“الاستراتيجية دون تكتيك هي أبطأ طريق إلى النصر، والتكتيك دون استراتيجية هو الضجيج قبل الهزيمة.”
— صن تزو
ما يجري اليوم في السودان لا يمكن فهمه بوصفه مجرد حرب على السلطة، بل هو صراع أعمق على تعريف الدولة نفسها: هل تُستعاد كامتداد لماضٍ مأزوم، أم تُعاد صياغتها على أسس جديدة تواكب تحولات الداخل والإقليم والعالم؟
جوهر الأزمة يتمثل في إصرار نخب مركزية على محاولة استنقاذ “الدولة القديمة”، وهي محاولة لا تبدو فقط متأخرة زمنياً، بل مفضوحة في دوافعها، إذ تسعى إلى الحفاظ على امتيازات تاريخية وشبكات نفوذ تشكلت خلال حقبة ما يُعرف بـ“الإنقاذ”. هذه النخب، التي فشلت في إنتاج دولة مستقرة في السابق، تراهن اليوم على إعادة تدوير نفس البنية السياسية والأدوات القديمة، في سياق إقليمي ودولي لم يعد يسمح بمثل هذا التكرار.
ولعل ما يكشف هشاشة هذا المسعى أكثر من غيره هو ما يجري في بورتسودان، حيث يظهر مشهد سياسي أقرب إلى الأداء المسرحي منه إلى الفعل السياسي الرصين. وجوه ارتبطت لعقود بمنظومة الإقصاء وإدارة السلطة المغلقة، تتحدث اليوم بلغة الانفتاح السياسي والصلح المجتمعي، وكأنها اكتشفت فجأة نضجاً أخلاقياً أو صحوة ضمير. غير أن هذا التحول لا يعكس مراجعة فكرية حقيقية، بقدر ما يعكس استجابة اضطرارية لضغوط خارجية متزايدة، وإدراكاً متأخراً بأن منظومة التحالفات القديمة قد بدأت تتفكك.
لقد بات واضحاً أن لعبة المحاور التي كانت تُدار عبر اصطفافات أيديولوجية لم تعد صالحة للاستمرار. فالتعويل السابق على محاور مثل قطر وتركيا لم يعد يوفر الغطاء السياسي أو الاقتصادي الكافي، في ظل تحولات أوسع في الإقليم، وصعود أدوار موازية لكل من الإمارات العربية المتحدة والسعودية، إلى جانب إعادة تموضع المجتمع الدولي وفق حسابات أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية.
في قلب هذا المشهد، يبرز نمط متكرر في السلوك العسكري حين ينتقل من إدارة الحرب إلى محاولة إدارة الدولة. فبعض القيادات العسكرية قد تتقن أدوات التكتيك—المناورة، وإدارة الوقت، وتبديل التحالفات المرحلية—لكنها تتعثر حين يتعلق الأمر بالاستراتيجية، أي القدرة على صياغة أفق سياسي واضح ومستدام.
وفي هذا السياق، فإن عبد الفتاح البرهان يعيد إنتاج نمط عمر البشير في ربط مصير الدولة ببقائه الشخصي. هذا النمط لا يعكس مجرد خطأ في التقدير، بل يشير إلى أزمة بنيوية في تصور السلطة والدولة معاً. فالمناورة السياسية قد تحقق مكاسب آنية داخلية، لكنها تفقد فعاليتها أمام فاعلين دوليين يتحركون بمنطق حسابي صارم لا يحتمل الغموض أو الرسائل المزدوجة.
ويبدو أن الرهان الحالي يقوم على إعادة إنتاج نموذج “الانتقال المُدار”، عبر فتح مسارات حوار سياسي محسوب، وإنتاج حالة من الوفاق الظاهري تُستخدم لاحقاً كغطاء لإعادة تدوير السلطة بأشكال جديدة. غير أن هذا المسار يصطدم بواقع داخلي شديد التعقيد، وببيئة إقليمية لم تعد قابلة لتمرير هذه الصيغ بسهولة. إن ما يُقدَّم اليوم بوصفه “صحوة سياسية” في بورتسودان لا يعدو كونه إعادة تموضع تحت الضغط، لا تحولاً نابعاً من مراجعة حقيقية. إنه خطاب جديد بأدوات قديمة، يحاول التكيف مع لحظة سياسية انتهت شروطها السابقة، دون الاعتراف بانهيارها.
في المقابل، يبرز خيار “التأسيس” كمسار بديل، لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل كمشروع لإعادة تعريف الدولة نفسها. غير أن هذا الخيار لا يمكن أن يُبنى على القوة وحدها، ولا على التفوق العسكري، بل على رؤية سياسية ودبلوماسية قادرة على تقديم نفسها كفاعل مسؤول، لا كامتداد لصراع مفتوح.
إن أي مشروع تأسيسي مطالب بأن يتجاوز منطق “القوة الغالبة” إلى منطق “الدولة الممكنة”. وهذا يتطلب تموضعاً واعياً في الإقليم، وانفتاحاً براغماتياً على الفاعلين المؤثرين، وبناء خطاب سياسي يقطع مع ثنائيات الماضي. كما أن شرعية هذا المشروع لا تستمد فقط من قدرته على إزاحة خصومه، بل من قدرته على تمثيل قطاعات اجتماعية ظلت مهمشة تاريخياً، خاصة في غرب البلاد، إلى جانب جمهور واسع ظل صوته محجوباً بفعل القمع والخوف، وإن كان حاضراً كقوة كامنة في المعادلة.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في إسقاط القديم، بل في ما بعد سقوطه. فالتاريخ السوداني الحديث يثبت أن إسقاط الأنظمة أو القوى المتجذرة لا يكفي ما لم يُنتج بديل قادر على بناء مؤسسات مستقرة. وإلا فإن الفراغ يتحول سريعاً إلى فوضى قابلة لإعادة إنتاج الصراع ذاته بأشكال جديدة.
ختامًا، إن اللحظة الراهنة لا تحتمل إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة. فإما استمرار في استنقاذ دولة تحتضر، أو انتقال شاق نحو تأسيس دولة مختلفة جذرياً. وبين الخيارين، لا يبدو أن المراوحة ممكنة دون دفع كلفة باهظة في الاستقرار والمستقبل.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة