التفتيت الممنهج للوعي الذي تمارسه القوى الطفيلية المناهضة للتغيير لم يكن عملا عابرا بل نهجا متصلا يستهدف ضرب الثورة في جذورها وتشويه اهدافها في الحرية والعدالة والسلام. فكل ما يجري اليوم من ظواهر سياسية واجتماعية في ظل الحرب يصب في اتجاه واحد هو اضعاف المشروع الوطني الذي حملته الثورة وصرف الانظار عن القضايا الاساسية للسودان، الامر الذي يفرض على كل صاحب موقف وطني، مسؤولية كشف هذه الممارسات وفضح آلياتها التي تعمل على اعادة انتاج الازمة بدل حلها. المشهد السوداني الذي نراه اليوم في ظل الحرب ليس ظاهرة طارئة ولا حدثا معزولا، بل هو نتيجة طبيعية لمسار طويل بدأ منذ عهد نظام الانقاذ الذي إنقلب على النظام الديمقراطي في عام ١٩٨٩م وحول السياسة الى سوق مساومات واغراءات ودسائس ومؤامرات، وجعل من تفتيت المجتمع منهجا ثابتا يقوم على ضرب القوى ببعضها وتغذية الانقسامات وتقديم الولاءات الشخصية على المصلحة الوطنية. بعد اشعالهم لنار الحرب اللعينة وفشلهم في حسمها لصالحهم لجؤوا إلى نفس النهج والاليات القديمة أضرب هذا بذلك وهكذا دواليك، حيث تسعى قوى الردة والظلام ممثلة في تنظيم الكيزان أي الحركة الظلامية الى اعادة انتاج نفوذها عبر سياسة تقوم على تفكيك الصف الوطني وتقريب طرف لاضعاف اخر واغراء إنتهازيين جدد لخلق مسارات بديلة لا تخدم القضايا الجوهرية للسودان. غير ان ما يغيب عن هذه القوى هو ان الوعي بطبيعة الازمة الوطنية هو الذي يحدد مواقف المناضلين الحقيقيين، لا الاغراءات ولا الوعود ولا الصفقات. فكل رخيص يبيع نفسه، يكون قد سقط في الهاوية المظلمة، لكن صاحب المبدأ الذي يدرك عمق الصراع السياسي والاجتماعي لن تؤثر عليه هذه الظواهر البائسة ولا ينخدع بمحاولات اعادة تدوير نفس البنية التي صنعت الازمة. معسكر الحرب بقيادة مجرم الحرب البرهان في موقف ضعيف، ويحمله عناصر فنائه في داخله، لأنه تجمع إنتهازيين جمعتهم المصالح الضيقة لقطع مسار التحول المدني الديمقراطي، لكن ليس هناك ما يجمعهم من مبادئي وقيم ديمقراطية، كل منهم يسعى لإضعاف الآخر، والتخلص منه، وفات على معسكر الحرب ان عجلة الصراع في السودان لا تتوقف، وهي تتجه نحو هدف واحد هو بناء نظام مدني ديمقراطي فيدرالي يحقق مشاركة عادلة لكل اقاليم السودان عبر ارادة شعبية حرة تعبر عنها صناديق انتخابات نزيهة وليس المؤامرات والخيانة والغدر. الحل الوحيد لكل أزمات السودان يتمثل في مخاطبة جذور الازمة الوطنية عبر عقد المؤتمر الدستوري والخروج بميثاق إجتماعي سياسي يعبد الطريق لتداول سلمي للسلطة وتوزيع عادل للثروة بين جميع أقاليم السودان. كل ما عدا ذلك مجرد خداع للذات وللاخر ومحاولة لتجميل ازمة لم تتغير شروط انتاجها. ستبقى ساقية الازمة دائرة ما لم يتم كسر هذا النهج القديم الذي يقوم على التفتيت والاختراق والصفقات، فالمستقبل لن يصنعه من يلهثون خلف المكاسب، بل من يمتلكون وعيا حقيقيا بطبيعة الصراع واصرارا على تحقيق تطلعات الشعب السوداني في الحرية والعدالة والمساواة.
الطيب الزين/ كاتب وباحث في دور القيادة والإصلاح المؤسسي.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة