يقول الله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) ﴿١٥٦﴾ سورة البقرة . صدق الله العظيم. و صدق النبي الكريم إذ قال: "إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، ضلو وأضلُّوا". و نسب للصحابي الجليل عبد الله بن مسعود و غيره من صلحاء الأمة و سلفها الصالح قولهم : "إذا مات العَالِمُ انْثَلَمَ في الإسلامِ ثُلْمَةً لا يَسُدُّهَا شيٌء إلى يومِ القيامةِ" إنها و الله المصيبة و الثلمة التي لا تسد بترجل العلماء الربانيين حملة ألوية جيوش الرحمن في مدافعة و مجاهدة النفس و جنود الشيطان و عبورهم من فوقنا عروجاً نحو مقاماتهم المؤبدة عند من إليه الرجعى و المنتهى و إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح يرفعه،، منذ منتصف القرن التاسع الى يومنا هذا فسحة زمنٍ تشكّلت فيها فى منطقة ام ضبان و انحاءها لوحة خالدة و رويت فيها قصة نبيلة لم يكن رواتها و مشكّلوها من رواة الأسمار و ترف القول و المقال بل كانوا أباء صدق ميامين مهرت أناملهم في تشكيل شرافات القرءان الكريم على الألواح و الزُبر،،، و صدحت حناجرهم بآيات الذكر الحكيم لهم بها دوي كدوي النحل زمن الربيع و دندنة كدندنة المستهام حينما يلوح له طيف من الحبيب في النوم أو في " الصحيان" و هذا هو ديدنهم منذ عهد الجد المؤسس عالي المقام ود ريا الرشيد و ما أدراك من هو محمد العبيد ود بدر سمتاً و رقةً و ذوقاً و شعاعاً واسع الطيف في الدين و الحكمة و الإجتماع و على نسجه و نوله و منواله سار خلفاؤه و أبناؤه و طبقات متراكمة من التلاميذ و المريدين كلهم ملتمس منه وصلاً غرفاً من اليم أو رشفاً من الديم خلفاً يتلو سلفاً إلى أن تساوقت أسباب العناية و الإصطفاء حتى تجمعت كلها و أحكمت و أبرمت ثم أجمعت على الراحل عنا صاحب السماحة و الفضيلة خليفة الأسلاف الماضين و قيدومة الباقيين مولانا الخليفة: الطيب الجد الشيخ العباس فشمر لها و أحسن قيادها و أحكم أمرها و ساسها بالحكمة و توغل فيها بالرفق و لِمَ لا يكون ذلك كذلك؟ فهو من ولد و ترعرع طفلاً و قد ربته تلك الأيدي التي برعت في تلوين شرافات القرءان حتى ضربت بها الأمثال و التشبيهات فقيل: " فركة قرمصيص زي شرافة البادراب"و ضُربت إليها أكباد الإبل و الدواب من أقصى بلاد تكرور غرباً و من أقاصي بلدان الحبش و العفر شرقاً فضلاً عن أهل السودان الذين أمّوا رحاب ود بدر بغية قرءانه و شرافته ذرافات ذرافات،،، و في تلك الأجواء تربى و نشئا و ترعرع خليفتنا الراحل و عاش فيها طفولة مفعمة بالترتيل و التجويد و الحفظ كغيره من عامة الطلاب و ليس ذلك وحده بل كما كان له ورده من الذكر و له سُبعه من الحفظ كذلك كان له حظه من الخدمة خدم طلاب القرءان كما خدم المرضى و ذوي الحاجات المعنوية و المادية و سلاسل الأضياف التي لم تنقطع منذ عصر الجد المؤسس و إلى يوم الناس هذا و بدأ مذ ذاك الوقت الباكر من طفولته في التعود على تحمل مسؤولية " عجين ود بدر" و " كِسرة أب غرة" للطالبين من أهل الحاجة الدائمة الراتبة أو أولئك الملتمسين للبركة و الطالبين للإستشفاء " و ما أعظمها من مسؤولية أورثته صبراً و جلداً ثم حنكة و دربةً ثم قدرةً على ترتيب الأولويات و تقدير الموقف و إيجاد المناسب من الحلول و المعالجات. إن الصفات التي إكتسبها في تلك المرحلة كانت هي مدماك التأسيس لشخصيّته فحافظ على توازنه النفسي منفتحاً على الثقافات و المعارف المتنوعة في غير ما إستلاب و في سوح التقاضي و قاعات التحاكم كان لفقيدنا قاضي العدالة صولات و جولات شُهد له فيها بأهم صفاته التي تميز بها شهد له بحسن الإستماع و بدقة التدوين و بضبط و ترتيب القضية و بعدم الإستعجال في إصدار الأحكام فضلاً عن توخيه لروح العدالة قبل نصوصها تنقل في المحاكم أفقياً و تدرج في مراقيها رأسياً و تلمس بيديه أنواع القضايا و تفحصها بعقله و أصدر فيها أحكامه و قرارته بكل يقينه و قناعته حتى أن بعض أحكامه عُد في السوابق القضائية،، أوصلته عدالته و دقته و إتقانه و علمه بالقوانين إلى مصاف المحكمة العليا فكان من أميز رؤساء دوائرها لكن لابد من أم ضواً بان أو "أم ضبان" و إن طال السفر و بَعُد التسيار و تباعدت خطاه كان هنالك نداء من الأسلاف الأماجد من لدن الجد المؤسس إلى خليفة الوقت و الأوان أن وصلت إليك النوبة و وقع عليك سهم التكليف و أتته خلافة ود بدر الرشيد تسعى تعنيه هو وحده دون غيره فشمر لها عزمه و عزيمته و كده و جده فأخذها بحقه و حقها فدانت و لانت له و توحدت فيه فشرع يستل من جنباتها مخارز التشنج و الإعتوار و خلافة ود بدر هذه ليست بالخلافة الصغيرة و إدارتها ليست بالأمر السهل الهيّن هي من حيث المساحة الجغرافية و العديد البشري و المؤسسات الإجتماعية و التربوية و التعليمية في حجم بعض الدول لكن راحلنا المقيم قام بذلك كله و زيادة حتى زادها بهاءاً و نضاراً على ما فيها قبل نحو من خمس سنوات بلغ الاحتقان السياسى و الاجتماعى مبلغاً عميقاً. و منذ وقتها تبينت ملامح هذه الحرب الغشوم الظلوم. سعى الراحل العزيز مستصحباً ارث اباءه الميامين فكان ميلاد مبادرة أهل السودان يختم بها سجله الحافل بالمبادرات الإصلاحية و المصالحات الإجتماعية و الإنفتاحات الكبرى على الآخرين يهدم جُدر القطيعة و يُجسّر خنادق التمترس و يزيل بذور الوقيعة فكان الختام مسكاً و طيباً على طيب فهم القوم لا يشقى جليسهم و لا يضل الدائر في فلكهم،،،، كان راحلنا المقيم عالماً عاملاً زاهداً... كان فقيهاً متضلعاً و أصولياً حاذقاً ملماً بأمهات القضايا و شواردها له أراءه و رؤاه في كثير من موارد الخلاف و الإختلاف. هذّه شذرات قليلات و إضاءات خافتات من سجل حافل بالمكرمات و العطاءات و المروءات نقدمها في وداع هذا الطود الذي رحل عنا ليبقى السجل و تبقى المآثر و تلك العطاءات و المروءات نوراً و ناراً و شرافةً في لوح الزمان. اللهم أحسن إستقباله و أكرم نزله و إجعله عندك من أهل الميزة و المزية و من أهل المعية و الزمرة المرضية إلى جوار الفاتح الخاتم و الآ ل الأطهار و الصحب الأبرار و أهل السبق الأعلام اللهم لا تجعل رحيله و رحيل أمثاله من الصلحاء إنتزاعاً و قبضاً لعلمك و بركاتك من بيننا و هيئ لنا من أمرنا رشدا العزاء موصول لكل اهله و تلاميذه و عارفى فضله و لاهل السودان قاطبة و لاحول ولا قوة الا بالله.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة