الدولة التي تتكلم باسم الله لماذا تنتهي بالخراب؟ "دولة الكيزان" نموذجاً من وعد "الإنقاذ" إلى واقع الدمار والدم..
الصادق حمدين
الدولة، في معناها الدستوري الأعمق، ليست بناءً إدارياً على أرض ذات سيادة، ولا جهازا أمنياً قامعاً متسلطاً، وليست شعباً لا يملك من أمره رشدا، بل وعد أخلاقي خفي وعقد قانوني غير معلن، أن تكون بيتاً يتّسع للجميع، لا محراباً أو معبداً يُقصي المختلف عقائدياً، وأن تحرس التنوّع والاختلاف، لا أن تُحيله إلى تهمة تستوجب القتل والفناء. وحين تُشاد الدولة على أساس ديني، فإن هذا الوعد يُولد مثقوباً، مهدداً منذ اللحظة الأولى بالانكسار والتلاشي والزوال.
فالدولة الدينية، وهي ترفع شعار الحقيقة المطلقة، تتوهّم الوحدة، لكنها تُنجب التشرزم والانقسام. تبحث عن الواحد، فتُنتج المتعدّد المتناحر. ذلك أن الدين، مهما بدا واحداً في نصوصه الكبرى، ليس كذلك في العقول والضمائر والمعتقدات، بل هو مرايا كثيرة لا مرآة واحدة، وتأويلات متعددة لا تأويلا واحداً، وتاريخ من الاختلاف والتطاحن لا سجلاً من الإجماع. وما إن ينتقل من حيز الإيمان الفردي إلى مجال السلطة العامة، حتى يتحوّل إلى ساحة صراع دموي من يملك حق الكلام باسم السماء؟ من يحتكر تفسير المقدّس؟ ومن يوزّع صكوك الصواب والخطأ، النجاة والعقاب ومن يحتكر السلطة والمال العام ويبرر فقهيا لسرقته وتبديده؟
وفي دولة متنوعة الهويات والثقافات والأعراق كبلادنا، يصبح هذا السؤال جرحاً مفتوحاً. كيف تطلب الدولة الدينية ولاءً كاملاً ممن لا ينتمي إلى دينها؟ أو ممن ينتمي، ولكن على نحو مختلف أو مذهب مغاير؟ كيف تزعم العدالة وهي تفرز مواطنيها قبل أن تنظر إليهم، وتزنهم بعقائدهم قبل أن تراهم بشراً يسعون في الأرض؟ أي عدالة هذه التي ترى الإيمان قبل الإنسان؟ أي مساواة هذه التي ترى اللغة والانتماء العقائدي أقوى من رابطة الوطن؟
غير أن أخطر ما في الدولة الدينية أنها لا تحتاج إلى “آخر” كي تنهار، فهي قادرة على تمزيق ذاتها بذاتها. حتى في افتراض الوحدة الدينية والعرقية والثقافية، سرعان ما تنشطر إلى طوائف ونِحَل ومذاهب، كلّ يدّعي القرب من “الصراط”، وكلّ يرى الآخر انحرافاً يستوجب التصحيح غصباً وقسراً أو الإقصاء المفضي إلى الزوال والفناء. وهكذا، لا تعيش الدولة الدينية في سلام، لا مع المختلفين عنها، ولا حتى مع أبنائها المؤسسين. واقعة الانقسام التنظيمي الرمضاني الشهيرة، بين وطني/ وشعبي في ظاهره، وأبناء البحر والغرب في باطنه ليست ببعيدة عن الأذهان. وما حدث في الصومال مثال آخر على أن الوحدة الدينية لا تمنع وقوع خلافات حادة قد تصل إلى التناحر.
في دولة "هي لله" التي ادّعت القداسة، لم يعد الفساد جريمة تتم إدانته، بل فعلاً يُعاد تعريفه ويُؤول مقصده. تغيّرت الأسماء لتنجو الأفعال، فالسرقة من المال العام لم تعد سرقة، بل "تحلّلاً" قانونياً يشرعن النهب بشرط ردّ ما فاض، وكأن اللص شريكاً في المال العام لا متهماً بسرقته. والمحسوبية والمحاباة لم تعد فساداً إدارياً، بل "تمكيناً" منظّماً يحوّل الدولة من مؤسسة عامة إلى ملكية حزبية مغلقة على "الجماعة".
وحتى حين تُمسك الرذيلة متلبسة - غزوة "الشيخ" والمومسات الأربع في نهار رمضان -، يتقدّم فقه السِّترة بتخريجٍ شرعي يطفئ الضوء عن الجريمة، فإن استعصى التأويل، حضر العفو الرئاسي كخاتمة رحيمة لفساد مكتمل الأركان. هكذا تُدار الدولة الدينية، يتم فيها تقديس اللغة لتبرير النهب، ويُستدعى الدين لا لحماية القيم، بل لحراسة السلطة، ويتم فيها اقصاء العدالة باسم الشريعة، وتُصادَر الأخلاق باسم الدولة "الطاهرة".
في الجهة المقابلة، تقف الدولة العلمانية، لا باعتبارها خصماً للدين، بل كمسافة عاقلة منه. هي لا تُنكر الإيمان، ولا تحاربه، ولا تجرّده من قيمته الروحية والثقافية، لكنها ترفض أن يتحوّل إلى سلطة، أو إلى معيار للمواطنة. في الدولة العلمانية، لا يُسأل الفرد عمّا يؤمن به، بل عمّا يلتزم به تجاه وطنه. لا يُقاس الإنسان بدرجة قربه من المقدّس، بل بدرجة خضوعه للقانون وفقا لآلية الواجب والالتزام.
العلمانية ليست خواءً روحياً كما يُصورها تجار الدين وسماسرة العقيدة في أذهان البسطاء من العامة والرجرجة والدهماء من غمار الناس، بل مساحة مشتركة، أرضٌ مستوية يقف عليها المختلفون دون أن يُجبر أحدهم على الانحناء لعقيدة غيره. هي الدولة التي لا تطلب منك أن تكون نسخة عن سواك كي تستحق الحياة بكرامة، ولا تُشهر في وجهك سيف الخطيئة كلما طالبت بحقك.
الدولة العلمانية تفهم الإنسان كما هو: كائناً متعدّد الطبقات، لا يُختزل في هوية واحدة ولا يُحبس في تعريف واحد. لذلك، فهي لا تخشى التنوّع، بل تنظّمه، لا تقمع الاختلاف، بل تحميه بقوة القانون ولا تعد بالخلاص في السماء، بل بالعدل على الأرض. لأن الدولة لا دين لها ولا تتم مساءلة حكامها باعتبارهم فقهاء دين بل باعتبارهم رعاة مسؤولون عن رعيتهم.
وعندما نقارن بين دولة تُدار باسم السماء، وأخرى تُدار باسم الإنسان، فإن السؤال لا يعود أيديولوجيا فقط، بل أخلاقيا في جوهره: أيّهما أقدر على كبح الظلم؟ أيّهما أصلح لحفظ السلم؟ وأيّهما يمنح البشر حق الاختلاف دون خوف؟ الاجابة على هذه التساؤلات اختبرها الشعب السوداني وعايشها لمدة تزيد عن ثلاثة عقود، وما زالت متواصلة دون انقطاع.
الدولة الدينية تُقدّس السلطة باعتبارها غاية في حد ذاتها، والدولة العلمانية تُخضعها للمساءلة باعتبارها وسيلة لرفاه الإنسان بوصفه إنسان وحسب. الأولى تحوّل الخلاف إلى كفر يستوجب الرجم، والثانية تحوّله إلى رأي واجب الاحترام. الأولى تقسم المجتمع إلى “نحن” و“هم”، وعرب وزرقة، والثانية ترى الجميع مواطنين متساوين أمام القانون.
ولعل أعظم ما في الدولة العلمانية أنها لا تدّعي العصمة، ولا تزعم امتلاك الحقيقة النهائية. إنها دولة قابلة للنقد، للإصلاح، للتجاوز لتغيير الحكام. أما الدولة الدينية، فإذا أخطأت، أخطأت باسم المقدّس، فيغدو تصحيح الخطأ ضرباً من التجديف والخروج من الملة، ويصبح الاعتراض تهمة.
لهذا، فإن قابلية الدولة للحياة لا تُقاس بشعارات "هي لله لا للسلطة ولا للجاه"، ولا بالنوايا المخاتلة "فقه التحلل والسترة"، بل بالقدرة على الاستمرار دون دماء، وعلى الاختلاف دون اقتتال، وعلى الإيمان دون قسر وعلى المحاسبة دون محاباة.
ومن هذه الزاوية، تبدو الدولة العلمانية لا الدولة الدينية الأكثر أهلية للبقاء، والأقرب إلى الإنسان، والأصدق وعدا بالسلام. فالدولة الدينية التي نتكلم عنها ليست حواراً نظرياً فلسفياً، بل دولة أمنية قابضة، عشناها واقعا حياتياً مريراً وخبرناها تجربة قاسية، وكان حصادها حصرماً، وهنا لا نعني مذاقاً "حامضاً" تتغير فيه ملامح الوجه فيبدو مثيرا للضحك، بل نعني دماء ودموعاً وخراباً فاق مثيله في التاريخ قديمه وحديثه. إذاً لماذا نجرب المجرب ونحصد الندم مرة أخرى؟
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة