان هذا التعريف Max Weber منذ
    الإجرائي لا يجيب عن السؤال الأعمق: متى يكون العنف مشروعًا، ومتى يتحول إلى أداة هيمنة؟ حين يستخدم العنف لحماية المواطنين يصبح وظيفة عامة، لكن حين يُوجَّه بصورة متكررة ضد جماعات بعينها، وضد الأقاليم المهمشة، وضد الفقراء والنازحين، فإنه يفقد مشروعيته الأخلاقية والسياسية، ويصبح مجرد احتكار منظم للقوة.
    وفي السودان، تكمن المشكلة في أن كثيرًا من النخب، ومنهم بعض القادمين من الهامش، لم يستوعبوا تعقيدات دولة ما بعد الاستعمار. فهذه الدولة لم تكن استمرارًا بريئًا للدولة الحديثة، بل ورثت جهازًا استعماريًا صُمم أصلاً للإدارة من أعلى، ولضبط السكان، ولتوزيع الموارد بصورة انتقائية. وبعد الاستقلال عام 1956، لم يُفكك هذا الجهاز، بل انتقلت السيطرة عليه من المستعمر إلى نخب مركزية محلية، فأُعيد إنتاج المنطق نفسه بوجوه وطنية. وهنا تتجلى فكرة فرانتس فانون حين حذر
    حين حذر من أن البرجوازية الوطنية في دول ما بعد الاستعمار قد ترث موقع المستعمر بدل أن تهدم بنيته.
    من هذا المنظور، فإن مأساة بعض أبناء الهامش، مثل أردول وكبرون وكباشيوعمنا كافي طيار ومن يسير في هذا الطريق، لا تكمن في مواقفهم السياسية فقط، بل في القصور المعرفي الذي يجعلهم يتعاملون مع الدولة بوصفها معطى مقدسًا لا بوصفها بنية قابلة للنقد وإعادة التأسيس. فهم قادمون من مجتمعات خبرت الحروب والإقصاء، وشهدت كيف صُنعت الأزمات من قلب المركز، وكيف احتُكرت السلطة والثروة، وكيف استُخدمت المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة لحراسة الامتيازات التاريخية. ومع ذلك، يصرّون على الدفاع عن البنية ذاتها، متذرعين بأنهم "يدعمون الدولة ومؤسساتها" ويقفون خلفها!
    وهذه ليست حجة سياسية متماسكة، بل مغالطة فلسفية مزدوجة: الخلط بين الدولة كفكرة تنظيمية عامة، وبين النظام المسيطر عليها كتشكيل تاريخي محدد؛ والخلط بين المؤسسة بوصفها أداة عامة، وبين استخدامها الفعلي لخدمة فئة معينة. فليس كل دفاع عن "الدولة" دفاعًا عن المجتمع، كما أن كل نقد للدولة القائمة ليس عداءً للوطن ولا شنو؟!
    إن هذه النماذج من القيادات المنحدرة من مناطق ظُلِمت تاريخيًا، تتبنى خطابًا اعتذاريًا مرتبكًا تجاه أخطاء جسيمة لم تقع مرة عابرة، بل استمرت لعقود طويلة: حروب أهلية، تمييز تنموي، نزوح جماعي، عنف حضري، ومواطنة متفاوتة. وبدل أن تقرأ هذه الوقائع كبنية يجب تجاوزها، تُقدَّم باعتبارها أخطاء قابلة للترميم داخل الإطار نفسه الذي أنتجها.
    ومن الناحية الأخرى، فإن هذا الخطاب لا يكتفي بتبرير الماضي، بل يعطل المستقبل؛ إذ يشوش على مشروع التغيير الحقيقي، ويؤخر بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الإقليمية، واللامركزية، وسيادة القانون. إنه يزرع الوهم بأن الصبر على البنية القديمة والظالمة سيولد منها إصلاحًا تلقائيًا، رغم أن حوالي الستة عقود من الاستقلال لم تنتج سوى دورات جديدة من الأزمة.
    والأخطر أن الأمر لا يقف عند حدود استخدام هؤلاء الأفراد داخل جهاز الدولة، بل يمتد إلى تحويلهم إلى وسطاء رمزيين لإقناع جماهير واسعة من المهمشين بقبول الواقع ذاته. فيصبح بعض المواطنين، تحت تأثير هذا الخطاب، مشاركين في إعادة إنتاج المظالم التي أضرت بهم، أملاً في تغيير لم يأتِ منذ الاستقلال. وهنا يصدق تحليل انتونيو قرامشي للهيمنة:
    حين تنجح السلطة لا في إخضاع الناس بالقوة فقط، بل في جعل الخاضعين يتبنون تصوراتها عن العالم، ويدافعون عنها بوصفها مصلحتهم الخاصة.
    ومن أكثر أشكال هذه الهيمنة تضليلًا، الاعتقاد بأن مجرد وجود أفراد من خلفيات اجتماعية مهمشة داخل مؤسسات السلطة يعني تحقق التمثيل السياسي أو العدالة الاجتماعية. فوجود شخصيات مثل أردول أو كبرون كباشي، كافي طيار، أو غيرهم من أبناء المناطق المهمشة لا يعني بالضرورة انتقال السلطة إلى تلك المجتمعات، ولا إعادة توزيع الثروة، ولا تغيير بنية الدولة. إنما كثيرًا ما يكون الأمر مجرد تمثيل واجهي أو إدماج رمزي تستخدمه النخبة الحاكمة لإضفاء مظهر التعدد، بينما تظل مراكز القرار الفعلية، وآليات توزيع الموارد، ومنطق الحكم نفسه، على حالها.
    هذا النوع من الخداع السياسي حين فرقت بين سياسات الاعتراف الرمزي Nancy Fraser وقد تناولت الفيلسوفة
    وسياسات إعادة التوزيع المادي؛ إذ يمكن للسلطة أن تمنح بعض الوجوه مواقع مرئية، بينما ترفض المساس بالبنية الاقتصادية والاجتماعية المنتجة للظلم. كما أشار بيير بيردو الي ان الرموز والتمثيلات قد تصبح أدوات لإخفاء علاقات السيطرة الحقيقية
    تحت ستار الشرعية والاندماج.
    ولهذا ينحرف النقاش العام أحيانًا إلى سؤال سطحي من قبيل: هل يُعزل هذا المسؤول (المهمش) من منصبه أم يُبقى عليه؟ وكأن جوهر الأزمة يكمن في الأشخاص، لا في النظام الذي يستدعيهم ويستخدمهم. فيُختزل الصراع في تداول المناصب، بينما تُترك بنية الامتياز التاريخي دون مساءلة. والحقيقة أن وجود هؤلاء في كثير من الأحيان، مهما علت مواقعهم، لا يتجاوز كونه تمثيلًا ترميزيًا محدودًا، يُراد منه تهدئة المطالب الشعبية، وإيهام الجماهير بأن الدولة قد انفتحت عليهم، بينما تستمر الآليات ذاتها في إنتاج التهميش بأدوات أكثر نعومة.
    إن المفارقة السودانية المؤلمة ليست فقط أن المركز همّش الأطراف، بل أن بعض أبناء الأطراف صاروا يُستَخدمون لتبرير أدوات ذلك التهميش باسم الوطنية والاستقرار والمؤسسية، ثم يُقدَّمون لجماهيرهم بوصفهم دليلًا على الشراكة. وهذه ليست قوة سياسية ولا اختراقًا تاريخيًا، بل علامة على عمق الأزمة الفكرية التي ما زالت تمنع السودان من الانتقال من دولة الامتياز الوراثي إلى دولة المواطنة الحديثة، حيث يكون التمثيل الحقيقي قائمًا على المواطنة، السلطة الفعلية والعدالة الملموسة، لا على الوجوه والرموز...

    أولًا: الدولة ليست مقدسة، بل قابلة للنقد والهدم وإعادة التأسيس
    وفقا لمفكرين كبار مثل كارل ماركس وغيره كثر، أن الدولة في كثير من الأحيان ليست جهازًا محايدًا، بل أداة لإدارة مصالح الطبقات المهيمنة. وذهب أنطونيو غرامشي أبعد من ذلك حين شرح كيف تصنع الهيمنة رضا المقهورين أنفسهم، فيقبلون النظام الذي يضرهم، ويعيدون إنتاج خطابه.
    في السودان، هذا واضح منذ الاستقلال 1956: دولة مركزية متمركزة في النيل الأوسط، احتكرت الجيش والبيروقراطية والثروة، بينما تُركت الأطراف للفقر والحروب والتجنيد القسري. من حرب الجنوب السوداني الأولى إلى دارفور، إلى جبال النوبة، إلى النيل الأزرق، كان خطاب الدولة واحدًا: "متمردون يجب حسمهم"!
    لكن ما يسمى "تمردًا" كان في جوهره، في معظم الحالات، مطالب بالعدالة والمساواة وإعادة توزيع السلطة. هذه المطالبة قد تكون غير واضحة المعالم تماما بسبب التهميش ومايترتب عليه من وعي، وقد تأتي عبر مسارات متعرجة، مسلحة أو سياسية، لكنها نتاج انسداد الأفق المدني المنصف. حين تُغلق أبواب السياسة، تدخل المجتمعات من نوافذ الثورة وهذه هي قصة تطور المجتمعات البشرية وبناء الدول!

    ثانيًا: لماذا يدافع وينحاز بعض أبناء الهامش عن الدولة التي أهانتهم؟
    هنا نحتاج إلى التحليل النفسي والاجتماعي.
    شرح فرانتز فانون كيف يسعى بعض أبناء المستعمَرين إلى التشبه بالمستعمِر، طلبًا للاعتراف. فبدل تحطيم البنية، يسعون إلى مكان صغير داخلها. وهذا ما نراه في ظاهرة: الترقي الفردي داخل النظام": يُسمح لبعض أبناء الهامش بالصعود الرمزي، بشرط ألا يغيّروا قواعد اللعبة، ان فعلوا لتم التخلص منهم.
    أما إريك فروم فتحدث عن "الهروب من الحرية": إذ يفضّل بعض الناس الطاعة لنظام قاسٍ على مسؤولية التغيير الجذري. فالإصلاح الشكلي أسهل من المواجهة التاريخية.
    ويشرح بيير بورديو ذلك بمفهوم "العنف الرمزي": حين يتبنى المقهور قيم من يقهره، فيرى العالم بعينيه. فيصبح الدفاع عن الجيش كمؤسسة، أو عن المركز، أو عن قوانين الإقصاء، دليل "وطنية"، رغم أنها كانت أدوات إذلاله بالأمس!

    ثالثًا: أردول وكبرون وكباشي وكافي طيار ومن سار على خطهم أو خلفهم: بين القيادة التاريخية والتنفيذ الكسول
    القيادة الحقيقية لا تتمثل في تكرار مسلمات الماضي، ولا في حماية البنى التي أثبتت فشلها، بل في امتلاك الشجاعة الفكرية والأخلاقية لكسرها وفتح أفق جديد للتاريخ. ولهذا لم يُخلَّد نيكولاس كوبرنيكوس لأنه تأمل السماء فحسب، بل لأنه هدم التصور الكوني السائد حين أعلن في عام 1543 أن الأرض ليست مركز الكون. ثم جاء غاليليو غاليلي ليدافع عن البرهان ضد سلطة العقيدة، وأعقبه إسحاق نيوتن الذي صاغ قوانين الحركة والجاذبية، فانتقل العالم من أسر التفسير الميتافيزيقي إلى انتظام العقل العلمي.
    ولم يقتصر كسر المطلقات على العلوم الطبيعية. فقد حطم رينيه ديكارت يقينيات العصور الوسطى حين جعل الشك المنهجي مدخلًا للمعرفة، ثم جاء إيمانويل كانط ليعلن أن العقل ليس متلقيًا سلبيًا للعالم بل مساهم في تشكيله، بينما فكك غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل فكرة الثبات عبر جدلية التاريخ، وقلب كارل ماركس أوهام القداسة الاجتماعية حين كشف أن المؤسسات السياسية ليست أبدية بل نتاج صراع مادي قابل للتغيير. ثم جاء فريدريش نيتشه لينقد الأصنام الأخلاقية، وميشيل فوكو ليفضح العلاقة بين المعرفة والسلطة، حتى وصل العالم إلى الحداثة الصناعية، والدولة الدستورية، وثورات التكنولوجيا المعاصرة. هكذا يتقدم التاريخ: لا عبر الطاعة، بل عبر النقد وهدم مايستحق الهدم والبناء على انقاضه...ولا ماكده؟!
    إن الأمم تنهض حين يجرؤ أبناؤها على مراجعة المسلمات، لا حين يتحولون إلى حرّاس لها. ومن ثم فإن الخطاب القائل: "لنحمِ الدولة كما هي الآن، ثم نصلحها لاحقًا" ليس تعبيرًا عن قيادة، بل عن تأجيل مزمن للأزمة. إنه لا يبدع حلولًا، بل يعيد تدوير الفشل؛ لا يفتح أفقًا جديدًا، بل يضع طلاءً إداريًا على خراب بنيوي. وهذه عقلية قدرية خاملة تفترض أن المؤسسات التي نشأت تاريخيًا على التمييز، واحتكار السلطة، وإنتاج الحرب، ستتحول تلقائيًا إلى مؤسسات عدالة دون ضغط اجتماعي أو إعادة تأسيس دستوري.
    ولو صح هذا المنطق، لما احتاجت حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى نضالات مارتن لوثر كينغ الابن ومالكوم إكس، ولما احتاجت جنوب أفريقيا إلى إسقاط نظام الفصل العنصري بقيادة نيلسون مانديلا، ولما احتاجت أوروبا إلى الثورات الدستورية منذ عام 1789 وما بعدها. فالمؤسسات لا تُصلح نفسها ذاتيًا؛ إنها تُجبر على الإصلاح بالنضال، أو تُستبدل حين تعجز عن التكيف مع مطالب العدالة والتاريخ... ده حتي الفنان الراحل رمضان حسن غناها: "خليك مع الزمن"!
    وفي السياق السوداني، فإن الدفاع غير المشروط عن مؤسسات الدولة القديمة، رغم سجلها الطويل في الحرب والتهميش والإقصاء، ليس واقعية سياسية كما يُزعم، بل عجز عن تخيل مستقبل مختلف. القيادة الحقيقية تبدأ حين يملك المرء الجرأة على القول إن بعض ما ورثناه يجب ألا يستمر- يجب ان يهدم!

    رابعًا: هدم منازل الفقراء… من التخطيط إلى التطهير الاجتماعي
    من أهم الأسباب التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال ما يجري من هدم واسع لمنازل المهمشين والفقراء في أطراف المدن السودانية، ولا سيما في الخرطوم ومدني وغيرها، تحت مسميات مثل "إزالة العشوائيات" أو "تنظيم السكن" أو "التخطيط العمراني" وما اليه. نعم ادراك ان هذه البيوت المتواضعة، المصنوعة غالبًا من جهد السنين وعرق الفقراء، ليست فراغًا عمرانياً ولا خطأً هندسيًا مجردًا، بل هي مساكن لأسر تنحدر في معظمها من الهامش السوداني ذاته: من دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، والشرق، ومناطق النزوح والحروب. وهي المجتمعات نفسها التي خرج منها بعض القادة الذين يتصدرون اليوم واجهة تنفيذ هذه السياسات أو الدفاع عنها للأسف!
    والمؤسف أن الدولة كثيرًا ما تجعل من أبناء الهامش الوجوه التي تنفذ سياساتها العميقة، في مشهد بالغ الدلالة: أن يُستخدم ابن الضحية لتأديب الضحية، وأن يُستدعى المنحدر من مناطق التهميش ليمنح شرعية أخلاقية لسياسات الإقصاء- هدم المنازل! وهنا لا يتعلق الأمر بالأفراد وحدهم، بل ببنية سلطة تدرك جيدًا قوة الرمز. فهي تعرف أن القمع حين يأتي من المركز وحده يُقرأ بوصفه عداءً مباشرًا، أما حين يُنفذ بوجوه قادمة من الأطراف، فإنه يُقدَّم بوصفه "قرارًا وطنيًا محايدًا". إنها تقنية قديمة من تقنيات السيطرة: إدارة المقهورين عبر بعض المقهورين أنفسهم.
    حين يُبرَّر هدم منازل المهمشين باسم "التخطيط"، دون وقبل توفير بدائل سكنية عادلة، أو تعويضات كريمة، أو برامج إعادة توطين إنسانية، فنحن لسنا أمام تخطيط عمراني، بل أمام عنف طبقي ومكاني منظم. فالتخطيط الحقيقي يبدأ بالسؤال عن الإنسان، لا بالجرافة؛ يبدأ بالخدمات، لا بالإزالة؛ يبدأ بالعدالة المكانية، لا بإعادة إنتاج الامتيازات.
    ان المدينة ليست مجرد شوارع ومبان، Henri Lefebvre وقد شرح
    David Harvey بل فضاء اجتماعي يقوم على الحق في السكن، والانتماء، والمشاركة. ثم طور
    هذا المفهوم حين تحدث عن "الحق في المدينة" باعتباره حقًا سياسيًا وجماعيًا، لا منحة تمنحها السلطة لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء، وقد كتبنا عن هذا الحق في عدة مقالات سابقة.
    في السودان، حين تُهدم مساكن النازحين، ويُطرد الفارون من الحرب، وتُحرق البيوت في بعض المناطق، وتُستخدم مفاهيم مثل "الوجوه الغريبة" لتبرير التضييق على السكان، فإننا نكون أمام مشروع أخطر من مجرد إزالة مساكن عشوائية؛ نحن أمام إعادة فرز سكاني: من يحق له أن يسكن العاصمة، ومن يجب أن يبقى على أطرافها؛ من يُعتبر مواطنًا كاملًا، ومن يُعامل كزائر مؤقت حتى لو وُلد في المكان.
    هذا المنطق يذكّر ببنية المدن الاستعمارية التي قسمت السكان إلى مناطق امتياز ومناطق خدمة، وحددت من يحق له القرب من المركز ومن يُدفع إلى الهامش. إنه انتقال من التخطيط بوصفه خدمة عامة إلى التخطيط بوصفه أداة سياسية لإدارة البشر.
    أما من الناحية النفسية، فإن استخدام بعض أبناء الهامش لتنفيذ هذه السياسات يكشف آلية معروفة في علم النفس الاجتماعي: التماهي مع القوة. فالفرد الذي خرج من بيئة مهمشة قد يرى في قربه من السلطة خلاصًا شخصيًا من ذاكرة الإقصاء، فيتبنى خطابها ويبالغ أحيانًا في تنفيذه ليؤكد ولاءه لها. وهنا يتحول المنصب إلى تعويض نفسي، ويتحول القرب من المركز إلى إنكار للجرح القديم. لكن هذا التعويض الفردي يأتي غالبًا على حساب الجماعة التي ينتمي إليها رمزيًا.
    كما أن السلطة نفسها تستفيد من هذا النمط؛ إذ تُحمّل المنفذ الظاهر كلفة الغضب الشعبي و"السب واللعن"، بينما تبقى البنية التي أصدرت القرار بعيدة عن المساءلة. فيصبح المسؤول القادم من الهامش درعًا سياسيًا لقرارات لم يصنعها وحده، وواجهة لسياسات أعمق منه بكثير.
    والمردود الاجتماعي لهذه السياسات كارثي: تفكيك الأسر، زيادة التشرد، توسيع اقتصاد الهشاشة، تعميق الإحساس بالمهانة، وترسيخ فكرة أن المدينة ليست فضاءً للمواطنة بل امتياز تمنحه السلطة. كما تنتج هذه السياسات ذاكرة جماعية من المرارة، تنتقل بين الأجيال، وتحوّل العمران نفسه إلى شاهد على الظلم.
    إن الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد ما تهدمه من بيوت، بل بعدد ما تبنيه من فرص. ولا تُقاس بقوة الجرافة، بل بقوة القانون العادل. أما حين يصبح الفقير هو الهدف الأسهل، والمهمش هو الحلقة الأضعف، فإن ما يجري ليس تخطيطًا، بل تطهير اجتماعي مقنّع بلغة الإدارة.

    خامسًا: الحرب كوسيلة لإدامة السودان القديم
    إن إصرار مراكز القوة في السودان على استمرار الحرب لا يمكن فهمه بوصفه مجرد خطأ في الحسابات أو سوء إدارة عابر، بل بوصفه آلية عميقة لإبقاء السودان القديم حيًّا رغم إفلاسه التاريخي. فالحرب، في هذا السياق، ليست فقط مواجهة عسكرية، بل تقنية حكم تُستخدم لتأجيل سؤال العدالة، وتعليق مطالب التغيير، وتمديد عمر البنية التي احتكرت السلطة والثروة منذ الاستقلال. وكلما اقترب المجتمع من طرح الأسئلة الجوهرية—من يحكم؟ لمن تُدار الموارد؟ ولماذا ظل الهامش يدفع الثمن؟—أُعيد فتح جبهة الحرب ليُدفن السؤال تحت دخان المعارك.
    في زمن الحرب تُعاد صياغة الوعي العام. يصبح البقاء اليومي أهم من الحرية، ويُقدَّم الأمن المجرد بديلاً عن المواطنة، ويُطلب من الناس الصمت باسم الوطنية، وتُعلَّق المحاسبة بحجة الخطر الوجودي. وتُغلق مساحات النقد، ويُتهم كل من يسأل بالخيانة أو التآمر، بينما يُعاد إنتاج المؤسسة العسكرية بوصفها المنقذ الوحيد، حتى حين يكون جزء معتبر من الخراب قد وقع تحت سلطتها المباشرة، أو نتيجة لفشلها التاريخي في إدارة الدولة خارج منطق القوة.
    وقد لخّص جورج اورويل هذه الحقيقة حين أشار إلى أن الحرب قد لا تُخاض دائمًا من أجل النصر، بل أحيانًا من أجل الحفاظ على البنية القائمة. أي أن استمرار الصراع نفسه قد يصبح مصلحة سياسية، لأنه يجمّد التناقضات الداخلية، ويمنع الناس من رؤية جذور الأزمة: احتكار السلطة، والفساد البنيوي، والتفاوت الجهوي، وغياب العدالة التاريخية. وفي السودان، تتجلى المفارقة الأشد قسوة في أن بعض أبناء الهامش، الذين يفترض أن ذاكرتهم الجمعية محمولة على آثار القصف والنزوح والإذلال، صاروا يشاركون في تسويق هذه الحرب أو تبريرها أو تنفيذ أجندتها. وهنا يبرز السؤال الكاشف: إذا كانت هذه الحرب تُدار من أجل الوطن، فلماذا تتكدس مخيمات النزوح بأبناء الأطراف؟ وإذا كانت من أجل الدولة، فلماذا لا يرى المهمشون من الدولة سوى الحواجز والسلاح والهدم؟ وإذا كانت من أجل الكرامة، فلماذا يُذل الفقراء في طرقات المدن ويُهدم سكنهم باسم التنظيم؟
    إن عجز هؤلاء عن الإجابة يكشف أن وجودهم في السلطة ليس تمثيلًا تحرريًا لمجتمعاتهم، بل وظيفة وسيطة داخل بنية أكبر منهم؛ وظيفة تمنح المركز غطاءً رمزيًا، وتمنح الحرب وجهًا متنوعًا، بينما تستمر النتائج ذاتها: قتل، تشريد، فقر، وانسداد أفق.
    ومن منظور علم النفس السياسي، فإن بعض من يصلون من الهامش إلى مواقع السلطة يقعون في آلية التماهي مع القوة؛ فيتصورون أن قربهم من المركز انتصار شخصي، ولو جاء على حساب جماعاتهم الأصلية. فيتحول المنصب إلى تعويض فردي عن ذاكرة الإقصاء، ويصبح الدفاع عن النظام وسيلة لإثبات الانتماء إلى طبقة الحاكمين. لكن التاريخ لا يقيس الناس بما شغلوه من كراسٍ، بل بما صنعوه من تحرر أو بما شاركوا فيه من قمع.
    والأخطر من ذلك أن الحرب تُنتج طبقة كاملة من المستفيدين: سماسرة، متعهدين، بيروقراطيين، تجار خطاب، ومراكز مصالح لا تزدهر إلا في الفوضى. ولهذا فإن السلام الحقيقي لا يهدد الجبهة العسكرية وحدها، بل يهدد شبكات كاملة بُنيت على اقتصاد الحرب.
    إن السودان القديم لا يعيش رغم الحرب فقط، بل يعيش بالحرب. فهي الوقود الذي يغذي سلطته، والستار الذي يخفي عجزه، والذريعة التي يؤجل بها ميلاد دولة المواطنة. ولذلك فإن الوقت قد حان، قيادةً وجماهير، لأبناء الهامش خاصة، أن يعيدوا النظر في علاقتهم بدولة لم تمنحهم طوال أكثر من خمسة عقود سوى الحروب والدمار والتشريد. فالدولة التي لا تعرف أبناءها إلا وقودًا للمعارك، ليست وطنًا مكتملًا، بل مشروع هيمنة يجب تجاوزه.

    اخيرا: لا مطلقات… والمراجعة واجب
    يحتاج السودان اليوم إلى قطيعة معرفية وأخلاقية مع السودان القديم، لا إلى ترقيعه. فبعض البنى لا تُصلح لأنها أُسست أصلًا على الخلل، وبعض المؤسسات لا تُراجع من الداخل لأنها صُممت لحراسة الامتياز لا لخدمة المجتمع.
    - لا قداسة لمؤسسة تقتل شعبها
    - لا شرعية لدولة تهجّر مواطنيها
    - لا وطنية في الدفاع عن الامتياز التاريخي
    - لا قيادة في تكرار مسلمات الفشل
    إن ما يسلّم به أردول وكبرون وكباشي وكافي طيار وأتباع هذا المنطق—أن الدولة الحالية يجب أن تُحمى أولًا ثم تُصلح لاحقًا—ليس واقعية سياسية، بل استسلام ذهني وعجز عن تخيل المستقبل. فكم من مرة قيل هذا الوعد منذ الاستقلال؟ وكم مرة طُلب من المهمشين الانتظار؟ وكم مرة كان الثمن مزيدًا من الدم والخراب؟
    الأمم لا تتقدم إلا حين ينهض فيها من يجرؤ على مراجعة المسلمات. لا مطلقات في السياسة، ولا مقدسات فوق الإنسان Nicolaus Copernicus والعدالة. ولهذا فإن الدرس العميق الذي بدأه
    حين كسر مركزية الأرض، هو أن التاريخ يتحرك عندما تسقط المراكز الزائفة.
    وفي السودان، آن الأوان لكسر مركزية الخرطوم القديمة، ومركزية الجيش في السياسة، ومركزية الامتياز العرقي والطبقي، ومركزية الدولة التي ترى الأطراف خزّانًا للحرب لا شركاء في الوطن.
    إن السودان الحديث لا يمكن أن يقوم إلا على أنقاض السودان القديم: دولة جديدة، تقوم على المواطنة المتساوية، والعدالة الإقليمية، واللامركزية الحقيقية، وحرية الإنسان، وكرامة المجتمعات التي صبرت طويلًا. عندها فقط يبدأ تاريخ جديد، لا يُدار فيه الهامش من المركز، بل يُعاد فيه تأسيس الوطن من الجميع ولأجل الجميع.

    النضال مستمر والنصر اكيد.

    (أدوات البحث والتحرير التقليدية والإليكترونية الحديثة استخدمت في هذه السلسلة من المقالات)

























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de