في حضرة الجرح السوداني: تأمل في التسامح كفعل وجودي كتبه ادم أبكر عيسي

مرحبا Guest
اخر زيارك لك: 04-17-2026, 11:04 AM الصفحة الرئيسية

منتديات سودانيزاونلاين    مكتبة الفساد    ابحث    اخبار و بيانات    مواضيع توثيقية    منبر الشعبية    اراء حرة و مقالات    مدخل أرشيف اراء حرة و مقالات   
News and Press Releases    اتصل بنا    Articles and Views    English Forum    ناس الزقازيق   
اراء حرة و مقالات
نسخة قابلة للطباعة من الموضوع   ارسل الموضوع لصديق   اقرا المشاركات فى شكل سلسلة « | »
اقرا احدث مداخلة فى هذا الموضوع »
04-17-2026, 03:55 AM

ادم ابكر عيسي
<aادم ابكر عيسي
تاريخ التسجيل: 03-08-2014
مجموع المشاركات: 243

للتواصل معنا

FaceBook
تويتر Twitter
YouTube

20 عاما من العطاء و الصمود
سودانيز اوون لاين ..منبر الحق والحقيقة
مكتبة سودانيزاونلاين

مكتبة الفساد

من اقوالهم
(مكتبة مفتوحة للتحديث)
للتواصل معنا
FaceBook
تويتر Twitter
YouTube
في حضرة الجرح السوداني: تأمل في التسامح كفعل وجودي كتبه ادم أبكر عيسي

    03:55 AM April, 16 2026

    سودانيز اون لاين
    ادم ابكر عيسي-السودان
    مكتبتى
    رابط مختصر



    آصداء الوعي


    بعد ذلك الصباح البغيض من أبريل عام ألفين وثلاثة وعشرين، حين انشقت السماء السودانية على نار لا تعرف الرحمة، لم تكن الحرب التي تسللت إلى البيوت تأكل الأجساد وحدها، بل كانت تقتل فينا ما هو أقدس: القيم التي ظللنا نعتقد أنها عصية على الموت. اليوم، وبينما تتساقط القنابل على مدننا، تتساقط أيضاً الكلمات على منصات التواصل، كلمات محملة بسم العنصرية، تتحول في اللقاءات الجماهيرية إلى شلالات من الكراهية تصب في نهر واحد: نهر التفكك. هذا الخطاب العنصري ليس هذياناً عابراً، بل سرطان يفتك بالنسيج السوداني من الداخل، وهو ما كان الفلاسفة عبر العصور يرددون تحذيراتهم منه، فها هو أفلاطون في جمهوريته يقول إن الجهل بالذات والآخر هو أصل كل شر، ونحن اليوم نجهل أن الآخر هو نحن، نجهل أن القبيلة التي نشتمها كانت بالأمس جارة تسقينا الماء وتؤاسينا في المصاب.

    تحولت شاشات هواتفنا إلى ساحات حرب موازية، تختزل فيها القبائل إلى صور نمطية قاتلة، ويعاد إنتاج خطابات تقول إن الدم مختلف اللون، وإن الأرض ليست للجميع. وابن خلدون في مقدمته كان يبشرنا أن العصبية حين تتجاوز دفء الانتماء إلى جليد العداء، فإن العمران ينهار. ونحن اليوم نرى العمران ينهار حجراً حجراً، وقيمة قيمة. لكننا لسنا مجبرين على الاستسلام، فثمة أيدٍ متشابكة يمكنها أن تصنع ما يشبه المعجزة.

    لابد للدولة وأجهزتها أن تدرك أن القوانين وحدها لا تكفي، رغم أنها ضرورية كالحاجز الأول أمام الفيضان. تشريعات تجرّم خطاب الكراهية بشفافية، ومحاكمات عادلة ترى في التحريض على القتل جريمة لا تسقط بالتقادم. والأجهزة الأمنية مطالبة بأن تراقب بعيون ذكية، لا بعيون بوليسية غاشمة، فلا تخلط بين حرية الرأي والدعوة إلى المذبحة. الروانديون بعد مذبحتهم المرعبة علّمونا درساً موجعاً: حين أهمل العالم العلامات المبكرة لخطاب الكراهية، تحولت الكلمات إلى مناجل. وفي سوداننا، لدينا تجربة اللجنة الوطنية لمكافحة خطاب الكراهية التي تأسست عام 2020، لكنها تحتاج اليوم إلى روح جديدة وآليات أكثر جرأة.

    أما نحن، أيها السودانيون، فتراثنا يصرخ فينا بصوت التسامح. في النوبة، هناك "النديف" – ذلك العطاء الكريم للضيف الذي لا يسأل من أين أتيت. وفي الريف، هناك "النفير" – ذلك التكافل الذي يجعل القبيلة المتخاصمة تصبح جسداً واحداً حين تحل النازلة. وفلسفة "الود" الصوفية تهمس في آذاننا أن "الخلق عيال الله"، فكيف لنا أن نقتل عيال الله لأنهم من قبيلة غير قبيلتنا؟ على الأئمة والقساوسة وقادة الرأي والشباب الثائر في الشوارع الافتراضية أن يطلقوا حملات تفضح زيف الخطاب العنصري، وأن يقدموا نماذج حية للتعايش كما كانت، وكما يمكن أن تكون.

    في عمق الفلسفة الإسلامية، نجد القرآن ينادينا: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا"، فالاختلاف لم يُخلق ليكون سيفاً، بل جسراً. ومفهوم "الميثاق" في المدينة المنورة أسس لمواطنة متساوية بين المسلم وغير المسلم قبل أربعة عشر قرناً. أما الإمام علي بن أبي طالب، فقد بلغ ذروة الحكمة الإنسانية بقوله: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق" – تأسيس للكرامة قبل كل شيء، كرامة الإنسان لمجرد أنه إنسان.

    والفلاسفة اليونان، رغم بعدهم الزماني، كانوا يرددون صدى ما نعاني منه. أرسطو قال إن الإنسان "مدني بالطبع"، أي لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخرين في مدينة فاضلة تقوم على الفضيلة. والرواقيون، وعلى رأسهم إبكتيتوس، علمونا أن "ما يؤذي الإنسان ليس الأشياء نفسها، بل أحكامه عليها" – فكر لو طبقناه، لتحولت أحكامنا المسبقة عن الآخر إلى مجرد أوهام نتحرر منها.

    في كسلا وحدها، ليست القصة مجرد تعايش، بل هي ميلاد يومي للجمال. هناك، حيث تتداخل ضفائر البجا مع ثياب الهوسا المزركشة، وتلتقي رائحة القهوة النوبية مع بخور التكارنة، كان الناس ينسجون وطناً لا تعرف جدرانه العنصرية. لكن السودان كله، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه الأثير الذي ما زال في القلب، هو متحف حي للتعايش.
    في "عفاف" بولاية الشمالية، وتحديداً محلية الدبة، كان التلاحم والانصهار واستقبال النازحين من الفاشر، حيث قُدِّم لهم كافة المعينات الحياتية، مما يؤكد معاني الإنسان السوداني الأصيل وقت الأزمات. وفي غربها (الجنينة والفاشر وزالنجي ونيالا)، أسر سودانية من شمال السودان انصهرت وقدمت نموذجاً رفيعاً للتسامح والتعايش المشترك. كما شهدت عطبرة ودنقلا ومناطق التعدين أروع الأمثلة في قبول الآخر والتعايش المشترك.
    ويتشاركون الخبز والماء والحلم بالعودة، وقد صار المعسكر مدرسة في التسامح تخرج منها آلاف السودانيين يحملون شهادة واحدة: أن الدم السوداني لا يُفرق. وفي وسط السودان، في مدن الجزيرة وود مدني وأم درمان، كانت الأحياء القديمة تحفظ أسراراً عجيبة؛ الجار من قبيلة والجار الآخر من قبيلة أخرى، والمسجد بجانب الكنيسة، والكل يحتفل بأعياد الكل. وفي الشمال، على ضفاف النيل الأبدي، لا تزال الذاكرة تحتفظ بصور المجتمعات النوبية التي لم تعرف التمييز أبداً. والحقيقة التي يجب أن نقولها بصراحة: كل سوداني اليوم يحمل في عروقه جينات من كل هذه الأقاليم، فمنذ مملكة كوش العظيمة، مروراً بالمسيحية والإسلام، وصولاً إلى هذا الراهن المأزوم، والسودانيون يختلطون كروافد النيل، لا يمكن لأحد أن يدعي النقاء. إن الذين يذكون هذه النعرات العنصرية اليوم، ويمولون خطابات الكراهية على وسائل التواصل، ليسوا حراس قبائل، بل هم عملاء لتقسيم السودان، يريدون أن يحصدوا من حروبنا ما لا تستطيع أن تزرعه أي حرب خارجية. إنهم يستثمرون في جرحنا ليصنعوا دويلة من كل شظية. علينا ألا نمنحهم الفرصة، علينا أن نعيد بناء السودان كما كان دائماً: لوحة فسيفسائية لا يعرف جمالها إلا من فهم أن الاختلاف ليس عيباً، بل نعمة. هذه النماذج التي ذكرناها، من كسلا إلى عفاف إلى أم درمان إلى الشمال، ليست أساطير، بل وقائع عاشها آباؤنا وما زال بعضها حياً رغم الجراح، ويمكننا أن نعيد إنتاجها على نطاق أوسع. واليوم، بعد الحرب، تظهر مبادرات شبابية كـ"سودان بلا عنصرية" "المواطنة المتساوية "(والسودان اولا "وكل البلد دارفور ؛" توثق قصص التعايش وتفضح خطابات الكراهية، وتذكرنا بأن النور لا يموت أبداً، حتى في أعمق الليل.

    أمام السودان الآن لحظة فارقة، كتلك اللحظات التي تمر على الأمم فلا تعود كما كانت: إما أن نسمح لخطاب الكراهية أن يكتب النهاية، وإما أن نصنع معجزة التعايش من جديد. إن بناء ثقافة قبول الآخر ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي ضرورة وجودية لإنقاذ السودان من الانهيار. الفيلسوف السوداني الكبير عبد الله الطيب قال كلمة لو حملها كل سوداني في قلبه، لكانت كافية: "الوطن ليس أرضاً نعيش عليها، بل علاقة نصنعها". فلنصنع معاً علاقة تقوم على الاعتراف بأن الاختلاف سنة الله في خلقه، وأن الكرامة الإنسانية خط أحمر لا يمكن تخطيه، وأن الحياة المشتركة هي المشروع الأقدس، الذي نضحي من أجله بكل العصبيات الضيقة. وطن يسع الجميع هو وحده وطن يستحق أن نحبه، أن نموت من أجله، والأهم، أن نحيا من أجله.























                  


[رد على الموضوع] صفحة 1 „‰ 1:   <<  1  >>




احدث المقالات بسودانيزاونلاين اليوم
فيس بوك تويتر انستقرام يوتيوب بنتيريست
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة
About Us
Contact Us
About Sudanese Online
اخبار و بيانات
اراء حرة و مقالات
صور سودانيزاونلاين
فيديوهات سودانيزاونلاين
ويكيبيديا سودانيز اون لاين
منتديات سودانيزاونلاين
News and Press Releases
Articles and Views
SudaneseOnline Images
Sudanese Online Videos
Sudanese Online Wikipedia
Sudanese Online Forums
If you're looking to submit News,Video,a Press Release or or Article please feel free to send it to bakriabubakr@cox.net

© 2014 SudaneseOnline.com

Software Version 1.3.0 © 2N-com.de