في فرنسا بجانب ان الانتخابات هي آلية ديمقراطية لتداول السلطة ، أصبحت أداة قياس دقيقة للتحولات الاجتماعية العميقة التي تعيد تشكيل الدولة من الداخل . ما أفرزته الانتخابات المحلية الأخيرة لا يمكن قراءته بمنطق “من فاز ومن خسر” ، ولكن بمنطق ، أي مجتمع يتشكل ، وأي عقد اجتماعي ينهار .
الخطأ التحليلي الأكثر شيوعًا هو التعامل مع الانتخابات كحدث سياسي بحت . الواقع أن ما يجري هو تحول اجتماعي يُترجم انتخابيًا ، وليس العكس ، والناخب الفرنسي لم يعد يتحرك وفق انتماء أيديولوجي ثابت ، وإنما وفق موقعه في الاقتصاد ومدى شعوره بالأمان . فالسياسة أصبحت انعكاسًا للتفاوت الاجتماعي أكثر من كونها صراع أفكار . التحول الأكثر خطورة هو تآكل الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا يعتبر صمام الاستقرار وقاعدة للاعتدال السياسي ، أما اليوم ، هذه الطبقة تفقد قدرتها الشرائية وتشعر بالضغط الضريبي وترى نفسها خارج أولويات الدولة .
النتيجة الانتخابية الحالية تقول أن جزء منها يتجه نحو خطاب مارين لوبان وجزء آخر ينكفئ نحو العزوف . نستنتج من ذلك أن الاعتدال لم يعد خيارًا اجتماعيًا متاحًا كما كان سابقًا . من الملاحظ أيضا صعود “فرنسا الطرفية” فالانتخابات كشفت انقسامًا حادًا بين فرنسا الحضرية التي تتمتع بمراكز اقتصادية قوية والوسط أو اليسار ، ففرنسا الطرفية (الريف والضواحي المهمشة) لديها شعور بالإقصاء وضعف الخدمات وفقدان الثقة في الدولة ، هذه الفئة هي التي تشكل الخزان الانتخابي الحقيقي لليمين المتطرف .
رغم استمرار مؤسسات الدولة ، إلا أن الثقة تتآكل بشكل واضح ، حتى في ظل قيادة إيمانويل ماكرون ، المفارقة ان ، المواطن يثق في العمدة لكنه لا يثق في الحكومة هذا يعكس تحولًا عميقًا من دولة مركزية قوية إلى مجتمع يبحث عن حلول محلية بديلة . كما نلاحظ أن هناك تحوّلا في الخطاب السياسي – من الأيديولوجيا إلى القلق حيث لم تعد الحملات الانتخابية تدور حول اليسار واليمين بل حول الأمن والهجرة والقدرة الشرائية . فالتيار الذي نجح في احتكار هذه الملفات هو التيار الذي تقوده مارين لوبان ، بينما فشل اليسار في تحويل العدالة الاجتماعية إلى خطاب عملي يومي .
العزوف الانتخابي… مؤشر أخطر من النتائج نسبة المشاركة المنخفضة ليست تفصيلاً تقنيًا، بل مؤشر استراتيجي حيث كتلة واسعة خارج اللعبة السياسية بسبب شعور عام بعدم الجدوى ، هذه الكتلة تمثل الاحتياطي الانتخابي الأكبر لأي تغيير مفاجئ .
ما الذي تعنيه هذه التحولات سياسيًا ؟ تعني نهاية الأحزاب التقليدية فالأحزاب لم تعد تؤطر الناخب ولا تمثل هويته . صعود شخصيات محلية وتحالفات مرنة . صعود “السياسة البراغماتية” الناخب لم يعد يبحث عن مشروع فكري وإنما يبحث عن حلول مباشرة ونتائج ملموسة . النجاح أصبح مرتبطًا بالكفاءة ، وليس بالأيديولوجيا . كل المؤشرات تشير إلى غياب مرشح مهيمن مع قابلية عالية للمفاجآت .
القراءة استراتيجية تشير إلى ما يحدث في فرنسا هي مرحلة انتقالية من نموذج دولة مركزية إلى نموذج سياسي أكثر تفككًا وتعددًا ، هذا التحول يحمل ثلاث نتائج محتملة : إعادة بناء التوازن عبر تحالفات جديدة وصعود تيارات راديكالية تستثمر الغضب الاجتماعي واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي .
الانتخابات الأخيرة كشفت ما هو أخطر ، مجتمع يتغير أسرع من نظامه السياسي وطبقات تفقد موقعها وثقة تتآكل بهدوء ، فرنسا اليوم لا تعيش أزمة انتخابات…ولكن تعيش إعادة تعريف شاملة لعلاقتها بين الدولة والمجتمع.
الرسائل والمقالات و الآراء المنشورة في المنتدى بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل بالضرورة الرأي الرسمي لصاحب الموقع أو سودانيز اون لاين بل تمثل وجهة نظر كاتبها
لا يمكنك نقل أو اقتباس اى مواد أعلامية من هذا الموقع الا بعد الحصول على اذن من الادارة