إن التعاطي الرسمي مع مؤتمر برلين في 15 أبريل الجاري يكشف عن خلل بنيوي عميق في مراكز اتخاذ القرار السوداني؛ فبينما قدمت وزارة الخارجية اعتراضها الرسمي عبر سفارتها في برلين قبل أيام قليلة من الانعقاد، جاء موقف حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، ليضيف طبقة من الازدواجية والغموض. فمناوي، الذي لا تمنحه صلاحياته الإدارية حق التعاطي مع الشأن الخارجي، تبنى موقفاً متناقضاً برفض الأجندة مبدئياً ثم إرسال ممثل بصفة "مراقب"؟!، في تجاوز واضح لمركزية القرار السيادي. هذا التناقض ليس مجرد اجتهاد سياسي، بل هو نتاج تداخل في الصلاحيات يظهر الدولة في مشهد يفتقر للتناغم؛ حيث تعترض الخرطوم دبلوماسياً وتشارك رمزياً في آن واحد، مما يشوش الرسالة الوطنية ويفقد الدولة هيبتها أمام المجتمع الدولي.
وتكمن خطورة هذا الارتباك في أن مؤتمر برلين لا يمثل مجرد منصة إنسانية، لكنه حلقة في مسار دولي تآمري يهدف إلى "إعادة انتاج السودان سياسياً" من الخارج وهو نوع من التناسخ من لدن الاتفاق الاطاري مرورا بمحاولات "الرباعية الدولية"، والهدف عبر تجريد الدولة من سيادتها تدريجياً وتحويل تعريف الأزمة كما اشار الخبير د. صلاح البندر من "عدوان على الدولة" إلى مجرد "ملف إنساني" تحت إدارة وسطاء دوليين. إن المسعى الحقيقي لهذا المؤتمر هو تذويب السيادة الوطنية عبر منطق "أصحاب المصلحة"، الذي يضع الحكومة الشرعية كصوت واحد وسط مجموعة أصوات، مما يمهد لمساواة عملية بين مؤسسات الدولة والمليشيا المتمردة تحت لافتة "الشمول السياسي". كما يكتنف هذا المسار غموض مريب، حيث يفتقر لآليات واضحة تضمن وقف الإمداد الخارجي للمليشيا بالسلاح، مكتفياً بعبارات إنشائية حول وقف إطلاق النار دون تسمية واضحة للجهات المعتدية.
إن هذه "الهندسة" الخارجية للمخرجات والأطراف المشاركة كان يستدعي من الدبلوماسية السودانية اشتباكاً نشطاً ومبكراً منذ يناير الماضي، لا الاكتفاء بمذكرات احتجاج متأخرة تبدو كإجراء بروتوكولي لإرضاء الداخل. فالدبلوماسية الفاعلة تتطلب فهماً لمراكز القوى الدولية والاشتباك معها عبر القنوات البحثية والإعلامية لفرض "الخطوط الحمراء" الوطنية. وفي ظل التحديات الوجودية التي يواجهها السودان، لم يعد هناك متسع لهذا القدر من اللجلجة؛ فالموقف يتطلب حزماً في القرار وتماسكاً في الخطاب، والتمسك بالاعتراف الكامل بمؤسسات الدولة كشرط غير قابل للتفاوض لأي عملية سياسية. إن الاستمرار في نهج ردود الأفعال لن يؤدي إلا إلى تآكل ما تبقى من فرص التأثير، فالعالم لا يحترم إلا من يحسن التعبير عن مصالحه بوضوح وقوة في الوقت المناسب.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة